الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ، مِنَ الرِّجَالِ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، فَيَمُوتُونَ ، وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ، يَتَرَبَّصُ أَزْوَاجُهُنَّ بِأَنْفُسِهِنَّ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَأَيْنَ الْخَبَرُ عَنِ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ ؟ قِيلَ : مَتْرُوكٌ ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَصْدَ الْخَبَرِ عَنْهُمْ ، وَإِنَّمَا قَصَدَ قَصْدَ الْخَبَرِ عَنِ الْوَاجِبِ عَلَى الْمُعْتَدَّاتِ مِنَ الْعِدَّةِ فِي وَفَاةِ أَزْوَاجِهِنَّ ، فَصَرَفَ الْخَبَرَ عَنِ الَّذِينَ ابْتَدَأَ بِذِكْرِهِمْ مِنَ الْأَمْوَاتِ ، إِلَى الْخَبَرِ عَنْ أَزْوَاجِهِمْ وَالْوَاجِبِ عَلَيْهِنَّ مِنَ الْعِدَّةِ ، إِذْ كَانَ مَعْرُوفًا مَفْهُومًا مَعْنَى مَا أُرِيدَ بِالْكَلَامِ . وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ فِي الْكَلَامِ : بَعْضُ جُبَّتِكَ مُتَخَرِّقَةٌ فِي تَرْكِ الْخَبَرِ عَمَّا ابْتُدِئَ بِهِ الْكَلَامُ ، إِلَى الْخَبَرِ عَنْ بَعْضِ أَسْبَابِهِ .
وَكَذَلِكَ الْأَزْوَاجُ اللَّوَاتِي عَلَيْهِنَّ التَّرَبُّصُ ، لَمَّا كَانَ إِنَّمَا أَلْزَمَهُنَّ التَّرَبُّصَ بِأَسْبَابِ أَزْوَاجِهِنَّ ، صَرَفَ الْكَلَامَ عَنْ خَبَرِ مَنِ ابْتُدِئَ بِذِكْرِهِ ، إِلَى الْخَبَرِ عَمَّنْ قَصَدَ قَصْدَ الْخَبَرِ عَنْهُ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : لَعَلِّيَ إِنْ مَالَتْ بِيَ الرِّيحُ مَيْلَةً عَلَى ابْنِ أَبِي ذِبَّانَ أَنْ يَتَنَدَّمَا فَقَالَ لَعَلِّي ثُمَّ قَالَ : أَنْ يَتَنَدَّمَا لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : لَعَلَّ ابْنَ أَبِي ذِبَّانَ أَنْ يَتَنَدَّمَ ، إِنْ مَالَتْ بِي الرِّيحُ مَيْلَةً عَلَيْهِ فَرَجَعَ بِالْخَبَرِ إِلَى الَّذِي أَرَادَ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ قَدِ ابْتَدَأَ بِذِكْرِ غَيْرِهِ . وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ ابْنَ قَيْسٍ وَقَتْلَهُ بِغَيْرِ دَمٍ ، دَارُ الْمَذَلَّةِ حُلَّتِ فَأَلْغَى ابْنَ قَيْسٍ وَقَدِ ابْتَدَأَ بِذِكْرِهِ ، وَأَخْبَرَ عَنْ قَتْلِهِ أَنَّهُ ذُلٌّ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ خَبَرَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مَتْرُوكٌ ، وَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : وَالَّذِينَ يَتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ، يَنْبَغِي لَهُنَّ أَنْ يَتَرَبَّصْنَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ .
وَزَعَمَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مَوْتَهُمْ كَمَا يُحْذَفُ بَعْضُ الْكَلَامِ - وَأَنَّ يَتَرَبَّصْنَ رَفْعٌ ، إِذْ وَقَعَ مَوْقِعَ يَنْبَغِي وَ يَنْبَغِي رَفْعٌ . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ قَالَ فِي رَفْعِ يَتَرَبَّصْنَ بِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ يَنْبَغِي فِيمَا مَضَى ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ . وَقَالَ آخَرُ مِنْهُمْ : إِنَّمَا لَمْ يَذْكُرِ الَّذِينَ بِشَيْءٍ ، لِأَنَّهُ صَارَ الَّذِينَ فِي خَبَرِهِمْ مِثْلَ تَأْوِيلِ الْجَزَاءِ : مَنْ يَلْقَكَ مِنَّا تُصِبْ خَيْرًا الَّذِي يَلْقَاكَ مِنَّا تُصِيبُ خَيْرًا .
