الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ، وَفِي مَعْنَى اللَّغْوِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي مَعْنَاهُ : لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِمَا سَبَقَتْكُمْ بِهِ أَلْسِنَتُكُمْ مِنَ الْأَيْمَانِ عَلَى عَجَلَةٍ وَسُرْعَةٍ ، فَيُوجِبُ عَلَيْكُمْ بِهِ كَفَّارَةً إِذَا لَمْ تَقْصِدُوا الْحَلِفَ وَالْيَمِينَ . وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ : فَعَلْتُ هَذَا وَاللَّهِ ، أَوْ : أَفْعَلُهُ وَاللَّهِ ، أَوْ : لَا أَفْعَلُهُ وَاللَّهِ ، عَلَى سُبُوقِ الْمُتَكَلِّمِ بِذَلِكَ لِسَانُهُ ، بِمَا وَصَلَ بِهِ كَلَامَهُ مِنَ الْيَمِينِ .
4400 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ عَمْرٌو وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ النَّوْفَلِيُّ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ بِذَلِكَ . 4401 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ، قَالَ : الرَّجُلَانِ يَتَبَايَعَانِ ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا : وَاللَّهِ لَا أَبِيعُكَ بِكَذَا وَكَذَا ، وَيَقُولُ الْآخَرُ : وَاللَّهِ لَا أَشْتَرِيهِ بِكَذَا وَكَذَا ، فَهَذَا اللَّغْوُ ، لَا يُؤَاخِذُ بِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ اللَّغْوُ فِي الْيَمِينِ الْيَمِينُ الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا الْحَالِفُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَمَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ يَتَبَيَّنُ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ بِخِلَافِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ .
وَمِنَ اللَّغْوِ أَيْضًا أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ عَلَى أَمْرٍ لَا يَأْلُو فِيهِ الصِّدْقَ ، وَقَدْ أَخْطَأَ فِي يَمِينِهِ ، فَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ . 4405 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ وَابْنُ الْمُثَنَّى قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ فِي قَوْلِهِ : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ، قَالَ : خَطَأٌ غَيْرُ عَمْدٍ . 4406 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ عَوْفٍ عَنِ الْحَسَنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ، قَالَ : هُوَ أَنْ تَحْلِفَ عَلَى الشَّيْءِ ، وَأَنْتَ يُخَيَّلُ إِلَيْكَ أَنَّهُ كَمَا حَلَفْتَ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ .
فَلَا يُؤَاخِذُهُ اللَّهُ وَلَا كَفَّارَةَ ، وَلَكِنَّ الْمُؤَاخَذَةَ وَالْكَفَّارَةَ فِيمَا حَلَفَ عَلَيْهِ عَلَى عِلْمٍ . 4407 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ وَابْنُ وَكِيعٍ قَالَا : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ دَلْهَمَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : هُوَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلَى الْيَمِينِ ، لَا يَرَى إِلَّا أَنَّهُ كَمَا حَلَفَ . 4408 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ عَنْ عَاصِمٍ عَنِ الْحَسَنِ : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ، قَالَ : هُوَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلَى الْيَمِينِ يَرَى أَنَّهَا كَذَلِكَ ، وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ .
قَالَ : فَلَا يُؤَاخِذُكُمْ بِذَلِكَ . قَالَ : وَكَانَ يُحِبُّ أَنْ يُكَفِّرَ . 4415 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا الْجُعْفِيُّ عَنْ زَائِدَةَ عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ : قَالَ إِبْرَاهِيمُ : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ، قَالَ : أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الشَّيْءِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ صَادَقٌ وَهُوَ كَاذِبٌ ، فَذَلِكَ اللَّغْوُ ، لَا يُؤَاخَذُ بِهِ .
4422 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ : سُئِلَ عَامِرٌ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ قَالَ : اللَّغْوُ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ لَا يَأْلُو عَنِ الْحَقِّ ، فَيَكُونَ غَيْرَ ذَلِكَ . فَذَلِكَ اللَّغْوُ الَّذِي لَا يُؤَاخِذُ بِهِ . 4423 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ، فَاللَّغْوُ الْيَمِينُ الْخَطَأُ غَيْرُ الْعَمْدِ ، أَنْ تَحْلِفَ عَلَى الشَّيْءِ وَأَنْتَ تَرَى أَنَّهُ كَمَا حَلَفْتَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ .
فَهَذَا لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَلَا مَأْثَمَ فِيهِ . 4424 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ، أَمَّا اللَّغْوُ : فَالرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلَى الْيَمِينِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهَا كَذَلِكَ ، فَلَا تَكُونُ كَذَلِكَ . فَلَيْسَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ .
4425 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الرَّبِيعِ فِي قَوْلِهِ : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ، قَالَ : اللَّغْوُ الْيَمِينُ الْخَطَأُ فِي غَيْرِ عَمْدٍ : أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الشَّيْءِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ . وَهَذَا مَا لَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ كَفَّارَةٌ . 4426 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي مَالِكٍ قَالَ : أَمَّا الْيَمِينُ الَّتِي لَا يُؤَاخِذُ بِهَا صَاحِبُهَا ، فَالرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلَى الْيَمِينِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ فِيهَا صَادِقٌ ، فَذَلِكَ اللَّغْوُ .
4427 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ عَنْ أَبِي مَالِكٍ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : الرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلَى الْأَمْرِ يَرَى أَنَّهُ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ ، فَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ . فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ كَفَّارَةٌ ، وَهُوَ اللَّغْوُ . 4428 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَعَنِ ابْنِ أَبِي طَلْحَةَ - كَذَا قَالَ ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ - قَالَا مَنْ قَالَ : وَاللَّهِ لَقَدْ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ قَدْ فَعَلَهُ ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ ، فَهَذَا لَغْوُ الْيَمِينِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ كَفَّارَةٌ .
4432 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ، قَالَ : إِذَا حَلَفَ عَلَى الْيَمِينِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ فِيهِ صَادِقٌ ، وَهُوَ كَاذِبٌ ، فَلَا يُؤَاخِذُ بِهِ ، وَإِذَا حَلَفَ عَلَى الْيَمِينِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ ، فَذَاكَ الَّذِي يُؤَاخِذُ بِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ اللَّغْوُ مِنَ الْأَيْمَانِ الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا صَاحِبُهَا فِي حَالِ الْغَضَبِ عَلَى غَيْرِ عَقْدِ قَلْبٍ وَلَا عَزْمٍ ، وَلَكِنْ وُصْلَةً لِلْكَلَامِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4433 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ خَالِدٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ وَسِيمٍ [ عَنْ طَاوُسٍ ] عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَغْوُ الْيَمِينِ أَنْ تَحْلِفَ وَأَنْتَ غَضْبَانُ .
4443 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ، قَالَ : هُوَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ ، فَلَا يُؤَاخِذُهُ اللَّهُ بِتَرْكِهَا إِنْ تَرَكَهَا . قُلْتُ : فَكَيْفَ يَصْنَعُ؟ قَالَ : يُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَتْرُكُ الْمَعْصِيَةَ . 4444 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ، قَالَ : هُوَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلَى الْحَرَامِ ، فَلَا يُؤَاخِذُهُ اللَّهُ بِتَرْكِهِ .
4445 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : أَخْبَرَنَا دَاوُدُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ فِي لَغْوِ الْيَمِينِ قَالَ : هِيَ الْيَمِينُ فِي الْمَعْصِيَةِ ، قَالَ : أَوَ لَا تَقْرَأُ فَتَفْهَمَ ؟ قَالَ اللَّهُ : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 89 ] ، قَالَ : فَلَا يُؤَاخِذُهُ بِالْإِلْغَاءِ ، وَلَكِنْ يُؤَاخِذُهُ بِالتَّمَامِ عَلَيْهَا . قَالَ : وَقَالَ : وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ إِلَى قَوْلِهِ : وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ . 4446 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ، قَالَ : الرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ ، فَلَا يُؤَاخِذُهُ اللَّهُ بِتَرْكِهَا ، وَيُكَفِّرُ .
