الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ، أَيُّهَا الرِّجَالُ ، فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ، لِلنِّسَاءِ الْمُعْتَدَّاتِ مِنْ وَفَاةِ أَزْوَاجِهِنَّ فِي عِدَدِهِنَّ ، وَلَمْ تُصَرِّحُوا بِعَقْدِ نِكَاحٍ . وَالتَّعْرِيضُ الَّذِي أُبِيحَ فِي ذَلِكَ ، هُوَ مَا : - 5098 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ قَالَ : التَّعْرِيضُ أَنْ يَقُولَ : إِنِّي أُرِيدُ التَّزْوِيجَ وَ إِنِّي لَأُحِبُّ امْرَأَةً مِنْ أَمْرِهَا وَأَمْرِهَا يُعَرِّضُ لَهَا بِالْقَوْلِ بِالْمَعْرُوفِ . 5099 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنُ بْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ قَالَ : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ .
5113 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ يَقُولُ : أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ : أَنَّهُ سَمِعَ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ : فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ هُوَ قَوْلُ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ : إِنَّكِ لَجَمِيلَةٌ ، وَإِنَّكِ لَنَافِقَةٌ ، وَإِنَّكِ إِلَى خَيْرٍ . 5114 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : كَيْفَ يَقُولُ الْخَاطِبُ؟ قَالَ : يُعَرِّضُ تَعْرِيضًا ، وَلَا يَبُوحُ بِشَيْءٍ . يَقُولُ : إِنَّ إِلَيَّ حَاجَةً ، وَأَبْشِرِي ، وَأَنْتِ بِحَمْدِ اللَّهِ نَافِقَةٌ وَلَا يَبُوحُ بِشَيْءٍ .
قَالَ عَطَاءٌ : وَتَقُولُ هِيَ : قَدْ أَسْمَعُ مَا تَقُولُ وَلَا تَعِدُ شَيْئًا ، وَلَا تَقُولُ : لَعَلَّ ذَاكَ . 5115 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوِيدُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ : أَنَّهُ سَمِعَ الْقَاسِمَ يَقُولُ فِي الْمَرْأَةِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ، وَالرَّجُلُ يُرِيدُ خِطْبَتَهَا وَيُرِيدُ كَلَامَهَا ، مَا الَّذِي يَجْمُلُ بِهِ مِنَ الْقَوْلِ؟ قَالَ يَقُولُ : إِنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ ، وَإِنِّي عَلَيْكِ لَحَرِيصٌ ، وَإِنِّي بِكِ لَمُعْجَبٌ وَأَشْبَاهُ هَذَا مِنَ الْقَوْلِ . 5116 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنْ حَمَّادٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ : وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ قَالَ : لَا بَأْسَ بِالْهَدِيَّةِ فِي تَعْرِيضِ النِّكَاحِ .
5123 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ خَالَتِهِ سُكَيْنَةَ ابْنَةِ حَنْظَلَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ قَالَتْ : دَخَلَ عَلَيَّ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَأَنَا فِي عِدَّتِي ، فَقَالَ : يَا ابْنَةَ حَنْظَلَةَ ، أَنَا مَنْ عَلِمْتِ قَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَحَقَّ جَدِّي عَلِيٍّ ، وَقَدَمِي فِي الْإِسْلَامِ . فَقُلْتُ : غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا جَعْفَرٍ ، أَتَخْطِبُنِي فِي عِدَّتِي ، وَأَنْتَ يُؤْخَذُ عَنْكَ! فَقَالَ : أَوْ قَدْ فَعَلْتُ! إِنَّمَا أُخْبِرُكِ بِقَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَوْضِعِي! قَدْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ ، وَكَانَتْ عِنْدَ ابْنِ عَمِّهَا أَبِي سَلَمَةَ ، فَتُوُفِّيَ عَنْهَا ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَذْكُرُ لَهَا مَنْزِلَتَهُ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مُتَحَامِلٌ عَلَى يَدِهِ ، حَتَّى أَثَّرَ الْحَصِيرُ فِي يَدِهِ مِنْ شِدَّةِ تَحَامُلِهِ عَلَى يَدِهِ ، فَمَا كَانَتْ تِلْكَ خِطْبَةً . 5124 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ : حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ قَالَ : لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ عَرَّضَ لَهُنَّ بِالْخِطْبَةِ قَبْلَ أَنْ يَحْلِلْنَ ، إِذَا كَنُّوا فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ ذَلِكَ .
