الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : وَلَا تَجْعَلُوهُ عِلَّةً لِأَيْمَانِكُمْ ، وَذَلِكَ إِذَا سُئِلَ أَحَدُكُمُ الشَّيْءَ مِنَ الْخَيْرِ وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ قَالَ : عَلَيَّ يَمِينٌ بِاللَّهِ أَنْ لَا أَفْعَلَ ذَلِكَ - أَوْ قَدْ حَلَفْتُ بِاللَّهِ أَنْ لَا أَفْعَلَهُ ، فَيَعْتَلُّ فِي تَرْكِهِ فِعْلَ الْخَيْرِ وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَلِفِ بِاللَّهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4351 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ ، قَالَ : هُوَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلَى الْأَمْرِ الَّذِي لَا يَصْلُحُ ، ثُمَّ يَعْتَلُّ بِيَمِينِهِ ، يَقُولُ اللَّهُ : أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا هُوَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْضِيَ عَلَى مَا لَا يَصْلُحُ ، وَإِنْ حَلَفْتَ كَفَّرْتَ عَنْ يَمِينِكَ وَفَعَلْتَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ لَكَ .
4352 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : وَإِنْ حَلَفْتَ فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ ، وَافْعَلِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ . 4353 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنِ السُّدِّيِّ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ، قَالَ : هُوَ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ أَنْ لَا يُكَلِّمَ قَرَابَتَهُ وَلَا يَتَصَدَّقَ ، أَوْ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ إِنْسَانٍ مُغَاضَبَةٌ فَيَحْلِفَ لَا يُصْلِحُ بَيْنَهُمَا وَيَقُولُ : قَدْ حَلَفْتُ . قَالَ : يُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ .
4354 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا ، يَقُولُ : لَا تَعْتَلُّوا بِاللَّهِ ، أَنْ يَقُولَ أَحَدُكُمْ إِنَّهُ تَأَلَّى أَنْ لَا يَصِلَ رَحِمًا ، وَلَا يَسْعَى فِي صَلَاحٍ ، وَلَا يَتَصَدَّقَ مِنْ مَالِهِ . مَهْلًا مَهْلًا بَارَكَ اللَّهُ فِيكُمْ ، فَإِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ إِنَّمَا جَاءَ بِتَرْكِ أَمْرِ الشَّيْطَانِ ، فَلَا تُطِيعُوهُ ، وَلَا تُنْفِذُوا لَهُ أَمْرًا فِي شَيْءٍ مِنْ نُذُرِوكُمْ وَلَا أَيْمَانِكُمْ . 4355 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ ، قَالَ : هُوَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ لَا يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ وَلَا يَبَرَّ ، فَإِذَا قِيلَ لَهُ ، قَالَ : قَدْ حَلَفْتُ .
وَأَمَّا تَبَرُّوا ، فَالرَّجُلُ يَحْلِفُ لَا يَبَرُّ ذَا رَحِمِهِ فَيَقُولُ : قَدْ حَلَفْتُ! ، فَأَمَرَ اللَّهُ أَنْ لَا يُعَرِّضَ بِيَمِينِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذِي رَحِمِهِ ، وَلِيَبَرَّهُ ، وَلَا يُبَالِي بِيَمِينِهِ . وَأَمَّا تُصْلِحُوا ، فَالرَّجُلُ يُصْلِحُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ فَيَعْصِيَانِهِ ، فَيَحْلِفُ أَنْ لَا يُصْلِحَ بَيْنَهُمَا ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَصْلُحَ وَلَا يُبَالِيَ بِيَمِينِهِ . وَهَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْكَفَّارَاتُ .
4359 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوِيدٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ ، قَالَ : يَحْلِفُ أَنْ لَا يَتَّقِيَ اللَّهَ ، وَلَا يَصِلَ رَحِمَهُ ، وَلَا يُصْلِحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ ، فَلَا يَمْنَعُهُ يَمِينُهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا تَعْتَرِضُوا بِالْحَلِفِ بِاللَّهِ فِي كَلَامِكُمْ فِيمَا بَيْنَكُمْ ، فَتَجْعَلُوا ذَلِكَ حُجَّةً لِأَنْفُسِكُمْ فِي تَرْكِ فِعْلِ الْخَيْرِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4360 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّىُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ ، يَقُولُ : لَا تَجْعَلُنِي عُرْضَةً لِيَمِينِكَ أَنْ لَا تَصْنَعَ الْخَيْرَ ، وَلَكِنْ كَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ وَاصْنَعِ الْخَيْرَ .
4361 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ، كَانَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلَى الشَّيْءِ مِنَ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى لَا يَفْعَلُهُ ، فَنَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا . 4362 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ ، قَالَ : هُوَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ أَنْ لَا يَبِرَّ قَرَابَتَهُ ، وَلَا يَصِلَ رَحِمَهُ ، وَلَا يُصْلِحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ . يَقُولُ : فَلْيَفْعَلْ ، وَلِيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ .
4363 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فِي قَوْلِهِ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ، قَالَ : لَا تَحْلِفْ أَنْ لَا تَتَّقِيَ اللَّهَ ، وَلَا تَحْلِفْ أَنْ لَا تَبَرَّ وَلَا تَعْمَلَ خَيْرًا ، وَلَا تَحْلِفْ أَنْ لَا تَصِلَ ، وَلَا تَحْلِفْ أَنْ لَا تُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ ، وَلَا تَحْلِفُ أَنْ تَقْتُلَ وَتَقْطَعَ . 4364 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ دَاوُدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً الْآيَةَ ، قَالَا هُوَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ أَنْ لَا يَبَرَّ ، وَلَا يَتَّقِيَ ، وَلَا يُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ . وَأُمِرَ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ ، وَيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ ، وَيُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ .
4365 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنْ عِيسَى وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ ، فَأُمِرُوا بِالصِّلَةِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ . فَإِنَّ حَلَفَ حَالِفٌ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْهُ ، وَلْيَدَعْ يَمِينَهُ . 4366 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ الْآيَةَ ، قَالَ : ذَلِكَ فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ أَنْ لَا يَبَرَّ ، وَلَا يَصِلَ رَحِمَهُ ، وَلَا يُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ .
فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَدَعَ يَمِينَهُ ، وَيَصِلَ رَحِمَهُ ، وَيَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ . 4367 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي قَوْلِهِ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ، قَالَتْ : لَا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ وَإِنْ بَرَرْتُمْ . 4368 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : حُدِّثَتْ أَنَّ قَوْلَهُ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ ، الْآيَةَ ، نَزَلَتْ فِي أَبِي بَكْرٍ ، فِي شَأْنِ مِسْطَحٍ .
4369 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ مُغِيرَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَوْلَهُ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ الْآيَةَ ، قَالَ : يَحْلِفُ الرَّجُلُ أَنْ لَا يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ ، وَلَا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَلَا يَصِلَ رَحِمَهُ . 4370 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا سُوِيدٌ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ هُشَيْمٍ عَنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ ، قَالَ : يَحْلِفُ أَنْ لَا يَتَّقِيَ اللَّهَ ، وَلَا يَصِلَ رَحِمَهُ ، وَلَا يُصْلِحَ بَيْنَ اثْنَيْنِ . فَلَا يَمْنَعُهُ يَمِينُهُ .
4371 - حَدَّثَنِي ابْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْبَرْقِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبَى سَلَمَةَ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ ، قَالَ : هُوَ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلَ أَنْ لَا يَصْنَعَ خَيْرًا ، وَلَا يَصِلَ رَحِمَهُ ، وَلَا يُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ . نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالْآيَةِ ، تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَا تَجْعَلُوا الْحَلِفَ بِاللَّهِ حُجَّةً لَكُمْ فِي تَرْكِ فِعْلِ الْخَيْرِ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ النَّاسِ .
