الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الْحُكْمُ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - إِبَانَةٌ عَنْ قَوْلِهِ : لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً . وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ : لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تُمَاسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ، فَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ نِصْفُ مَا كُنْتُمْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ مِنْ قَبْلِ طَلَاقِكُمْ إِيَّاهُنَّ ، يَعْنِي بِذَلِكَ : فَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ نِصْفُ مَا أَصْدَقْتُمُوهُنَّ . وَإِنَّمَا قُلْنَا : إِنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، لِمَا قَدْ قَدَّمْنَا الْبَيَانَ عَنْهُ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ : أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً بَيَانٌ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِعِبَادِهِ حُكْمَ غَيْرِ الْمَفْرُوضِ لَهُنَّ إِذَا طَلَّقَهُنَّ قَبْلَ الْمَسِيسِ .
فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ اللَّوَاتِي عَطَفَ عَلَيْهِنَّ بِ أَوْ غَيْرُ حُكْمِ الْمَعْطُوفِ بِهِنَّ بِهَا . وَإِنَّمَا كَرَّرَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - قَوْلَهُ : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهُنَّ فِي قَوْلِهِ : لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمِ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ لِيَزُولَ الشَّكُّ عَنْ سَامِعِيهِ وَاللَّبْسُ عَلَيْهِمْ ، مِنْ أَنْ يَظُنُّوا أَنَّ الَّتِي حُكْمُهَا الْحُكْمُ الَّذِي وَصَفَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، هِيَ غَيْرُ الَّتِي ابْتَدَأَ بِذِكْرِهَا وَذِكْرِ حُكْمِهَا فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا . وَأَمَّا قَوْلُهُ : إِلا أَنْ يَعْفُونَ فَإِنَّهُ يَعْنِي : إِلَّا أَنْ يَعْفُوَ اللَّوَاتِي وَجَبَ لَهُنَّ عَلَيْكُمْ نِصْفُ تِلْكَ الْفَرِيضَةِ ، فَيَتْرُكْنَهُ لَكُمْ ، وَيَصْفَحْنَ لَكُمْ عَنْهُ تَفَضُّلًا مِنْهُنَّ بِذَلِكَ عَلَيْكُمْ ، إِنْ كُنَّ مِمَّنْ يَجُوزُ حُكْمُهُ فِي مَالِهِ وَهُنَّ بِوَالِغُ رَشِيدَاتٌ ، فَيَجُوزُ عَفْوُهُنَّ حِينَئِذٍ مَا عَفَوْنَ عَنْكُمْ مِنْ ذَلِكَ ، فَيَسْقُطُ عَنْكُمْ مَا كُنَّ عَفَوْنَ لَكُمْ عَنْهُ مِنْهُ .
وَذَلِكَ النِّصْفُ الَّذِي كَانَ وَجَبَ لَهُنَّ مِنَ الْفَرِيضَةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ وَقَبْلَ الْعَفْوِ إِنْ عَفَتْ عَنْهُ - أَوْ مَا عَفَتْ عَنْهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5246 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ; فَهَذَا الرَّجُلُ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ وَقَدْ سَمَّى لَهَا صَدَاقًا ، ثُمَّ يُطَلِّقُهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَمَسَّهَا ، فَلَهَا نِصْفُ صَدَاقِهَا ، لَيْسَ لَهَا أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ .
5262 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ : إِلا أَنْ يَعْفُونَ قَالَ : الْعَفْوُ إِلَيْهِنَّ ، إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ ثَيِّبًا فَهِيَ أَوْلَى بِذَلِكَ ، وَلَا يَمْلِكُ ذَلِكَ عَلَيْهَا وَلِيٌّ ، لِأَنَّهَا قَدْ مَلَكَتْ أَمْرَهَا . فَإِنْ أَرَادَتْ أَنْ تَعْفُوَ فَتَضَعَ لَهُ نِصْفَهَا الَّذِي عَلَيْهِ مِنْ حَقِّهَا ، جَازَ ذَلِكَ . وَإِنْ أَرَادَتْ أَخْذَهُ ، فَهِيَ أَمْلَكُ بِذَلِكَ .