5125 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ : أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلْمَرْأَةِ وَهِيَ فِي عِدَّةٍ مِنْ وَفَاةِ زَوْجِهَا : إِنَّكِ عَلَيَّ لَكَرِيمَةٌ ، وَإِنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ ، وَإِنَّ اللَّهَ سَائِقٌ إِلَيْكِ خَيْرًا وَرِزْقًا وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الْكَلَامِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى الْخِطْبَةِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْخِطْبَةُ الذِّكْرُ ، وَ الْخُطْبَةُ : التَّشَهُّدُ .
وَكَأَنَّ قَائِلَ هَذَا الْقَوْلِ ، تَأَوَّلَ الْكَلَامَ : وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مَنْ ذِكْرِ النِّسَاءِ عِنْدَهُنَّ . وَقَدْ زَعَمَ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ قَالَ : لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ : وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ كَأَنَّهُ قَالَ : اذْكُرُوهُنَّ ، وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : خَطَبَهُ ، خِطْبَةً وَخَطْبًا .
قَالَ : وَقَوْلُ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ ﴾ [ سُورَةُ طَهَ : 95 ] ، يُقَالُ إِنَّهُ مِنْ هَذَا . قَالَ : وَأَمَّا الْخُطْبَةُ فَهُوَ الْمَخْطُوبُ [ بِهِ ] ، مِنْ قَوْلِهِمْ : خَطَبَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَاخْتَطَبَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْخِطْبَةُ عِنْدِي هِيَ الْفِعْلَةُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : خَطَبْتُ فُلَانَةً كَ الْجِلْسَةِ مِنْ قَوْلِهِ : جَلَسَ أَوْ الْقِعْدَةِ مِنْ قَوْلِهِ قَعَدَ .
وَمَعْنَى قَوْلِهِمْ : خَطَبَ فُلَانٌ فُلَانَةً سَأَلَهَا خَطْبَهُ إِلَيْهَا فِي نَفْسِهَا ، وَذَلِكَ حَاجَتُهُ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : مَا خَطْبُكَ ؟ بِمَعْنَى : مَا حَاجَتُكَ ، وَمَا أَمْرُكَ؟ . وَأَمَّا التَّعْرِيضُ فَهُوَ مَا كَانَ مِنْ لَحْنِ الْكَلَامِ الَّذِي يَفْهَمُ بِهِ السَّامِعُ الْفَهِمُ مَا يُفْهَمُ بِصَرِيحِهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ أَخْفَيْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ، فَأَسْرَرْتُمُوهُ ، مِنْ خِطْبَتِهِنَّ ، وَعَزْمِ نِكَاحِهِنَّ وَهُنَّ فِي عِدَدِهِنَّ ، فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَيْضًا فِي ذَلِكَ ، إِذَا لَمْ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ .
يُقَالُ مِنْهُ : أَكَنَّ فُلَانٌ هَذَا الْأَمْرَ فِي نَفْسِهِ ، فَهُوَ يُكِنُّهُ إِكْنَانًا وَ كَنَّهُ إِذَا سَتَرَهُ ، يَكُنُّهُ كَنًّا وَكُنُونًا وَ جَلَسَ فِي الْكِنِّ وَلَمْ يُسْمَعْ كَنَنْتُهُ فِي نَفْسِي وَإِنَّمَا يُقَالُ : كَنَنْتُهُ فِي الْبَيْتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ إِذَا خَبَّأْتُهُ فِيهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ ﴾ [ سُورَةُ الصَّافَّاتِ : 49 ] ، أَيْ مَخْبُوءٌ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : ثَلَاثٌ مِنْ ثَلَاثٍ قُدَامَيَاتٍ مِنَ الْلَائِي تَكُنَّ مِنَ الصَّقِيعِ وَ تَكُنَّ بِالتَّاءِ ، وَهُوَ أَجْوَدُ ، وَ يَكُنُّ . وَيُقَالُ : أَكَنَّتْهُ ثِيَابُهُ مِنَ الْبَرْدِ وَأَكَنَّهُ الْبَيْتُ مِنَ الرِّيحِ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5126 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ قَالَ : الْإِكْنَانُ : ذِكْرُ خِطْبَتِهَا فِي نَفْسِهِ ، لَا يُبْدِيهِ لَهَا . هَذَا كُلُّهُ حِلٌّ مَعْرُوفٌ . 5127 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
5131 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مِهْرَانُ وَحَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدٌ جَمِيعًا ، عَنْ سُفْيَانَ : أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ أَنْ يُسِرَّ فِي نَفْسِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا . 5132 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هَوْذَةُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَوْفٌ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ قَالَ : أَسْرَرْتُمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِي إِبَاحَةِ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - مَا أَبَاحَ مِنَ التَّعْرِيضِ بِنِكَاحِ الْمُعْتَدَّةِ لَهَا فِي حَالِ عِدَّتِهَا وَحَظْرِهِ التَّصْرِيحَ ، مَا أَبَانَ عَنِ افْتِرَاقِ حُكْمِ التَّعْرِيضِ فِي كُلِّ مَعَانِي الْكَلَامِ وَحُكْمِ التَّصْرِيحِ ، مِنْهُ .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، تَبَيَّنَ أَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْقَذْفِ غَيْرُ التَّصْرِيحِ بِهِ ، وَأَنَّ الْحَدَّ بِالتَّعْرِيضِ بِالْقَذْفِ لَوْ كَانَ وَاجِبًا وُجُوبَهُ بِالتَّصْرِيحِ بِهِ ، لَوَجَبَ مِنَ الْجُنَاحِ بِالتَّعْرِيضِ بِالْخِطْبَةِ فِي الْعِدَّةِ ، نَظِيرُ الَّذِي يَجِبُ بِعَزْمِ عُقْدَةِ النِّكَاحِ فِيهَا . وَفِي تَفْرِيقِ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بَيْنَ حُكْمَيْهَا فِي ذَلِكَ ، الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى افْتِرَاقِ أَحْكَامِ ذَلِكَ فِي الْقَذْفِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَ الْمُعْتَدَّاتِ فِي عِدَدِهِنَّ بِالْخِطْبَةِ فِي أَنْفُسِكُمْ وَبِأَلْسِنَتِكُمْ ، كَمَا : - 5133 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْحَسَنِ : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ قَالَ : الْخِطْبَةُ .
5134 - حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ سَلْمُ بْنُ جُنَادَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ قَالَ : ذِكْرُكَ إِيَّاهَا فِي نَفْسِكَ . قَالَ : فَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ . 5135 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ قَالَ : هِيَ الْخِطْبَةُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى السِّرِّ الَّذِي نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ عَنْ مُوَاعَدَةِ الْمُعْتَدَّاتِ بِهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ الزِّنَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5136 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا هَمَّامٌ ، عَنْ صَالِحٍ الدَّهَّانِ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ : وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا قَالَ : الزِّنَا .
5149 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ : لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا قَالَ : السِّرُّ : الزِّنَا . 5150 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا قَالَ : فَذَلِكَ السِّرُّ : الرِّيبَةُ . كَانَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ مِنْ أَجْلِ الرِّيبَةِ وَهُوَ يُعَرِّضُ بِالنِّكَاحِ ، فَنَهَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ إِلَّا مَنْ قَالَ مَعْرُوفًا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ لَا تَأْخُذُوا مِيثَاقَهُنَّ وَعُهُودَهُنَّ فِي عِدَدِهِنَّ أَنْ لَا يَنْكِحْنَ غَيْرَكُمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5154 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا يَقُولُ : لَا تَقُلْ لَهَا : إِنِّي عَاشِقٌ ، وَعَاهِدِينِي أَنْ لَا تَتَزَوَّجِي غَيْرِي وَنَحْوَ هَذَا . 5155 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ : لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا قَالَ : لَا يُقَاضِهَا عَلَى كَذَا وَكَذَا أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ .
5156 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ جَابِرٍ ، عَنْ عَامِرٍ . وَمُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ قَالُوا : لَا يَأْخُذُ مِيثَاقَهَا فِي عِدَّتِهَا ، أَنْ لَا تَتَزَوَّجَ غَيْرَهُ . 5157 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ : ذُكِرَ لِي عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا قَالَ : لَا تَأْخُذْ مِيثَاقَهَا أَنْ لَا تَنْكِحَ غَيْرَكَ .
5164 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا قَالَ : مَوْعِدَةُ السِّرِّ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهَا عَهْدًا وَمِيثَاقًا أَنْ تَحْبِسَ نَفْسَهَا عَلَيْهِ ، وَلَا تَنْكِحَ غَيْرَهُ . 5165 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنْ يَقُولَ لَهَا الرَّجُلُ : لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ .
5169 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا سُوَيْدٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا أَنْ يَقُولَ : لَا تَفُوتِينِي بِنَفْسِكِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا تَنْكِحُوهُنَّ فِي عِدَّتِهِنَّ سِرًّا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5170 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا يَقُولُ : لَا تَنْكِحُوهُنَّ سِرًّا ، ثُمَّ تُمْسِكُهَا ، حَتَّى إِذَا حَلَّتْ أَظْهَرْتَ ذَلِكَ وَأَدْخَلْتَهَا .
5171 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا قَالَ : كَانَ أَبِي يَقُولُ : لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا ، ثُمَّ تُمْسِكُهَا ، وَقَدْ مَلَكْتَ عُقْدَةَ نِكَاحِهَا ، فَإِذَا حَلَّتْ أَظْهَرْتَ ذَلِكَ وَأَدْخَلْتَهَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، تَأْوِيلُ مَنْ قَالَ : السِّرُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، الزِّنَا . وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الْجِمَاعَ وَغَشَيَانَ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ سِرًّا لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي خَفَاءٍ غَيْرِ ظَاهِرٍ مُطَّلَعٍ عَلَيْهِ ، فَيُسَمَّى لِخَفَائِهِ سِرًّا مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ رُؤْبَةَ بْنِ الْعَجَّاجِ : فَعَفَّ عَنْ أَسْرَارِهَا بَعْدَ الْعَسَقْ وَلَمْ يُضِعْهَا بَيْنَ فِرْكٍ وَعَشَقْ يَعْنِي بِذَلِكَ : عَفَّ عَنْ غَشَيَانِهَا بَعْدَ طُولِ مُلَازَمَتِهِ ذَلِكَ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْحُطَيْئَةِ : وَيَحْرُمُ سِرُّ جَارَتِهِمْ عَلَيْهِمْ وَيَأْكُلُ جَارُهُمْ أَنْفَ الْقِصَاعِ وَكَذَلِكَ يُقَالُ لِكُلِّ مَا أَخْفَاهُ الْمَرْءُ فِي نَفْسِهِ : سِرًّا .
وَيُقَالُ : هُوَ فِي سِرِّ قَوْمِهِ يَعْنِي : فِي خِيَارِهِمْ وَشَرَفِهِمْ . فَلَمَّا كَانَ السِّرُّ إِنَّمَا يُوَجَّهُ فِي كَلَامِهَا إِلَى أَحَدِ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الثَّلَاثَةِ ، وَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ أَحَدَهُنَّ غَيْرُ مَعْنِيٍّ بِهِ قَوْلَهُ : وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا وَهُوَ السِّرُّ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْخِيَارِ وَالشَّرَفِ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ ، وَهُوَ السِّرُّ الَّذِي بِمَعْنَى مَا أَخْفَتْهُ نَفْسُ الْمُوَاعِدِ بَيْنَ الْمُتَوَاعِدِينَ ، وَالسِّرُّ الَّذِي بِمَعْنَى الْغَشَيَانِ وَالْجِمَاعِ . فَلَمَّا لَمْ يَبْقَ غَيْرُهُمَا ، وَكَانَتِ الدَّلَالَةُ وَاضِحَةً عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا غَيْرُ مَعْنِيٍّ بِهِ ، صَحَّ أَنَّ الْآخَرَ هُوَ الْمَعْنِيُّ بِهِ .