4453 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الْكِنْدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ قَطِيعَةِ رَحِمٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ ، فَبِرُّهُ أَنْ يَحْنَثَ بِهَا وَيَرْجِعَ عَنْ يَمِينِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : اللَّغْوُ مِنَ الْأَيْمَانِ : كُلُّ يَمِينٍ وَصَلَ الرَّجُلُ بِهَا كَلَامَهُ ، عَلَى غَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ إِيجَابَهَا عَلَى نَفْسِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4454 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : لَغْوُ الْيَمِينِ ، أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ كَلَامَهُ بِالْحَلِفِ : وَاللَّهِ لَيَأْكُلَّنَّ ، وَاللَّهِ لَيَشْرَبَنَّ وَنَحْوُ هَذَا ، لَا يَتَعَمَّدُ بِهِ الْيَمِينُ ، وَلَا يُرِيدُ بِهِ حَلِفًا .
لَيْسَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ . 4455 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ : لَغْوُ الْيَمِينِ ، مَا يَصِلُ بِهِ كَلَامَهُ : وَاللَّهِ لَتَأْكُلَّنَّ ، وَاللَّهِ لَتَشْرَبَنَّ . 4456 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَكَمِ عَنْ مُجَاهِدٍ : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ، قَالَ : هُمَا الرَّجُلَانِ يَتَسَاوَمَانِ بِالشَّيْءِ ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا : وَاللَّهِ لَا أَشْتَرِيهِ مِنْكَ بِكَذَا ، وَيَقُولُ الْآخَرُ : وَاللَّهِ لَا أَبِيعُكَ بِكَذَا وَكَذَا .
4457 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : أَنَّ عُرْوَةَ حَدَّثَهُ : أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : أَيْمَانُ اللَّغْوِ ، مَا كَانَ فِي الْهَزْلِ وَالْمِرَاءِ وَالْخُصُومَةِ ، وَالْحَدِيثِ الَّذِي لَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ . وَعِلَّةُ مَنْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنَ الْأَثَرِ ، مَا : - 4458 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى الْحَرَشَيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مَيْمُونٍ الْمُرَادِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ : مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْمٍ يَنْتَضِلُونَ - يَعْنِي : يَرْمُونَ - وَمَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ ، فَرَمَى رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقَالَ : أَصَبْتَ وَاللَّهِ ، وَأَخْطَأْتُ! فَقَالَ الَّذِي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَنِثَ الرَّجُلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : كَلَّا ، أَيْمَانُ الرُّمَاةِ لَغْوٌ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا وَلَا عُقُوبَةَ . وَقَالَ آخَرُونَ : اللَّغْوُ مِنَ الْأَيْمَانِ ، مَا كَانَ مِنْ يَمِينٍ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ مِنَ الْحَالِفِ عَلَى نَفْسِهِ : إِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا ، أَوْ بِمَعْنَى الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4459 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْمِصْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَرْزُوقٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِ اللَّهِ : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ، قَالَ : هُوَ كَقَوْلِ الرَّجُلِ : أَعْمَى اللَّهُ بَصَرِي إِنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا - أَخْرَجَنِي اللَّهُ مِنْ مَالِي إِنْ لَمْ آتِكَ غَدًا ، فَهُوَ هَذَا ، وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ لَهُ مَالًا وَلَا وَلَدًا . يَقُولُ : لَوْ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِهَذَا لَمْ يَتْرُكْ لَكُمْ شَيْئًا . 4460 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِمَثَلِهِ .
4461 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ كَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ، مِثْلَ قَوْلِ الرَّجُلِ : هُوَ كَافِرٌ ، وَهُوَ مُشْرِكٌ . قَالَ : لَا يُؤَاخِذُهُ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِهِ . 4462 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ، قَالَ : اللَّغْوُ فِي هَذَا : الْحَلِفُ بِاللَّهِ مَا كَانَ بِالْأَلْسُنِ ، فَجَعَلَهُ لَغْوًا ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ : هُوَ كَافِرٌ بِاللَّهِ ، وَهُوَ إذًا يُشْرِكُ بِاللَّهِ ، وَهُوَ يَدْعُو مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ، فَهَذَا اللَّغْوُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : اللَّغْوُ فِي الْأَيْمَانِ : مَا كَانَتْ فِيهِ كَفَّارَةٌ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4463 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ، فَهَذَا فِي الرَّجُلِ يَحْلِفُ عَلَى أَمْرِ إِضْرَارِ أَنْ يَفْعَلَهُ فَلَا يَفْعَلُهُ ، فَيَرَى الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ ، فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُكَفِّرَ يَمِينَهُ ، وَيَأْتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ . 4464 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ، قَالَ : الْيَمِينُ الْمُكَفِّرَةُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : اللَّغْوُ مِنَ الْأَيْمَانِ : هُوَ مَا حَنِثَ فِيهِ الْحَالِفُ نَاسِيًا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4465 - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنِي مُغِيرَةُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : هُوَ الرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلَى الشَّيْءِ ثُمَّ يَنْسَاهُ ، يَعْنِي فِي قَوْلِهِ : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَ اللَّغْوُ مِنَ الْكَلَامِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، كُلُّ كَلَامٍ كَانَ مَذْمُومًا وَسَقْطًا لَا مَعْنَى لَهُ مَهْجُورًا ، يُقَالُ مِنْهُ : لَغَا فُلَانٌ فِي كَلَامِهِ يَلْغُو لَغْوًا إِذَا قَالَ قَبِيحًا مِنَ الْكَلَامِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [ سُورَةُ الْقَصَصِ : 55 ] ، وَقَوْلُهُ : وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا [ سُورَةُ الْفُرْقَانِ : 72 ] .
وَمَسْمُوعٌ مِنَ الْعَرَبِ : لَغَيْتُ بَاسِمِ فُلَانٍ ، بِمَعْنَى أَوْلَعْتُ بِذِكْرِهِ بِالْقَبِيحِ . فَمَنْ قَالَ : لَغَيْتُ ، قَالَ : أَلْغَى لَغًا ، وَهِيَ لُغَةٌ لِبَعْضِ الْعَرَبِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ : وَرُبَّ أَسْرَابٍ حَجِيجٍ كُظَّمِ عَنِ اللَّغَا وَرَفَثِ التَّكَلُّمِ فَإِذَا كَانَ اللَّغْوُ مَا وَصَفْتُ ، وَكَانَ الْحَالِفُ بِاللَّهِ : مَا فَعَلْتُ كَذَا وَقَدْ فَعَلَ وَلَقَدْ فَعَلْتُ كَذَا وَمَا فَعَلَ - وَاصِلًا بِذَلِكَ كَلَامَهُ عَلَى سَبِيلِ سُبُوقِ لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَمُّدِ إِثْمٍ فِي يَمِينِهِ ، وَلَكِنْ لِعَادَةٍ قَدْ جَرَتْ لَهُ عِنْدَ عَجَلَةِ الْكَلَامِ ، وَالْقَائِلُ : وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لَفُلَانٌ وَهُوَ يَرَاهُ كَمَا قَالَ : أَوْ : وَاللَّهِ مَا هَذَا فُلَانٌ! وَهُوَ يَرَاهُ لَيْسَ بِهِ ، وَالْقَائِلُ : لَيَفْعَلَنَّ كَذَا وَاللَّهِ - أَوْ : لَا يَفْعَلُ كَذَا وَاللَّهِ عَلَى سَبِيلِ مَا وَصَفْنَا مِنْ عَجَلَةِ الْكَلَامِ وَسُبُوقِ اللِّسَانِ لِلْعَادَةِ ، عَلَى غَيْرِ تَعَمُّدِ حَلِفٍ عَلَى بَاطِلٍ ، وَالْقَائِلُ : هُوَ مُشْرِكٌ ، أَوْ هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ ، إِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَذَا - أَوْ إِنْ فَعَلَ كَذَا مِنْ غَيْرِ عَزْمٍ عَلَى كُفْرٍ أَوْ يَهُودِيَّةٍ أَوْ نَصْرَانِيَّةٍ ، جَمِيعُهُمْ قَائِلُونَ هَجْرًا مِنَ الْقَوْلِ وَذَمِيمًا مِنَ الْمَنْطِقِ ، وَحَالِفُونَ مِنَ الْأَيْمَانِ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَمْ تَتَعَمَّدْ فِيهِ الْإِثْمَ قُلُوبُهُمْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُمْ لُغَاةٌ فِي أَيْمَانِهِمْ ، لَا تَلْزَمُهُمْ كَفَّارَةٌ فِي الْعَاجِلِ ، وَلَا عُقُوبَةَ فِي الْآجِلِ ، لِإِخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ عِبَادَهُ ، بِمَا لَغَوْا مِنْ أَيْمَانِهِمْ ، وَأَنَّ الَّذِي هُوَ مُؤَاخِذُهُمْ بِهِ ، مَا تَعَمَّدَتْ فِيهِ الْإِثْمَ قُلُوبُهُمْ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَكَانَ صَحِيحًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا ، فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ ، فَأَوْجِبَ الْكَفَّارَةَ بِإِتْيَانِ الْحَالِفِ مَا حَلَفَ أَنْ لَا يَأْتِيَهُ ، مَعَ وُجُوبِ إِتْيَانِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ مِنَ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَأْتِيَهُ ، وَكَانَتِ الْغَرَامَةُ فِي الْمَالِ - أَوْ إِلْزَامِ الْجَزَاءَ مِنَ الْمَجْزِيِّ أَبْدَالَ الْجَازِينَ لَا شَكَّ عُقُوبَةً كَبَعْضِ الْعُقُوبَاتِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَكَالًا لِخَلْقِهِ فِيمَا تَعَدَّوْا مِنْ حُدُودِهِ ، وَإِنْ كَانَ يَجْمَعُ جَمِيعُهَا أَنَّهَا تَمْحِيصٌ وَكَفَّارَاتٌ لِمَنْ عُوقِبَ بِهَا فِيمَا عُوقِبُوا عَلَيْهِ ، كَانَ بَيِّنًا أَنَّ مَنْ أُلْزِمَ الْكَفَّارَةَ فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُ فِيمَا حَلَفَ بِهِ مِنَ الْأَيْمَانِ فَحَنِثَ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَتْ كَفَّارَةً لِذَنْبِهِ ، فَقَدَ وَاخَذَهَ اللَّهُ بِهَا بِإِلْزَامِهِ إِيَّاهُ الْكَفَّارَةَ مِنْهَا ، وَإِنْ كَانَ مَا عَجَّلَ مِنْ عُقُوبَتِهِ إِيَّاهُ عَلَى ذَلِكَ ، مُسْقِطًا عَنْهُ عُقُوبَتَهُ فِي آجِلِهِ .
وَإِذْ كَانَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ وَاخَذَهُ بِهَا ، فَغَيْرُ جَائِزٍ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ وَقَدْ وَاخَذَهُ بِهَا : هِيَ مِنَ اللَّغْوِ الَّذِي لَا يُؤَاخَذُ بِهِ قَائِلَهُ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ جَائِزٍ ، فَبَيِّنٌ فَسَادُ الْقَوْلِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ : اللَّغْوُ الْحَلِفُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ ، لَمْ يَكُنْ عَلَى الْحَالِفِ عَلَى مَعْصِيَةِ اللَّهِ كَفَّارَةٌ بِحِنْثِهِ فِي يَمِينِهِ . وَفِي إِيجَابِ سَعِيدٍ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ ، دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّ صَاحِبَهَا بِهَا مُؤَاخَذٌ ، لِمَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ مَنْ لَزِمَهُ الْكَفَّارَةُ فِي يَمِينِهِ ، فَلَيْسَ مِمَّنْ لَمْ يُؤَاخَذْ بِهَا .