قَالَ : وَلَا يَجُوزُ هَذَا إِلَّا عَلَى مَعْنَى الْجَزَاءِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِي الْبَيْتَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا قَالَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : يَحْتَبِسْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ مُعْتَدَّاتٍ عَنِ الْأَزْوَاجِ ، وَالطِّيبِ ، وَالزِّينَةِ ، وَالنُّقْلَةِ عَنِ الْمَسْكَنِ الَّذِي كُنَّ يَسْكُنَّهُ فِي حَيَاةِ أَزْوَاجِهِنَّ - أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، إِلَّا أَنْ يَكُنَّ حَوَامِلَ ، فَيَكُونُ عَلَيْهِنَّ مِنَ التَّرَبُّصِ كَذَلِكَ إِلَى حِينِ وَضْعِ حَمْلِهِنَّ .
فَإِذَا وَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ، انْقَضَتْ عِدَدُهُنَّ حِينَئِذٍ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ : فَقَالَ بَعْضُهُمْ مِثْلَ مَا قُلْنَا فِيهِ : 5071 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَهَذِهِ عِدَّةُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا فَعِدَّتُهَا أَنْ تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا . 5072 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : جَعَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْعِدَّةَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ، فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا فَيُحِلُّهَا مِنْ عِدَّتِهَا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا ، وَإِنِ اسْتَأْخَرَ فَوْقَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَالْعَشَرَةِ فَمَا اسْتَأْخَرَ ، لَا يُحِلُّهَا إِلَّا أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا .
5084 - حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : إِنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا لَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا ، وَلَا تَكْتَحِلُ ، وَلَا تَمْتَشِطُ ، وَكَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ تَلْبَسَ الْبُرْدَ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا أُمِرَتِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا أَنْ تَرَبَّصَ بِنَفْسِهَا عَنِ الْأَزْوَاجِ خَاصَّةً ، فَأَمَّا عَنِ الطِّيبِ وَالزِّينَةِ وَالْمَبِيتِ عَنِ الْمَنْزِلَ ، فَلَمْ تُنْهَ عَنْ ذَلِكَ ، وَلَمْ تُؤْمَرْ بِالتَّرَبُّصِ بِنَفْسِهَا عَنْهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5085 - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ : أَنَّهُ كَانَ يُرَخِّصُ فِي التَّزَيُّنِ وَالتَّصَنُّعِ ، وَلَا يَرَى الْإِحْدَادَ شَيْئًا .
5089 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ وَابْنُ الصَّلْتِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ ، عَنْ أَسْمَاءَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمِثْلِهِ . قَالُوا : فَقَدْ بَيَّنَ هَذَا الْخَبَرُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنْ لَا إِحْدَادَ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ، وَأَنَّ الْقَوْلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا إِنَّمَا هُوَ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ عَنِ الْأَزْوَاجِ دُونَ غَيْرِهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا الَّذِينَ أَوْجَبُوا الْإِحْدَادَ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ، وَتَرْكَ النُّقْلَةِ عَنْ مَنْزِلِهَا الَّذِي كَانَتْ تَسْكُنُهُ يَوْمَ تُوفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا ، فَإِنَّهُمُ اعْتَلُّوا بِظَاهِرِ التَنْزِيلِ ، وَقَالُوا : أَمَرَ اللَّهُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا أَنَّ تَرَبَّصَ بِنَفْسِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فَلَمْ يَأْمُرْهَا بِالتَّرَبُّصِ بِشَيْءٍ مُسَمًّى فِي التَنْزِيلِ بِعَيْنِهِ ، بَلْ عَمَّ بِذَلِكَ مَعَانِيَ التَّرَبُّصِ .
قَالُوا : فَالْوَاجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَرَبَّصَ بِنَفْسِهَا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ، إِلَّا مَا أَطْلَقَتْهُ لَهَا حُجَّةٌ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا . قَالُوا : فَالتَّرَبُّصُ عَنِ الطِّيبِ وَالزِّينَةِ وَالنُّقْلَةِ ، مِمَّا هُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ الْآيَةِ ، كَمَا التَّرَبُّصُ عَنِ الْأَزْوَاجِ دَاخِلٌ فِيهَا . قَالُوا : وَقَدْ صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَبَرَ بِالَّذِي قُلْنَا فِي الزِّينَةِ وَالطِّيبِ ، أَمَّا فِي النُّقْلَةِ فَإِنَّ : - 5090 - أَبَا كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، عَنْ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ ، عَنْ عَمَّتِهِ ، عَنْ الْفُرَيْعَةِ ابْنَةِ مَالِكٍ ، أُخْتِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، قَالَتْ : قُتِلَ زَوْجِي وَأَنَا فِي دَارٍ ، فَاسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النُّقْلَةِ ، فَأَذِنَ لِي .