5272 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَوْلَهُ : إِلا أَنْ يَعْفُونَ يَعْنِي الْمَرْأَةَ . 5273 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدٌ وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مِهْرَانُ جَمِيعًا ، عَنْ سُفْيَانَ : إِلا أَنْ يَعْفُونَ قَالَ : الْمَرْأَةُ إِذَا لَمْ يَدْخُلْ بِهَا : أَنْ تَتْرُكَ لَهُ الْمَهْرَ ، فَلَا تَأْخُذُ مِنْهُ شَيْئًا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عَنَى اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ وَلِيُّ الْبِكْرِ . وَقَالُوا : وَمَعْنَى الْآيَةِ : أَوْ يَتْرُكَ ، الَّذِي يَلِي عَلَى الْمَرْأَةِ عَقْدَ نِكَاحِهَا مِنْ أَوْلِيَائِهَا ، لِلزَّوْجِ النِّصْفَ الَّذِي وَجَبَ لِلْمُطَلَّقَةِ عَلَيْهِ قَبْلَ مَسِيسِهِ فَيَصْفَحَ لَهُ عَنْهُ ، إِنْ كَانَتِ الْجَارِيَةُ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ لَهَا أَمْرٌ فِي مَالِهَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5274 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : أَذِنَ اللَّهُ فِي الْعَفْوِ وَأَمَرَ بِهِ ، فَإِنْ عَفَتْ فَكَمَا عَفَتْ ، وَإِنْ ضَنَّتْ وَعَفَا وَلِيُّهَا جَازَ وَإِنْ أَبَتْ .
فَقَالَ عَامِرٌ : لَا وَاللَّهِ ، مَا قَضَى قَضَاءً قَطُّ أَحْمَقَ مِنْهُ : أَنْ يُجِيزَ عَفْوَ الْأَخِ فِي قَوْلِهِ : إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ فَقَالَ فِيهَا شُرَيْحٌ بَعْدُ : هُوَ الزَّوْجُ ، إِنْ عَفَا عَنِ الصَّدَاقِ كُلِّهِ فَسَلَّمَهُ إِلَيْهَا كُلَّهُ ، أَوْ عَفَتْ هِيَ عَنِ النِّصْفِ الَّذِي سَمَّى لَهَا ، وَإِنْ تَشَاحَّا كِلَاهُمَا أَخَذَتْ نِصْفَ صَدَاقِهَا ، قَالَ : وَأَنْ تَعْفُوَ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى . 5287 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ عَاصِمٍ الْأَسَدِيُّ : أَنْ عَلِيًّا سَأَلَ شُرَيْحًا عَنِ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ، فَقَالَ : هُوَ الْوَلِيُّ . 5288 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ مُغِيرَةُ ، أَخْبَرَنَا عَنِ الشَّعْبِيِّ ، عَنْ شُرَيْحٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ هُوَ الْوَلِيُّ - ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ فَقَالَ : هُوَ الزَّوْجُ .
5289 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ : أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَوَجَدَهَا دَمِيمَةً فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا ، فَعَفَا وَلِيُّهَا عَنْ نِصْفِ الصَّدَاقِ ، قَالَ : فَخَاصَمَتْهُ إِلَى شُرَيْحٍ فَقَالَ لَهَا شُرَيْحٌ : قَدْ عَفَا وَلِيُّكِ . قَالَ : ثُمَّ إِنَّهُ رَجَعَ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَجَعَلَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ : الزَّوْجُ . 5290 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ وَابْنُ الْمُثَنَّى قَالَا : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ - فِي الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ - قَالَ : الْوَلِيُّ .
فَإِنْ هِيَ شَحَّتْ إِلَّا أَنْ تَأْخُذَهُ ، فَلَهَا وَلِوَلِيِّهَا الَّذِي أَنْكَحَهَا الرَّجُلَ ، عَمٍّ ، أَوْ أَخٍ ، أَوْ أَبٍ ، أَنْ يَعْفُوَ عَنِ النِّصْفِ ، فَإِنَّهُ إِنْ شَاءَ فَعَلَ وَإِنْ كَرِهَتِ الْمَرْأَةُ . 5312 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ الرَّازِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : أَذِنَ اللَّهُ فِي الْعَفْوِ وَأَمَرَ بِهِ ، فَإِنِ امْرَأَةٌ عَفَتْ جَازَ عَفْوُهَا ، وَإِنْ شَحَّتْ وَضَنَّتْ عَفَا وَلِيُّهَا وَجَازَ عَفْوُهُ . 5313 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ، الْوَلِيُّ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ، الزَّوْجُ . قَالُوا : وَمَعْنَى ذَلِكَ : أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ نِكَاحُ الْمَرْأَةِ فَيُعْطِيَهَا الصَّدَاقَ كَامِلًا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5314 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَثْمَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَبِيبٌ ، عَنِ اللَّيْثِ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ، الزَّوْجُ .