فَإِذَا كَانَ اللَّغْوُ هُوَ مَا وَصَفْنَا مِمَّا أَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُؤَاخِذُنَا بِهِ - وَكُلُّ يَمِينٍ لَزِمَتْ صَاحِبَهَا بِحِنْثِهِ فِيهَا الْكَفَّارَةُ فِي الْعَاجِلِ ، أَوْ أَوْعَدَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ صَاحِبَهَا الْعُقُوبَةَ عَلَيْهَا فِي الْآجِلِ ، وَإِنْ كَانَ وَضَعَ عَنْهُ كَفَّارَتَهَا فِي الْعَاجِلِ - فَهِيَ مِمَّا كَسَبَتْهُ قُلُوبُ الْحَالِفِينَ ، وَتَعَمَّدَتْ فِيهِ الْإِثْمَ نُفُوسُ الْمُقْسِمِينَ . وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَهُوَ اللَّغْوُ ، وَقَدْ بَيَّنَّا وُجُوهَهُ؛ فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إذًا : لَا تَجْعَلُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ قُوَّةً لِأَيْمَانِكُمْ ، وَحُجَّةً لِأَنْفُسِكُمْ فِي إِقْسَامِكُمْ ، فِي أَنْ لَا تَبَرُّوا وَلَا تَتَّقُوا وَلَا تُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا لَغَتْهُ أَلْسِنَتُكُمْ مِنْ أَيْمَانِكُمْ فَنَطَقَتْ بِهِ مِنْ قَبِيحِ الْأَيْمَانِ وَذَمِيمِهَا ، عَلَى غَيْرِ تَعَمُّدِكُمُ الْإِثْمَ ، وَقَصْدِكُمْ بِعَزَائِمِ صُدُورِكُمْ إِلَى إِيجَابِ عَقْدِ الْأَيْمَانِ الَّتِي حَلَفْتُمْ بِهَا ، وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا تَعَمَّدْتُمْ فِيهِ عَقْدَ الْيَمِينِ وَإِيجَابَهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ، وَعَزَمْتُمْ عَلَى الِإْتِمَانِ عَلَى مَا حَلَفْتُمْ عَلَيْهِ بِقَصْدٍ مِنْكُمْ وَإِرَادَةٍ ، فَيَلْزَمُكُمْ حِينَئِذٍ إِمَّا كَفَّارَةٌ فِي الْعَاجِلِ ، وَإِمَّا عُقُوبَةٌ فِي الْآجِلِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي أَوْعَدَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ عِبَادَهُ أَنَّهُ مُؤَاخِذُهُمْ بِهِ ، بَعْدَ إِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ، مَا تَعَمَّدَتْ .
فَقَالَ بَعْضُهُمُ : الْمَعْنَى الَّذِي أَوْعَدَ اللَّهُ عِبَادَهُ مُؤَاخَذَتَهُمْ بِهِ : هُوَ حَلِفُ الْحَالِفِ مِنْهُمْ عَلَى كَذِبٍ وَبَاطِلٍ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4466 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : إِذَا حَلَفَ الرَّجُلُ عَلَى الْيَمِينِ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ صَادَقٌ وَهُوَ كَاذِبٌ فَلَا يُؤَاخِذُ بِهَا . وَإِذَا حَلَفَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ ، فَذَاكَ الَّذِي يُؤَاخِذُ بِهِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْوَاجِبُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ، فِي الْآخِرَةِ بِهَا بِمَا شَاءَ مِنَ الْعُقُوبَاتِ - وَأَنْ تَكُونَ الْكَفَّارَةُ إِنَّمَا تَلْزَمُ الْحَالِفَ فِي الْأَيْمَانِ الَّتِي هِيَ لَغْوٌ . وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى الْكَفَّارَةَ إِلَّا فِي الْأَيْمَانِ الَّتِي تَكُونُ لَغْوًا فَأَمَّا مَا كَسَبَتْهُ الْقُلُوبُ وَعَقَدَتْ فِيهِ عَلَى الْإِثْمِ ، فَلَمْ يَكُنْ يُوجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةَ . وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ .
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ تَأْوِيلَ الْآيَةِ عِنْدَهُمْ ، فَالْوَاجِبُ عَلَى مَذْهَبِهِمْ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْآيَةِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ : لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ، وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ ، وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ . وَبِنَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ ، كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ وَجَمَاعَةٌ أُخَرُ غَيْرُهُمْ يَقُولُونَ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ عَنْهُمْ بِذَلِكَ آنِفًا . وَقَالَ آخَرُونَ : الْمَعْنَى الَّذِي أَوْعَدَ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ الْمُؤَاخَذَةَ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، هُوَ حَلِفُ الْحَالِفِ عَلَى بَاطِلٍ يَعْلَمُهُ بَاطِلًا .
وَفِي ذَلِكَ أَوْجَبَ اللَّهُ عِنْدَهُمُ الْكَفَّارَةَ ، دُونَ اللَّغْوِ الَّذِي يَحْلِفُ بِهِ الْحَالِفُ وَهُوَ مُخْطِئٌ فِي حَلِفِهِ ، يَحْسَبُ أَنَّ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ كَمَا حَلَفَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4473 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ، يَقُولُ : بِمَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ، وَمَا تَعَمَّدَتْ فِيهِ الْمَأْثَمَ ، فَهَذَا عَلَيْكَ فِيهِ الْكَفَّارَةُ . 4473 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ مِثْلَهُ سَوَاءٌ .
وَكَأَنَّ قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ ، وَجَّهُوا تَأْوِيلَ مُؤَاخَذَةِ اللَّهِ عَبْدَهُ عَلَى مَا كَسَبَهُ قَلْبُهُ مِنَ الْأَيْمَانِ الْفَاجِرَةِ ، إِلَى أَنَّهَا مُؤَاخَذَةٌ مِنْهُ لَهُ بِهَا بِإِلْزَامِهِ الْكَفَّارَةَ فِيهِ . وَقَالَ بِنَحْوِ قَوْلِ قَتَادَةَ جَمَاعَةٌ أُخَرُ ، فِي إِيجَابِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحَالِفِ الْيَمِينَ الْفَاجِرَةَ مِنْهُمْ عَطَاءٌ وَالْحَكَمُ . 4474 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ وَيَعْقُوبُ قَالَا حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا حَجَّاجٌ عَنْ عَطَاءٍ وَالْحَكَمِ أَنَّهُمَا كَانَا يَقُولَانِ فِيمَنْ حَلَفَ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا : يُكَفِّرُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ مَعْنَيَانِ : أَحَدُهُمَا مُؤَاخَذٌ بِهِ الْعَبْدُ فِي حَالِ الدُّنْيَا بِإِلْزَامِ اللَّهِ إِيَّاهُ الْكَفَّارَةَ مِنْهُ ، وَالْآخِرُ مِنْهُمَا مُؤَاخَذٌ بِهِ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4475 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ أَمَّا مَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ فَمَا عَقَدَتْ قُلُوبُكُمْ ، فَالرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلَى الْيَمِينِ يَعْلَمُ أَنَّهَا كَاذِبَةٌ - إِرَادَةَ أَنْ يَقْضِيَ أَمْرَهُ . وَالْأَيْمَانُ ثَلَاثَةٌ : اللَّغْوُ ، وَالْعَمْدُ ، وَالْغَمُوسُ .
وَالرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلَى الْيَمِينِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَ ، ثُمَّ يَرَى خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ ، فَهَذِهِ الْيَمِينُ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ ، فَهَذِهِ لَهَا كَفَّارَةٌ . وَكَأَنَّ قَائِلَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ ، وَجَّهَ تَأْوِيلَ قَوْلِهِ : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ، إِلَى غَيْرِ مَا وَجَّهَ إِلَيْهِ تَأْوِيلَ قَوْلِهِ : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ ، وَجَعَلَ قَوْلَهُ : بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ الْغَمُوسَ مِنَ الْأَيْمَانِ الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا الْحَالِفُ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ بِأَنَّهُ فِي حَلِفِهِ بِهَا مُبْطِلٌ - وَقَوْلَهُ : بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ ، الْيَمِينَ الَّتِي يَسْتَأْنِفُ فِيهَا الْحِنْثَ أَوِ الْبِرَّ ، وَهُوَ فِي حَالِ حَلِفِهِ بِهَا عَازِمٌ عَلَى أَنْ يَبَرَّ فِيهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ : هُوَ اعْتِقَادُ الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَالْكَفْرِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4476 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَرْزُوقٍ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ - يَعْنِي ابْنَ عَجْلَانِ - : أَنَّ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ كَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ، مِثْلَ قَوْلِ الرَّجُلِ : هُوَ كَافِرٌ ، هُوَ مُشْرِكٌ ، قَالَ : لَا يُؤَاخِذُهُ اللَّهُ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ قَلْبِهِ . 