ثُمَّ نَادَانِي بَعْدَ أَنْ تَوَلَّيْتُ ، فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ ، فَقَالَ : يَا فُرَيْعَةُ ، حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ . قَالُوا : فَبَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صِحَّةَ مَا قُلْنَا فِي مَعْنَى تَرَبُّصِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ، [ وَبَطَلَ ] مَا خَالَفَهُ . قَالُوا : وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لَهُ ، بِخُرُوجِهِ عَنْ ظَاهِرِ التَنْزِيلِ وَالثَّابِتِ مِنَ الْخَبَرِ عَنِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
قَالُوا : وَأَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ ابْنَةِ عُمَيْسٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ أَمْرِهِ إِيَّاهَا بِالتَّسَلُّبِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ أَنْ تَصْنَعَ مَا بَدَا لَهَا - فَإِنَّهُ غَيْرُ دَالٍّ عَلَى أَنْ لَا حِدَادَ عَلَى الْمَرْأَةِ ، بَلْ إِنَّمَا دَلَّ عَلَى أَمْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيَّاهَا بِالتَّسَلُّبِ ثَلَاثًا ، ثُمَّ الْعَمَلِ بِمَا بَدَا لَهَا مِنْ لُبْسِ مَا شَاءَتْ مِنَ الثِّيَابِ مِمَّا يَجُوزُ لِلْمُعْتَدَّةِ لُبْسُهُ ، مِمَّا لَمْ يَكُنْ زِينَةً وَلَا مُطَيَّبًا ، لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مِنَ الثِّيَابِ مَا لَيْسَ بِزِينَةٍ وَلَا ثِيَابِ تَسَلُّبٍ ، وَذَلِكَ كَالَّذِي أَذِنَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا أَنْ تَلْبَسَ مِنْ ثِيَابِ الْعَصْبِ وَبُرُودِ الْيَمَنِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا مِنْ ثِيَابِ زِينَةٍ وَلَا مِنْ ثِيَابِ تَسَلُّبٍ . وَكَذَلِكَ كَلُّ ثَوْبٍ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ صَبْغٌ بَعْدَ نَسْجِهِ مِمَّا يَصْبُغُهُ النَّاسُ لِتَزْيِينِهِ ، فَإِنَّ لَهَا لُبْسُهُ ، لِأَنَّهَا تَلْبَسُهُ غَيْرَ مُتَزَيِّنَةٍ الزِّينَةَ الَّتِي يَعْرِفُهَا النَّاسُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَكَيْفَ قِيلَ : يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَلَمْ يَقُلْ : وَعَشْرَةً؟ وَإِذْ كَانَ التَنْزِيلُ كَذَلِكَ : أَفَبِاللَّيَالِي تَعْتَدُّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا الْعَشْرَ ، أَمْ بِالْأَيَّامِ؟ قِيلَ : بَلْ تَعْتَدُّ بِالْأَيَّامِ بِلَيَالِيهَا .
فَإِنْ قَالَ : فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَكَيْفَ قِيلَ : وَعَشْرًا ؟ وَلَمْ يَقُلْ : وَعَشْرَةً؟ وَالْعَشْرُ بِغَيْرِ الْهَاءِ مَنْ عَدَدِ اللَّيَالِي دُونَ الْأَيَّامِ؟ فَإِنْ جَازَ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِيهِ مَا قُلْتُ ، فَهَلْ تُجِيزُ : عِنْدِي عَشْرٌ وَأَنْتَ تُرِيدُ عَشَرَةً مِنْ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ؟ قُلْتُ : ذَلِكَ جَائِزٌ فِي عَدَدِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامَ ، وَغَيْرُ جَائِزٍ مِثْلُهُ فِي عَدَدِ بَنِي آدَمَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ . وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ فِي الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي خَاصَّةً ، إِذَا أَبْهَمَتِ الْعَدَدَ ، غَلَّبَتْ فِيهِ اللَّيَالِي ، حَتَّى إِنَّهُمْ فِيمَا رُوِيَ لَنَا عَنْهُمْ لَيَقُولُونَ : صُمْنَا عَشْرًا مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ لِتَغْلِيبِهِمُ اللَّيَالِيَ عَلَى الْأَيَّامِ . وَذَلِكَ أَنَّ الْعَدَدَ عِنْدَهُمْ قَدْ جَرَى فِي ذَلِكَ بِاللَّيَالِي دُونَ الْأَيَّامِ .