وَذَلِكَ أَنَّ الْعُرْضَةَ ، فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، الْقُوَّةُ وَالشِّدَّةُ . يُقَالُ مِنْهُ : هَذَا الْأَمْرُ عُرْضَةٌ لَكَ يَعْنِي بِذَلِكَ : قُوَّةٌ لَكَ عَلَى أَسْبَابِكَ ، وَيُقَالُ : فُلَانَةٌ عُرْضَةٌ لِلنِّكَاحِ ، أَيْ قُوَّةٌ ، وَمِنْهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ فِي صِفَةِ نُوقٍ : مِنْ كُلِّ نَضَّاحَةِ الذِّفْرَى إِذَا عَرِقَتْ عُرْضَتُهَا طَامِسُ الْأَعْلَامِ مَجْهُولُ يَعْنِي بِ عُرَضَتُهَا : قُوَّتُهَا وَشِدَّتُهَا . فَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ إذًا : لَا تَجْعَلُوا اللَّهَ قُوَّةً لِأَيْمَانِكُمْ فِي أَنْ لَا تَبَرُّوا وَلَا تَتَّقُوا وَلَا تُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ .
وَلَكِنْ إِذَا حَلَفَ أَحَدُكُمْ فَرَأَى الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِمَّا حَلَفَ عَلَيْهِ مِنْ تَرْكِ الْبِرِّ وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ ، فَلْيَحْنَثْ فِي يَمِينِهِ ، وَلِيَبَرَّ ، وَلْيَتَّقِ اللَّهَ ، وَلِيُصْلِحْ بَيْنَ النَّاسِ ، وَلِيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ . وَتَرْكُ ذِكْرِ لَا مِنَ الْكَلَامِ ، لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا ، وَاكْتِفَاءً بِمَا ذُكِرَ عَمَّا تُرِكَ ، كَمَا قَالَ امُرُؤُ الْقَيْسِ : فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا وَلَوْ قَطَّعُوا رَأْسِي لَدَيْكَ وَأَوْصَالِي بِمَعْنَى : فَقُلْتُ : يَمِينَ اللَّهِ لَا أَبْرَحُ ، فَحَذَفَ لَا ، اكْتِفَاءً بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : أَنْ تَبَرُّوا ، فَإِنَّهُ اخْتَلَفَ فِي تَأْوِيلِ الْبِرِّ الَّذِي عَنَاهُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ فِعْلُ الْخَيْرِ كُلِّهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ الْبَرُّ بِذِي رَحِمِهِ ، وَقَدْ ذَكَرْتُ قَائِلِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى . وَأَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِهِ فِعْلُ الْخَيْرِ كُلِّهِ .
وَذَلِكَ أَنَّ أَفْعَالَ الْخَيْرِ كُلَّهَا مِنْ الْبِرِّ ، وَلَمْ يُخَصِّصِ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ : أَنْ تَبَرُّوا مَعْنًى دُونَ مَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْبِرِّ ، فَهُوَ عَلَى عُمُومِهِ ، وَالْبِرُّ بِذَوِي الْقَرَابَةِ أَحَدُ مَعَانِي الْبِرِّ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَتَتَّقُوا ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ : أَنْ تَتَّقُوا رَبَّكُمْ فَتُحَذِّرُوهُ وَتَحْذَرُوا عِقَابَهُ فِي فَرَائِضِهِ وَحُدُودِهِ أَنْ تُضَيِّعُوهَا أَوْ تَتَعَدَّوْهَا . وَقَدْ ذَكَرْنَا تَأْوِيلَ مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ أَنَّهُ بِمَعْنَى التَّقْوَى قَبْلُ .
وَقَالَ آخَرُونَ فِي تَأْوِيلِهِ بِمَا : - 4372 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلَى الشَّيْءِ مِنَ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى لَا يَفْعَلُهُ ، فَنَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ الْآيَةَ . قَالَ : وَيُقَالُ : لَا يَتَّقِ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِي ، تَحْلِفُونَ بِي وَأَنْتُمْ كَاذِبُونَ لِيُصَدِّقَكُمُ النَّاسُ ، وَتُصْلِحُونَ بَيْنَهُمْ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا ، الْآيَةَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ، فَهُوَ الْإِصْلَاحُ بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ فِيمَا لَا مَأْثَمَ فِيهِ ، وَفِيمَا يُحِبُّهُ اللَّهُ دُونَ مَا يَكْرَهُهُ .
وَأَمَّا الَّذِي ذَكَرْنَا عَنِ السُّدِّيِّ : مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ نُزُولِ كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ ، فَقَوْلٌ لَا دَلَالَةَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ . وَالْخَبَرُ عَمَّا كَانَ ، لَا تُدْرَكُ صِحَّتُهُ إِلَّا بِخَبَرٍ صَادِقٍ ، وَإِلَّا كَانَ دَعْوَى لَا يَتَعَذَّرُ مِثْلُهَا وَخِلَافُهَا عَلَى أَحَدٍ . وَغَيْرُ مُحَالٍ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ بَعْدَ بَيَانِ كَفَّارَاتِ الْأَيْمَانِ فِي سُورِهِ الْمَائِدَةِ ، وَاكْتَفَى بِذِكْرِهَا هُنَاكَ عَنْ إِعَادَتِهَا ههُنَا ، إِذْ كَانَ الْمُخَاطِبُونَ بِهَذِهِ الْآيَةِ قَدْ عَلِمُوا الْوَاجِبَ مِنَ الْكَفَّارَاتِ فِي الْأَيْمَانِ الَّتِي يَحْنَثُ فِيهَا الْحَالِفُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 224 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ : وَاللَّهُ سَمِيعٌ لِمَا يَقُولُهُ الْحَالِفُ مِنْكُمْ بِاللَّهِ إِذَا حَلَفَ فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَبَرُّ وَلَا أَتَّقِي وَلَا أُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ ، وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ قِيْلِكُمْ وَأَيْمَانِكُمْ عَلِيمٌ بِمَا تَقْصِدُونَ وَتَبْتَغُونَ بِحَلِفِكُمْ ذَلِكَ ، أَلْخَيْرُ تُرِيدُونَ أَمْ غَيْرَهُ؟ لِأَنِّي عَلَّامُ الْغُيُوبِ وَمَا تُضْمِرُهُ الصُّدُورُ ، لَا تَخْفَى عَلَيَّ خَافِيَةٌ ، وَلَا يَنْكَتِمُ عَنِّي أَمْرُ عَلَنٍ فَظَهَرَ ، أَوْ خَفِيَ فَبَطَنَ . وَهَذَا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ تَهَدُّدٌ وَوَعِيدٌ . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَاتَّقَوْنِ أَيُّهَا النَّاسُ أَنْ تُظْهِرُوا بِأَلْسِنَتِكُمْ مِنَ الْقَوْلِ ، أَوْ بِأَبْدَانِكُمْ مِنَ الْفِعْلِ ، مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ - أَوْ تُضْمِرُوا فِي أَنْفُسِكُمْ وَتَعْزِمُوا بِقُلُوبِكُمْ مِنَ الْإِرَادَاتِ وَالنِّيَّاتِ بِفِعْلِ مَا زَجَرَتْكُمْ عَنْهُ ، فَتَسْتَحِقُّوا بِذَلِكَ مِنِّي الْعُقُوبَةَ الَّتِي قَدْ عَرَّفَتْكُمُوهَا ، فَإِنِّي مُطَّلِعٌ عَلَى جَمِيعِ مَا تُعْلِنُونَهُ أَوْ تُسِرُّونَهُ .