5315 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ ، عَنْ عِيسَى بْنِ عَاصِمٍ الْأَسَدِيِّ : أَنْ عَلِيًّا سَأَلَ شُرَيْحًا عَنِ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ فَقَالَ : هُوَ الْوَلِيُّ . فَقَالَ عَلِيٌّ : لَا وَلَكِنَّهُ الزَّوْجُ . 5316 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ عَنْ عِيسَى بْنِ عَاصِمٍ قَالَ : سَمِعْتُ شُرَيْحًا قَالَ : قَالَ : قَالَ لِي عَلِيٌّ : مَنِ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ؟ قُلْتُ : وَلِيُّ الْمَرْأَةِ .
قَالَ : لَا بَلْ هُوَ الزَّوْجُ . 5317 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ الرِّفَاعِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : هُوَ الزَّوْجُ . 5318 - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : قُلْتُ لِحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ : مَنِ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ؟ فَذَكَرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : الزَّوْجُ .
5326 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ : الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ، الزَّوْجُ . 5327 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ عَامِرٍ : أَنْ شُرَيْحًا قَالَ : الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ، الزَّوْجُ . فَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ .
5346 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ هُوَ الزَّوْجُ . قَالَ : وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَطَاوُسٌ : هُوَ الْوَلِيُّ . قَالَ : قُلْتُ لِسَعِيدٍ : فَإِنَّ مُجَاهِدًا وَطَاوُسًا يَقُولَانِ : هُوَ الْوَلِيُّ؟ قَالَ سَعِيدٌ : فَمَا تَأْمُرُنِي إِذًا؟ قَالَ : أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الْوَلِيَّ عَفَا وَأَبَتِ الْمَرْأَةُ ، أَكَانَ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ فَرَجَعْتُ إِلَيْهِمَا فَحَدَّثْتُهُمَا ، فَرَجَعَا عَنْ قَوْلِهِمَا وَتَابَعَا سَعِيدًا .
فَإِمَّا أَنْ تَعْفُوَ عَنِ النِّصْفِ لِزَوْجِهَا ، وَأَمَّا أَنْ يَعْفُوَ الزَّوْجُ فَيُكْمِلُ لَهَا صَدَاقَهَا . 5353 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ : الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ الزَّوْجُ . 5354 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنِ الْمَسْعُودِيِّ ، عَنِ الْقَاسِمِ قَالَ : كَانَ شُرَيْحٌ يُجَاثِيهِمْ عَلَى الرُّكَبِ وَيَقُولُ : هُوَ الزَّوْجُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ : الْمَعْنِيُّ بِقَوْلِهِ : الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ الزَّوْجُ . وَذَلِكَ لِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ وَلِيَّ جَارِيَةٍ بِكْرٍ أَوْ ثَيِّبٍ ، صَبِيَّةٍ صَغِيرَةٍ كَانَتْ أَوْ مُدْرِكَةٍ كَبِيرَةٍ ، لَوْ أَبْرَأَ زَوْجَهَا مِنْ مَهْرِهَا قَبْلَ طَلَاقِهِ إِيَّاهَا ، أَوْ وَهَبَهُ لَهُ أَوْ عَفَا لَهُ عَنْهُ - أَنَّ إِبْرَاءَهُ ذَلِكَ وَعَفْوَهُ لَهُ عَنْهُ بَاطِلٌ ، وَأَنَّ صَدَاقَهَا عَلَيْهِ ثَابِتٌ ثُبُوتَهُ قَبْلَ إِبْرَائِهِ إِيَّاهُ مِنْهُ . فَكَانَ سَبِيلُ مَا أَبْرَأَهُ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ طَلَاقِهِ إِيَّاهَا ، سَبِيلَ مَا أَبْرَأَهُ مِنْهُ قَبْلَ طَلَاقِهِ إِيَّاهَا .
وَأُخْرَى : أَنَّ الْجَمِيعَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنْ وَلِيَّ امْرَأَةٍ مَحْجُورٍ عَلَيْهَا أَوْ غَيْرِ مَحْجُورٍ عَلَيْهَا ، لَوْ وَهَبَ لِزَوْجِهَا الْمُطَلِّقِهَا بَعْدَ بَيْنُونَتِهَا مِنْهُ دِرْهَمًا مِنْ مَالِهَا ، عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْعَفْوِ مِنْهُ عَمَّا وَجَبَ لَهَا مِنْ صَدَاقِهَا قَبْلَهُ ، أَنَّ هِبَتَهُ مَا وَهَبَ مِنْ ذَلِكَ مَرْدُودَةٌ بَاطِلَةٌ . وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ صَدَاقَهَا مَالٌ مِنْ مَالِهَا ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ سَائِرِ أَمْوَالِهَا . وَأُخْرَى : أَنَّ الْجَمِيعَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ بَنِي أَعْمَامِ الْمَرْأَةِ الْبِكْرِ وَبَنِي إِخْوَتِهَا مِنْ أَبِيهَا وَأُمِّهَا مِنْ أَوْلِيَائِهَا ، وَأَنَّ بَعْضَهُمْ لَوْ عَفَا عَنْ مَالِهَا [ لِزَوْجِهَا ، قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا ] أَوْ بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا - : إِنَّ عَفْوَهُ ذَلِكَ عَمَّا عَفَا لَهُ عَنْهُ مِنْهُ بَاطِلٌ ، وَإِنَّ حَقَّ الْمَرْأَةِ ثَابِتٌ عَلَيْهِ بِحَالِهِ .
فَكَذَلِكَ سَبِيلُ عَفْوِ كُلِّ وَلِيٍّ لَهَا كَائِنًا مَنْ كَانَ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ ، وَالِدًا كَانَ أَوْ جَدًّا أَوْ خَالًا لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لَمْ يَخْصُصْ بَعْضَ الَّذِينَ بِأَيْدِيهِمْ عَقْدُ النِّكَاحِ دُونَ بَعْضٍ فِي جَوَازِ عَفْوِهِ ، إِذَا كَانُوا مِمَّنْ يَجُوزُ حُكْمُهُ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ . وَيُقَالُ لِمَنْ أَبَى مَا قُلْنَا مِمَّنْ زَعَمَ أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَلِيُّ الْمَرْأَةِ : هَلْ يَخْلُو الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ ، إِذْ كَانَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ هُوَ الْوَلِيُّ عِنْدَكَ : إِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كُلَّ وَلِيٍّ جَازَ لَهُ تَزْوِيجُ وَلِيَّتِهِ ، أَوْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ؟ فَلَنْ يَجِدَ إِلَى الْخُرُوجِ مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ سَبِيلًا . فَإِنْ قَالَ : إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ .
قِيلَ لَهُ : فَأَيُّ ذَلِكَ عُنِيَ بِهِ؟ فَإِنْ قَالَ : لِكُلِّ وَلِيٍّ جَازَ لَهُ تَزْوِيجُ وَلِيَّتِهِ . قِيلَ لَهُ : أَفَجَائِزٌ لِلْمُعْتِقِ أَمَةً تَزْوِيجُ مَوْلَاتِهِ بِإِذْنِهَا بَعْدَ عِتْقِهِ إِيَّاهَا؟ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ! قِيلَ لَهُ : أَفَجَائِزٌ عَفْوُهُ إِنْ عَفَا عَنْ صَدَاقِهَا لِزَوْجِهَا بَعْدَ طَلَاقِهِ إِيَّاهَا قَبْلَ الْمَسِيسِ؟ فَإِنْ قَالَ : نَعَمْ خَرَجَ مِنْ قَوْلِ الْجَمِيعِ . وَإِنْ قَالَ : لَا! قِيلَ لَهُ : وَلِمَ؟ وَمَا الَّذِي حَظَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَهُوَ وَلِيُّهَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ نِكَاحِهَا؟ ثُمَّ يُعْكَسُ الْقَوْلُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، وَيُسْأَلُ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَفْوِ سَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ غَيْرَهُ .
وَإِنْ قَالَ : لِبَعْضٍ دُونِ بَعْضٍ . سُئِلَ الْبُرْهَانَ عَلَى خُصُوصِ ذَلِكَ ، وَقَدْ عَمَّهُ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - فَلَمْ يَخْصُصْ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ . وَيُقَالُ لَهُ : مَنِ الْمَعْنِيُّ بِهِ ، إِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ بَعْضَ الْأَوْلِيَاءِ دُونَ بَعْضٍ؟ فَإِنْ أَوْمَأَ فِي ذَلِكَ إِلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ ، سُئِلَ الْبُرْهَانَ عَلَيْهِ ، وَعُكِسَ الْقَوْلُ فِيهِ ، وَعُورِضَ فِي قَوْلِهِ ذَلِكَ بِخِلَافِ دَعْوَاهُ .
ثُمَّ لَنْ يَقُولَ فِي ذَلِكَ قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلُهُ . فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا فَارَقَهَا زَوْجُهَا فَقَدْ بَطَلَ أَنْ يَكُونَ بِيَدِهِ عُقْدَةُ نِكَاحِهَا ، وَاللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - إِنَّمَا أَجَازَ عَفْوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ نِكَاحِ الْمُطَلَّقَةِ ، فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجَ غَيْرُ مَعْنِيٍّ بِهِ ، وَأَنَّ الْمَعْنِيَّ بِهِ هُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ نِكَاحِ الْمُطَلَّقَةِ بَعْدَ بَيْنُونَتِهَا مِنْ زَوْجِهَا . وَفِي بُطُولِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ حِينَئِذٍ بِيَدِ الزَّوْجِ ، صِحَّةُ الْقَوْلِ أَنَّهُ بِيَدِ الْوَلِيِّ الَّذِي إِلَيْهِ عَقْدُ النِّكَاحِ إِلَيْهَا .
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، صَحَّ الْقَوْلُ بِأَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ هُوَ الْوَلِيُّ فَقَدْ أَغْفَلَ وَظَنَّ خَطَأً . وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ نِكَاحِهِ ، وَإِنَّمَا أُدْخِلَتْ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي النِّكَاحِ بَدَلًا مِنَ الْإِضَافَةِ إِلَى الْهَاءِ الَّتِي كَانَ النِّكَاحُ لَوْ لَمْ يَكُونَا فِيهِ مُضَافًا إِلَيْهَا ، كَمَا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ [ سُورَةُ النَّازِعَاتِ : 41 ] ، بِمَعْنَى : فَإِنَّ الْجَنَّةَ مَأْوَاهُ ، وَكَمَا قَالَ نَابِغَةُ بَنِي ذُبْيَانَ : لَهُمْ شِيمَةٌ لَمْ يُعْطِهَا اللَّهُ غَيْرَهُمْ مِنَ النَّاسِ ، فَالْأَحْلَامُ غَيْرُ عَوَازِبِ بِمَعْنَى : فَأَحْلَامُهُمْ غَيْرُ عَوَازِبٍ . وَالشَّوَاهِدُ عَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَى .
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ، وَهُوَ الزَّوْجُ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ نِكَاحِ نَفْسِهِ فِي كُلِّ حَالٍ قَبْلَ الطَّلَاقِ وَبَعْدَهُ لِأَنَّ مَعْنَاهُ : أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ نِكَاحِهِنَّ ، فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ مَا ظَنَّهُ الْقَائِلُونَ أَنَّهُ الْوَلِيُّ وَلِيُّ الْمَرْأَةِ . لِأَنَّ وَلِيَّ الْمَرْأَةِ لَا يَمْلِكُ عُقْدَةَ نِكَاحِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ إِذْنِهَا ، إِلَّا فِي حَالِ طُفُولَتِهَا ، وَتِلْكَ حَالٌ لَا يَمْلِكُ الْعَقْدَ عَلَيْهَا إِلَّا بَعْضُ أَوْلِيَائِهَا ، فِي قَوْلِ أَكْثَرِ مَنْ رَأَى أَنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ الْوَلِيُّ . وَلَمْ يَخْصُصِ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ بَعْضًا مِنْهُمْ ، فَيَجُوزُ تَوْجِيهُ التَّأْوِيلِ إِلَى مَا تَأَوَّلُوهُ ، لَوْ كَانَ لِمَا قَالُوا فِي ذَلِكَ وَجْهٌ .
وَبَعْدُ ، فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - إِنَّمَا كَنَّى بِقَوْلِهِ : وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلا أَنْ يَعْفُونَ عَنْ ذِكْرِ النِّسَاءِ اللَّاتِي قَدْ جَرَى ذِكْرُهُنَّ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ وَالصَّبَايَا لَا يُسَمَّيْنَ نِسَاءً وَإِنَّمَا يُسَمَّيْنَ صَبَايَا أَوْ جِوَارِي ، وَإِنَّمَا النِّسَاءُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَجْمَعَ ، اسْمُ الْمَرْأَةِ ، وَلَا تَقُولُ الْعَرَبُ لِلطِّفْلَةِ وَالصَّبِيَّةِ وَالصَّغِيرَةِ امْرَأَةٌ كَمَا لَا تَقُولُ لِلصَّبِيِّ الصَّغِيرِ رَجُلٌ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَكَانَ قَوْلُهُ : أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ عِنْدَ الزَّاعِمِينَ أَنَّهُ الْوَلِيُّ إِنَّمَا هُوَ : أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ عَمَّا وَجَبَ لِوَلِيَّتِهِ الَّتِي تَسْتَحِقُّ أَنْ يُوَلِّي عَلَيْهَا مَالَهَا إِمَّا الصِّغَرُ وَإِمَّا السَّفَهُ ، وَاللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - إِنَّمَا اقْتَصَّ فِي الْآيَتَيْنِ قَصَصَ النِّسَاءِ الْمُطَلَّقَاتِ لِعُمُومِ الذِّكْرِ دُونَ خُصُوصِهِ ، وَجَعَلَ لَهُنَّ الْعَفْوَ بِقَوْلِهِ : إِلا أَنْ يَعْفُونَ كَانَ مَعْلُومًا بِقَوْلِهِ : إِلا أَنْ يَعْفُونَ أَنَّ الْمَعْنِيَّاتِ مِنْهُنَّ بِالْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرَهُنَّ فِيهِمَا جَمِيعُهُنَّ دُونَ بَعْضٍ ، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ عَفْوَ مَنْ تَوَلَّى عَلَيْهِ مَالَهُ مِنْهُنَّ بَاطِلٌ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَبَيِّنٌ أَنَّ التَّأْوِيلَ فِي قَوْلِهِ : أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ نِكَاحِهِنَّ ، يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ لِأَوْلِيَاءِ الثَّيِّبَاتِ الرُّشَّدِ الْبَوَالِغِ ، مِنَ الْعَفْوِ عَمَّا وُهِبَ لَهُنَّ مِنَ الصَّدَاقِ بِالطَّلَاقِ قَبْلَ الْمَسِيسِ ، مِثْلُ الَّذِي لِأَوْلِيَاءِ الْأَطْفَالِ الصِّغَارِ الْمُوَلِّي عَلَيْهِنَّ أَمْوَالَهُنَّ السُّفَهُ .
وَفِي إِنْكَارِ الْقَائِلِينَ : إِنَّ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ الْوَلِيُّ عَفْوُ أَوْلِيَاءِ الثَّيِّبَاتِ الرُّشَّدِ الْبَوَالِغِ عَلَى مَا وَصَفْنَا ، وَتَفْرِيقُهُمْ بَيْنَ أَحْكَامِهِمْ وَأَحْكَامِ أَوْلِيَاءِ الْأُخَرِ - مَا أَبَانَ عَنْ فَسَادِ تَأْوِيلِهِمُ الَّذِي تَأَوَّلُوهُ فِي ذَلِكَ . وَيَسْأَلُ الْقَائِلُونَ بِقَوْلِهِمْ فِي ذَلِكَ الْفَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ مِنْ أَصْلٍ أَوْ نَظِيرٍ ، فَلَنْ يَقُولُوا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمُوا فِي خِلَافِهِ مِثْلَهُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ خُوطِبَ بِقَوْلِهِ : وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : خُوطِبَ بِذَلِكَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5361 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ جُرَيْجٍ يُحَدِّثُ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى قَالَ : أَقْرَبُهُمَا لِلتَّقْوَى الَّذِي يَعْفُو . 5362 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْبَرْقِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : سَمِعْتُ تَفْسِيرَ هَذِهِ الْآيَةِ : وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى قَالَ : يَعْفُونَ جَمِيعًا .
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ : وَأَنْ يَعْفُوا ، أَيُّهَا النَّاسُ ، بَعْضُكُمْ عَمَّا وَجَبَ لَهُ قِبَلَ صَاحِبِهِ مِنَ الصَّدَاقِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ عِنْدَ الطَّلَاقِ ، أَقْرَبُ لَهُ إِلَى تَقْوَى اللَّهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلِ الَّذِي خُوطِبُوا بِذَلِكَ أَزْوَاجُ الْمُطَلَّقَاتِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5363 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مُغِيرَةَ ، عَنِ الشَّعْبِيِّ : وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى : وَأَنْ يَعْفُو هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى .
فَتَأْوِيلُ ذَلِكَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ : وَأَنْ تُعْفُوا أَيُّهَا الْمُفَارِقُونَ أَزْوَاجَهُمْ ، فَتَتْرُكُوا لَهُنَّ مَا وَجَبَ لَكُمُ الرُّجُوعُ بِهِ عَلَيْهِنَّ مِنَ الصَّدَاقِ الَّذِي سُقْتُمُوهُ إِلَيْهِنَّ ، أَوْ تُتِمُّوا لَهُنَّ - بِإِعْطَائِكُمْ إِيَّاهُنَّ الصَّدَاقَ الَّذِي كُنْتُمْ سَمَّيْتُمْ لَهُنَّ فِي عُقْدَةِ النِّكَاحِ إِنْ لَمْ تَكُونُوا سُقْتُمُوهُ إِلَيْهِنَّ أَقْرَبُ لَكُمْ إِلَى تَقْوَى اللَّهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ . مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَهُوَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : وَأَنْ يَعْفُو بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ أَيُّهَا الْأَزْوَاجُ وَالزَّوْجَاتُ ، بَعْدَ فِرَاقِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا عَمَّا وَجَبَ لِبَعْضِكُمْ قَبْلَ بَعْضٍ ، فَيَتْرُكُهُ لَهُ إِنْ كَانَ قَدْ بَقِيَ لَهُ قِبَلَهُ .
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَقِيَ لَهُ ، فَبِأَنْ يُوَفِّيَهُ بِتَمَامِهِ أَقْرُبُ لَكُمْ إِلَى تَقْوَى اللَّهِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا فِي الصَّفْحِ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الْقُرْبِ مِنْ تَقْوَى اللَّهِ ، فَيُقَالُ لِلصَّافِحِ الْعَافِي عَمَّا وَجَبَ لَهُ قِبَلَ صَاحِبِهِ : فِعْلُكَ مَا فَعَلْتَ أَقْرَبُ لَكَ إِلَى تَقْوَى اللَّهِ؟ قِيلَ لَهُ : الَّذِي فِي ذَلِكَ مِنْ قُرْبِهِ مِنْ تَقْوَى اللَّهِ ، مُسَارَعَتُهُ فِي عَفْوِهِ ذَلِكَ إِلَى مَا نَدَبَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ، وَدَعَاهُ وَحَضَّهُ عَلَيْهِ . فَكَانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ - إِذَا فَعَلَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ، وَإِيثَارَ مَا نَدَبَهُ إِلَيْهِ عَلَى هَوَى نَفْسِهِ - مَعْلُومًا بِهِ ، إِذْ كَانَ مُؤْثِرًا فِعْلَ مَا نَدَبَهُ إِلَيْهِ مِمَّا لَمْ يَفْرِضْهُ عَلَيْهِ عَلَى هَوَى نَفْسِهِ ، أَنَّهُ لِمَا فَرَضَهُ عَلَيْهِ وَأَوْجَبَهُ أَشَدُّ إِيثَارًا ، وَلِمَا نَهَاهُ أَشَدُّ تَجَنُّبًا .
وَذَلِكَ هُوَ قُرْبُهُ مِنَ التَّقْوَى . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَلَا تُغْفِلُوا ، أَيُّهَا النَّاسُ ، الْأَخْذَ بِالْفَضْلِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فَتَتْرُكُوهُ ، وَلَكِنْ لِيَتَفَضَّلَ الرَّجُلُ الْمُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ قَبْلَ مَسِيسِهَا ، فَيُكْمِلْ لَهَا تَمَامَ صَدَاقِهَا إِنْ كَانَ لَمْ يُعْطِهَا جَمِيعَهُ . وَإِنْ كَانَ قَدْ سَاقَ إِلَيْهَا جَمِيعَ مَا كَانَ فَرَضَ لَهَا ، فَلْيَتَفَضَّلْ عَلَيْهَا بِالْعَفْوِ عَمَّا يَجِبُ لَهُ وَيَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ عَلَيْهَا ، وَذَلِكَ نِصْفُهُ .
فَإِنْ شَحَّ الرَّجُلُ بِذَلِكَ وَأَبَى إِلَّا الرُّجُوعَ بِنِصْفِهِ عَلَيْهَا ، فَلْتَتَفَضَّلِ الْمَرْأَةُ الْمُطَلَّقَةُ عَلَيْهِ بِرَدِّ جَمِيعِهِ عَلَيْهِ ، إِنْ كَانَتْ قَدْ قَبَضَتْهُ مِنْهُ . وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَبَضَتْهُ ، فَتَعْفُو [ عَنْ ] جَمِيعِهِ . فَإِنْ هُمَا لَمْ يَفْعَلَا ذَلِكَ وَشَحَّا وَتَرَكَا مَا نَدَبَهُمَا اللَّهُ إِلَيْهِ - مِنْ أَخْذِ أَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِالْفَضْلِ - فَلَهَا نِصْفُ مَا كَانَ فَرَضَ لَهَا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَلَهُ نِصْفُهُ .
وَبِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5364 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، عَنْ أَبِيهِ جُبَيْرٍ : أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَعَرَضَ عَلَيْهِ ابْنَةً لَهُ فَتَزَوَّجَهَا ، فَلَمَّا خَرَجَ طَلَّقَهَا وَبَعَثَ إِلَيْهَا بِالصَّدَاقِ . قَالَ : قِيلَ لَهُ : فَلِمَ تَزَوَّجْتَهَا؟ قَالَ : عَرَضَهَا عَلَيَّ فَكَرِهْتُ رَدَّهَا! قِيلَ : فَلِمَ تَبْعَثُ بِالصَّدَاقِ؟ قَالَ : فَأَيْنَ الْفَضْلُ؟ 5365 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ وَرْقَاءَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ .
قَالَ : إِتْمَامُ الزَّوْجِ الصَّدَاقَ ، أَوْ تَرْكُ الْمَرْأَةِ الشَّطْرَ . 5366 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ قَالَ : إِتْمَامُ الصَّدَاقِ ، أَوْ تَرْكُ الْمَرْأَةِ شَطْرَهُ . 5367 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
5371 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ قَالَ : الْمَرْأَةُ يُطَلِّقُهَا زَوْجُهَا وَقَدْ فَرَضَ لَهَا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا ، فَلَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ . فَأَمَرَ اللَّهُ أَنْ يَتْرُكَ لَهَا نَصِيبَهَا ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُتِمَّ الْمَهْرَ كَامِلًا . وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ : وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( 237 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ أَيُّهَا النَّاسُ ، مِمَّا نَدَبَكُمْ إِلَيْهِ وَحَضَّكُمْ عَلَيْهِ ، مِنْ عَفْوِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ عَمَّا وَجَبَ لَهُ قِبَلَهُ مَنْ حَقٍّ بِسَبَبِ النِّكَاحِ الَّذِي كَانَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَزْوَاجِكُمْ ، وَتَفَضُّلِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي ذَلِكَ ، وَفِي غَيْرِهِ مِمَّا تَأْتُونَ وَتَذَرُوَنَ مِنْ أُمُورِكُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ وَغَيْرِكُمْ مِمَّا حَثَّكُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَمَرَكُمْ بِهِ أَوْ نَهَاكُمْ عَنْهُ بَصِيرٌ يَعْنِي بِذَلِكَ : ذُو بَصَرٍ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، بَلْ هُوَ يُحْصِيهِ عَلَيْكُمْ وَيَحْفَظُهُ ، حَتَّى يُجَازِيَ ذَا الْإِحْسَانِ مِنْكُمْ عَلَى إِحْسَانِهِ ، وَذَا الْإِسَاءَةِ مِنْكُمْ عَلَى إِسَاءَتِهِ .