فَإِنْ قَالَ [ قَائِلٌ ] : فَمَا الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ مُوَاعَدَةَ الْقَوْلِ سِرًّا ، غَيْرُ مَعْنِيٍّ بِهِ عَلَى مَا قَالَ مَنْ قَالَ إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : أَخْذُ الرَّجُلِ مِيثَاقَ الْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَنْكِحَ غَيْرَهُ ، أَوْ عَلَى مَا قَالَ مَنْ قَالَ : قَوْلُ الرَّجُلِ لَهَا : لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ ؟ قِيلَ : لِأَنَّ السِّرَّ إِذَا كَانَ بِالْمَعْنَى الَّذِي تَأَوَّلَهُ قَائِلُو ذَلِكَ ، فَلَنْ يَخْلُوَ ذَلِكَ السِّرُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ هُوَ مُوَاعَدَةُ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ وَمَسْأَلَتُهُ إِيَّاهَا أَنْ لَا تَنْكِحَ غَيْرَهُ أَوْ يَكُونَ هُوَ النِّكَاحُ الَّذِي سَأَلَهَا أَنْ تُجِيبَهُ إِلَيْهِ ، بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا ، وَبَعْدَ عَقْدِهِ لَهُ ، دُونَ النَّاسِ غَيْرَهُ . فَإِنْ كَانَ السِّرُّ الَّذِي نَهَى اللَّهُ الرَّجُلَ أَنْ يُوَاعِدَ الْمُعْتَدَّاتِ ، هُوَ أَخْذُ الْعَهْدِ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَنْكِحْنَ غَيْرَهُ ، فَقَدْ بَطَلَ أَنْ يَكُونَ السِّرُّ مَعْنَاهُ : مَا أُخْفِيَ مِنَ الْأُمُورِ فِي النُّفُوسِ ، أَوْ نُطِقَ بِهِ فَلَمْ يُطَّلَعْ عَلَيْهِ ، وَصَارَتِ الْعَلَانِيَةُ مِنَ الْأَمْرِ سِرًّا . وَذَلِكَ خِلَافُ الْمَعْقُولِ فِي لُغَةِ مَنْ نَزَلَ الْقُرْآنُ بِلِسَانِهِ .
إِلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ : إِنَّمَا نَهَى اللَّهُ الرِّجَالَ عَنْ مُوَاعَدَتِهِنَّ ذَلِكَ سِرًّا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُنَّ ، لَا أَنَّ نَفْسَ الْكَلَامِ بِذَلِكَ - وَإِنْ كَانَ قَدْ أُعْلِنَ - سِرٌّ . فَيُقَالُ لَهُ إِنْ قَالَ ذَلِكَ : فَقَدْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ جَائِزَةً مُوَاعَدَتُهُنَّ النِّكَاحَ وَالْخِطْبَةَ صَرِيحًا عَلَانِيَةً ، إِذْ كَانَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ مِنَ الْمُوَاعَدَةِ ، إِنَّمَا هُوَ مَا كَانَ مِنْهَا سِرًّا . فَإِنْ قَالَ : إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، خَرَجَ مِنْ قَوْلِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ .
عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ قِيلِ أَحَدٍ مِمَّنْ تَأَوَّلَ الْآيَةَ أَنَّ السِّرَّ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْمُعَاهَدَةِ أَنْ لَا تَنْكِحَ غَيْرَ الْمُعَاهِدِ . وَإِنْ قَالَ : ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ . قِيلَ لَهُ : فَقَدْ بَطَلَ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ : إِسْرَارُ الرَّجُلِ إِلَى الْمَرْأَةِ بِالْمُوَاعَدَةِ .
لِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ ، لَوْ كَانَ كَذَلِكَ ، لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ مُوَاعَدَتُهَا مُجَاهَرَةً وَعَلَانِيَةً . وَفِي كَوْنِ ذَلِكَ عَلَيْهِ مُحَرَّمًا سِرًّا وَعَلَانِيَةً ، مَا أَبَانَ أَنَّ مَعْنَى السِّرِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، غَيْرُ مَعْنَى إِسْرَارِ الرَّجُلِ إِلَى الْمَرْأَةِ بِالْمُعَاهَدَةِ أَنْ لَا تَنْكِحَ غَيْرَهُ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا أَوْ يَكُونُ ، إِذَا بَطَلَ هَذَا الْوَجْهُ ، مَعْنَى ذَلِكَ : الْخِطْبَةُ وَالنِّكَاحُ الَّذِي وَعَدَتِ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَ أَنْ لَا تَعْدُوَهُ إِلَى غَيْرِهِ . فَذَلِكَ إِذَا كَانَ ، فَإِنَّمَا يَكُونُ بَوَلِيٍّ وَشُهُودٍ عَلَانِيَةً غَيْرَ سِرٍّ .
وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى سِرًّا ، وَهُوَ عَلَانِيَةٌ لَا يَجُوزُ إِسْرَارُهُ؟ وَفِي بُطُولِ هَذِهِ الْأَوْجُهِ أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلًا لِقَوْلِهِ : وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا بِمَا عَلَيْهِ دَلَّلْنَا مِنَ الْأَدِلَّةِ ، وُضُوحُ صِحَّةِ تَأْوِيلِ ذَلِكَ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْغَشَيَانِ وَالْجِمَاعِ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا ، فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ : وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ لِلْمُعْتَدَّاتِ مِنْ وَفَاةِ أَزْوَاجِهِنَّ ، مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ، وَذَلِكَ حَاجَتُكُمْ إِلَيْهِنَّ ، فَلَمْ تُصَرِّحُوا لَهُنَّ بِالنِّكَاحِ وَالْحَاجَةِ إِلَيْهِنَّ ، إِذَا أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ، فَأَسْرَرْتُمْ حَاجَتَكُمْ إِلَيْهِنَّ وَخِطْبَتَكُمْ إِيَّاهُنَّ فِي أَنْفُسِكُمْ ، مَا دُمْنَ فِي عِدَدِهِنَّ; عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَ خِطْبَتَهُنَّ وَهُنَّ فِي عِدَدِهِنَّ ، فَأَبَاحَ لَكُمُ التَّعْرِيضَ بِذَلِكَ لَهُنَّ ، وَأَسْقَطَ الْحَرَجَ عَمَّا أَضْمَرَتْهُ نُفُوسُكُمْ - حُكْمٌ مِنْهُ - وَلَكِنْ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ أَنْ تُوَاعِدُوهُنَّ جِمَاعًا فِي عِدَدِهِنَّ ، بِأَنْ يَقُولَ أَحَدُكُمْ لِإِحْدَاهُنَّ فِي عِدَّتِهَا : قَدْ تَزَوَّجْتُكِ فِي نَفْسِي ، وَإِنَّمَا أَنْتَظِرُ انْقِضَاءَ عِدَّتِكِ فَيَسْأَلُهَا بِذَلِكَ الْقَوْلِ إِمْكَانَهُ مِنْ نَفْسِهَا الْجِمَاعَ وَالْمُبَاضَعَةَ ، فَحَرَّمَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - ذَلِكَ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا فَاسْتَثْنَى الْقَوْلَ الْمَعْرُوفَ مِمَّا نُهِيَ عَنْهُ ، مِنْ مُوَاعَدَةِ الرَّجُلِ الْمَرْأَةَ السِّرَّ ، وَهُوَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، وَلَكِنَّهُ مِنَ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي قَدْ ذَكَرْتُ قَبْلُ : أَنْ يَأْتِيَ بِمَعْنًى خِلَافَ الَّذِي قَبْلَهُ فِي الصِّفَةِ خَاصَّةً ، وَتَكُونُ إِلَّا فِيهِ بِمَعْنَى لَكِنْ فَقَوْلُهُ : إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا مِنْهُ - وَمَعْنَاهُ : وَلَكِنْ قُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا .
5175 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا قَالَ : يَعْنِي التَّعْرِيضَ . 5176 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ إِلَى حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ قَالَ : هُوَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ عَلَى الْمَرْأَةِ وَهِيَ فِي عِدَّتِهَا فَيَقُولُ : وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَأَكْفَاءٌ كِرَامٌ ، وَإِنَّكُمْ لَرَغْبَةٌ ، وَإِنَّكِ لَتُعْجِبِينِي ، وَإِنْ يُقَدَّرْ شَيْءٌ يَكُنْ . فَهَذَا الْقَوْلُ الْمَعْرُوفُ .
5177 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مِهْرَانُ ، وَحَدَّثَنِي عَلِيٌّ قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدٌ - قَالَا جَمِيعًا ، قَالَ سُفْيَانُ : إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا قَالَ يَقُولُ : إِنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ ، وَإِنِّي أَرْجُو إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ نَجْتَمِعَ . 5178 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا قَالَ يَقُولُ : إِنَّ لَكِ عِنْدِي كَذَا ، وَلَكِ عِنْدِي كَذَا ، وَأَنَا مُعْطِيكِ كَذَا وَكَذَا . قَالَ : هَذَا كُلُّهُ وَمَا كَانَ قَبْلَ أَنْ يَعْقِدَ عُقْدَةَ النِّكَاحِ ، فَهَذَا كُلُّهُ نَسَخَهُ قَوْلُهُ : وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ .
5179 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيدُ قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : إِلا أَنْ تَقُولُوا قَوْلا مَعْرُوفًا قَالَ : الْمَرْأَةُ تُطَلَّقُ أَوْ يَمُوتُ عَنْهَا زَوْجُهَا ، فَيَأْتِيهَا الرَّجُلُ فَيَقُولُ : احْبِسِي عَلَيَّ نَفْسَكِ ، فَإِنَّ لِي بِكِ رَغْبَةً ، فَتَقُولُ : وَأَنَا مِثْلُ ذَلِكَ فَتَتُوقُ نَفْسُهُ لَهَا . فَذَلِكَ الْقَوْلُ الْمَعْرُوفُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ وَلَا تُصَحِّحُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ فِي عِدَّةِ الْمَرْأَةِ الْمُعْتَدَّةِ ، فَتُوجِبُوهَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُنَّ ، وَتَعْقِدُوهَا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ يَعْنِي : يَبْلُغْنَ أَجَلَ الْكِتَابِ الَّذِي بَيَّنَهُ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ، فَجَعَلَ بُلُوغَ الْأَجَلِ لِلْكِتَابِ ، وَالْمَعْنَى لِلْمُتَنَاكَحَيْنِ ، أَنْ لَا يَنْكِحَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ الْمُعْتَدَّةَ ، فَيَعْزِمَ عُقْدَةَ النِّكَاحِ عَلَيْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، فَيَبْلُغَ الْأَجَلَ الَّذِي أَجَّلَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ لِانْقِضَائِهَا ، كَمَا : - 5180 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ قَالَ : حَتَّى تَنْقَضِيَ الْعِدَّةُ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 235 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : وَاعْلَمُوا ، أَيُّهَا النَّاسُ ، أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ مِنْ هَوَاهُنَّ وَنِكَاحِهِنَّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِكُمْ ، فَاحْذَرُوهُ . يَقُولُ : فَاحْذَرُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ فِي أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْتُوا شَيْئًا مِمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ ، مِنْ عَزْمِ عُقْدَةِ نِكَاحِهِنَّ ، أَوْ مُوَاعَدَتِهِنَّ السِّرَّ فِي عِدَدِهِنَّ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ فِي شَأْنِهِنَّ فِي حَالِ مَا هُنَّ مُعْتَدَّاتٍ ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ يَعْنِي أَنَّهُ ذُو سَتْرٍ لِذُنُوبِ عِبَادِهِ وَتَغْطِيَةٍ عَلَيْهَا ، فِيمَا تُكِنُّهُ نُفُوسُ الرِّجَالِ مِنْ خِطْبَةِ الْمُعْتَدَّاتِ ، وَذِكْرِهِمْ إِيَّاهُنَّ فِي حَالِ عِدَدِهِنَّ ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ خَطَايَاهُمْ ، وَقَوْلُهُ : حَلِيمٌ يَعْنِي أَنَّهُ ذُو أَنَاةٍ لَا يُعَجِّلُ عَلَى عِبَادِهِ بِعُقُوبَتِهِمْ عَلَى ذُنُوبِهِمْ .