4477 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ، قَالَ : اللَّغْوُ فِي هَذَا ، الْحَلِفُ بِاللَّهِ مَا كَانَ بِالْأَلْسُنِ ، فَجَعَلَهُ لَغْوًا ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ : هُوَ كَافِرٌ بِاللَّهِ ، وَهُوَ إذًا يُشْرِكُ بِاللَّهِ ، وَهُوَ يَدْعُو مَعَ اللَّهِ إِلَهًا ، فَهَذَا اللَّغْوُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ، قَالَ : بِمَا كَانَ فِي قُلُوبِكُمْ صِدْقًا ، وَاخِذُكَ بِهِ . فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَلْبِكَ صِدْقٌ لَمْ يُؤَاخِذْكَ بِهِ ، وَإِنْ أَثِمْتَ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ ، أَنْ يُقَالَ : إِنِ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَوْعَدَ عِبَادَهُ أَنْ يُؤَاخِذَهُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُهُمْ مِنَ الْأَيْمَانِ ، فَالَّذِي تَكْسِبُهُ قُلُوبُهُمْ مِنَ الْأَيْمَانِ هُوَ مَا قَصَدَتْهُ وَعَزَمَتْ عَلَيْهِ عَلَى عِلْمٍ وَمَعْرِفَةٍ مِنْهَا بِمَا تَقْصِدُهُ وَتُرِيدُهُ ، وَذَلِكَ يَكُونُ مِنْهَا عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : عَلَى وَجْهِ الْعَزْمِ عَلَى مَا يَكُونُ بِهِ الْعَازِمُ عَلَيْهِ فِي حَالِ عَزْمِهِ بِالْعَزْمِ عَلَيْهِ آثِمًا ، وَبِفِعْلِهِ مُسْتَحِقًّا الْمُؤَاخَذَةَ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهَا . وَذَلِكَ كَالْحَالِفِ عَلَى الشَّيْءِ الَّذِي لَمْ يَفْعَلْهُ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ ، وَعَلَى الشَّيْءِ الَّذِي قَدْ فَعَلَهُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ ، قَاصِدًا قِيلَ الْكَذِبِ ، وَذَاكِرًا أَنَّهُ قَدْ فَعَلَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ ، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَ . فَيَكُونُ الْحَالِفُ بِذَلِكَ - إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ - فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، إِنْ شَاءَ وَاخَذَهُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ ، وَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ بِتَفَضُّلِهِ ، وَلَا كَفَارَّةَ عَلَيْهِ فِيهَا فِي الْعَاجِلِ ، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْأَيْمَانِ الَّتِي يَحْنَثُ فِيهَا .
وَإِنَّمَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي الْأَيْمَانِ بِالْحِنْثِ فِيهَا . وَالْحَالِفُ الْكَاذِبُ فِي يَمِينِهِ ، لَيْسَتْ يَمِينُهُ مِمَّا يُتْبَدَأُ فِيهِ الْحِنْثُ ، فَتَلْزَمُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ . وَالْوَجْهُ الْآخَرُ مِنْهُمَا : عَلَى وَجْهِ الْعَزْمِ عَلَى إِيجَابِ عَقْدِ الْيَمِينِ فِي حَالِ عَزْمِهِ عَلَى ذَلِكَ .
فَذَلِكَ مِمَّا لَا يُؤَاخِذُ بِهِ صَاحِبَهُ حَتَّى يَحْنَثَ فِيهِ بَعْدَ حَلِفِهِ . فَإِذَا حَنِثَ فِيهِ بَعْدَ حَلِفِهِ ، كَانَ مُؤَاخَذًا بِمَا كَانَ اكْتَسَبَهُ قَلْبُهُ - مِنَ الْحَلِفِ بِاللَّهِ عَلَى إِثْمٍ وَكَذِبٍ - فِي الْعَاجِلِ بِالْكَفَّارَةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ كَفَّارَةً لِذَنْبِهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 225 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ : وَاللَّهُ غَفُورٌ لِعِبَادِهِ فِيمَا لَغَوْا مِنْ أَيْمَانِهِمُ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ لَا يُؤَاخِذُهُمْ بِهَا ، وَلَوْ شَاءَ وَاخَذَهُمْ بِهَا وَلَمَّا وَاخَذَهُمْ بِهِ فَكَفَّرُوهَا فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا بِالتَّكْفِيرِ فِيهِ ، وَلَوْ شَاءَ وَاخَذَهُمْ فِي آجِلِ الْآخِرَةِ بِالْعُقُوبَةِ عَلَيْهِ ، فَسَاتِرٌ عَلَيْهِمْ فِيهَا ، وَصَافِحٌ لَهُمْ بِعَفْوِهِ عَنِ الْعُقُوبَةِ فِيهَا ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ ، حَلِيمٌ فِي تَرْكِهِ مُعَاجَلَةَ أَهْلِ مَعْصِيَتِهِ الْعُقُوبَةَ عَلَى مَعَاصِيهِمْ .