فَإِذَا أَظْهَرُوا مَعَ الْعَدَدِ مُفَسِّرَهُ ، أَسْقَطُوا مِنْ عَدَدِ الْمُؤَنَّثِ الْهَاءَ وَأَثْبَتُوهَا فِي عَدَدِ الْمُذَكَّرِ ، كَمَا قَالَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا [ سُورَةُ الْحَاقَّةِ : 7 ] ، فَأَسْقَطَ الْهَاءَ مِنْ سَبْعِ وَأَثْبَتَهَا فِي الثَّمَانِيَةِ . وَأَمَّا بَنُو آدَمَ ، فَإِنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ إِذَا اجْتَمَعَتِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ ، ثُمَّ أَبْهَمَتْ عَدَدَهَا : أَنْ تُخْرِجَهُ عَلَى عَدَدِ الذُّكْرَانِ دُونَ الْإِنَاثِ . وَذَلِكَ أَنَّ الذُّكْرَانَ مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْسُومٌ وَاحِدُهُمْ وَجَمْعُهُ بِغَيْرِ سِمَةِ إِنَاثِهِمْ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ سَائِرُ الْأَشْيَاءِ غَيْرَهُمْ .
وَذَلِكَ أَنَّ الذُّكُورَ مِنْ غَيْرِهِمْ رُبَّمَا وُسِمَ بِسِمَةِ الْأُنْثَى ، كَمَا قِيلَ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى شَاةٌ وَقِيلَ لِلذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ مِنَ الْبَقَرِ : بَقَرٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فِي بَنِي آدَمَ . فَإِنْ قَالَ : فَمَا مَعْنَى زِيَادَةِ هَذِهِ الْعَشْرَةِ الْأَيَّامِ عَلَى الْأَشْهُرِ؟ قِيلَ : قَدْ قِيلَ فِي ذَلِكَ ، فِيمَا : - 5091 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا قَالَ : قُلْتُ : لِمَ صَارَتْ هَذِهِ الْعَشْرُ مَعَ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ؟ قَالَ : لِأَنَّهُ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ فِي الْعَشْرِ . 5092 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ سَعِيدٍ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ : مَا بَالُ الْعَشْرِ؟ قَالَ : فِيهِ يُنْفَخُ الرُّوحُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : فَإِذَا بَلَغْنَ الْأَجَلَ الَّذِي أُبِيحَ لَهُنَّ فِيهِ مَا كَانَ حُظِرَ عَلَيْهِنَّ فِي عِدَدِهِنَّ مِنْ وَفَاةِ أَزْوَاجِهِنَّ - وَذَلِكَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَدِهِنَّ ، وَمُضِيِّ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ وَالْأَيَّامِ الْعَشْرَةِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ يَقُولُ : فَلَا حَرَجَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْأَوْلِيَاءُ - أَوْلِيَاءُ الْمَرْأَةِ - فِيمَا فَعَلَ الْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ حِينَئِذٍ فِي أَنْفُسِهِنَّ ، مِنْ تَطَيُّبٍ وَتَزَيُّنٍ وَنُقْلَةٍ مِنَ الْمَسْكَنِ الَّذِي كُنَّ يَعْتَدِدْنَ فِيهِ ، وَنِكَاحِ مَنْ يَجُوزُ لَهُنَّ نِكَاحُهُ بِالْمَعْرُوفِ يَعْنِي بِذَلِكَ : عَلَى مَا أَذِنَ اللَّهُ لَهُنَّ فِيهِ وَأَبَاحَهُ لَهُنَّ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ النِّكَاحَ خَاصَّةً . وَقِيلَ إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : بِالْمَعْرُوفِ إِنَّمَا هُوَ النِّكَاحُ الْحَلَالُ .
5096 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : هُوَ النِّكَاحُ . 5097 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ قَالَ : فِي نِكَاحِ مَنْ هَوِيَتْهُ ، إِذَا كَانَ مَعْرُوفًا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 234 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ أَيُّهَا الْأَوْلِيَاءُ ، فِي أَمْرِ مَنْ أَنْتُمْ وَلِيُّهُ مِنْ نِسَائِكُمْ ، مِنْ عَضْلِهِنَّ وَإِنْكَاحِهِنَّ مِمَّنْ أَرَدْنَ نِكَاحَهُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِكُمْ وَأُمُورِهِمْ ، خَبِيرٌ يَعْنِي ذُو خِبْرَةٍ وَعِلْمٍ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ .