الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَلَمْ تَرَ أَلَمْ تَعْلَمْ ، يَا مُحَمَّدُ؟ وَهُوَ مِنْ رُؤْيَةِ الْقَلْبِ لَا رُؤْيَةِ الْعَيْنِ لِأَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُدْرِكِ الَّذِينَ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ هَذَا الْخَبَرَ ، وَ رُؤْيَةُ الْقَلْبِ : مَا رَآهُ ، عَلِمَهُ بِهِ . فَمَعْنَى ذَلِكَ : أَلَمْ تَعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ ، الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ؟ . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَهُمْ أُلُوفٌ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : فِي الْعَدَدِ ، بِمَعْنَى : جِمَاعُ أَلْفٍ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5596 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي وَحَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَيْسَرَةَ النَّهْدِيِّ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ كَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ ، خَرَجُوا فِرَارًا مِنَ الطَّاعُونِ ، قَالُوا : نَأْتِي أَرْضًا لَيْسَ فِيهَا مَوْتٌ ! حَتَّى إِذَا كَانُوا بِمَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا ، قَالَ لَهُمُ اللَّهُ : مُوتُوا . فَمَرَّ عَلَيْهِمْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، فَدَعَا رَبَّهُ أَنْ يُحْيِيَهُمْ ، فَأَحْيَاهُمْ ، فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ : إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ .
5597 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ مَيْسَرَةَ النَّهْدِيِّ ، عَنِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ قَالَ : كَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ خَرَجُوا فِرَارًا مِنَ الطَّاعُونِ ، فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ ، فَمَرَّ عَلَيْهِمْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، فَدَعَا رَبَّهُ أَنْ يُحْيِيَهُمْ حَتَّى يَعْبُدُوهُ ، فَأَحْيَاهُمْ . 5598 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَسْكَرٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الصَّمَدِ : أَنَّهُ سَمِعَ وَهْبَ بْنَ مُنَبِّهٍ يَقُولُ : أَصَابَ نَاسًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَلَاءٌ وَشِدَّةٌ مِنَ الزَّمَانِ ، فَشَكَوْا مَا أَصَابَهُمْ وَقَالُوا : يَا لَيْتَنَا قَدْ مِتْنَا فَاسْتَرَحْنَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ ! فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى حِزْقِيلَ : إِنَّ قَوْمَكَ صَاحُوا مِنَ الْبَلَاءِ ، وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ وَدُّوا لَوْ مَاتُوا فَاسْتَرَاحُوا ، وَأَيُّ رَاحَةٍ لَهُمْ فِي الْمَوْتِ؟ أَيَظُنُّونَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أَبْعَثَهُمْ بَعْدَ الْمَوْتِ؟ فَانْطَلِقْ إِلَى جَبَّانَةِ كَذَا وَكَذَا ، فَإِنَّ فِيهَا أَرْبَعَةَ آلَافٍ ، قَالَ وَهْبٌ : وَهُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقُمْ فِيهِمْ فَنَادِهِمْ ، وَكَانَتْ عِظَامُهُمْ قَدْ تَفَرَّقَتْ ، فَرَّقَتْهَا الطَّيْرُ وَالسِّبَاعُ . فَنَادَاهُمْ حِزْقِيلُ فَقَالَ : يَا أَيَّتُهَا الْعِظَامُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَجْتَمِعِي ! فَاجْتَمَعَ عِظَامُ كَلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مَعًا .
ثُمَّ نَادَى ثَانِيَةً حِزْقِيلُ فَقَالَ : أَيَّتُهَا الْعِظَامُ ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَكْتَسِي اللَّحْمَ فَاكْتَسَتِ اللَّحْمَ ، وَبَعْدَ اللَّحْمِ جِلْدًا ، فَكَانَتْ أَجْسَادًا . ثُمَّ نَادَى حِزْقِيلُ الثَّالِثَةَ فَقَالَ : أَيَّتُهَا الْأَرْوَاحُ ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَعُودِي فِي أَجْسَادِكِ ! فَقَامُوا بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَكَبَّرُوا تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً . 5599 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ يَقُولُ : عَدَدٌ كَثِيرٌ خَرَجُوا فِرَارًا مِنَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ ، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُجَاهِدُوا عَدُوَّهُمْ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾.
5600 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ أَسْلَمَ الْبَصْرِيِّ قَالَ : بَيْنَمَا عُمَرُ يُصَلِّي وَيَهُودِيَّانِ خَلْفَهُ وَكَانَ عُمَرُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ خَوَّى ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ لِصَاحِبِهِ : أَهُوَ هُوَ؟ فَلَمَّا انْفَتَلَ عُمَرُ قَالَ : أَرَأَيْتَ قَوْلَ أَحَدِكُمَا لِصَاحِبِهِ : أَهُوَ هُوَ؟ فَقَالَا : إِنَّا نَجِدُهُ فِي كِتَابِنَا : قَرْنًا مِنْ حَدِيدٍ ، يُعْطَى مَا يُعْطَى حِزْقِيلُ الَّذِي أَحْيَا الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ . فَقَالَ عُمَرُ : مَا نَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حِزْقِيلَ وَلَا أَحْيَا الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ إِلَّا عِيسَى . فَقَالَا : أَمَا تَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَرُسُلا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ ، [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 164 ] ، فَقَالَ عُمَرُ : بَلَى! قَالَا : وَأَمَّا إِحْيَاءُ الْمَوْتَى فَسَنُحَدِّثُكَ : إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقَعَ عَلَيْهِمُ الْوَبَاءُ ، فَخَرَجَ مِنْهُمْ قَوْمٌ حَتَّى إِذَا كَانُوا عَلَى رَأْسِ مِيلٍ أَمَاتَهُمُ اللَّهُ ، فَبَنَوْا عَلَيْهِمْ حَائِطًا ، حَتَّى إِذَا بَلِيَتْ عِظَامُهُمْ بَعَثَ اللَّهُ حِزْقِيلَ فَقَامَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ ، فَبَعَثَهُمُ اللَّهُ لَهُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ الْآيَةَ .
5601 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَكَّامٌ ، عَنْ عَنْبَسَةَ ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَأَةَ قَالَ : كَانُوا أَرْبَعَةَ آلَافٍ . 5602 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ إِلَى قَوْلِهِ : ثُمَّ أَحْيَاهُمْ قَالَ : كَانَتْ قَرْيَةٌ يُقَالُ لَهَا دَاوَرْدَانُ قِبَلَ وَاسِطٍ ، وَقَعَ بِهَا الطَّاعُونُ ، فَهَرَبَ عَامَّةُ أَهْلِهَا فَنَزَلُوا نَاحِيَةً مِنْهَا ، فَهَلَكَ مَنْ بَقِيَ فِي الْقَرْيَةِ وَسَلِمَ الْآخَرُونَ ، فَلَمْ يَمُتْ مِنْهُمْ كَبِيرٌ . فَلَمَّا ارْتَفَعَ الطَّاعُونُ رَجَعُوا سَالِمِينَ ، فَقَالَ الَّذِينَ بَقُوا : أَصْحَابُنَا هَؤُلَاءِ كَانُوا أَحْزَمَ مِنَّا ، لَوْ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعُوا بَقِينَا! وَلَئِنْ وَقَعَ الطَّاعُونُ ثَانِيَةً لَنَخْرُجَنَّ مَعَهُمْ! فَوَقَعَ فِي قَابِلٍ فَهَرَبُوا ، وَهُمْ بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ أَلْفًا ، حَتَّى نَزَلُوا ذَلِكَ الْمَكَانَ ، وَهُوَ وَادٍ أَفْيَحُ ، فَنَادَاهُمْ مَلَكٌ مِنْ أَسْفَلِ الْوَادِي وَآخَرُ مِنْ أَعْلَاهُ : أَنْ مُوتُوا ! فَمَاتُوا ، حَتَّى إِذَا هَلَكُوا وَبَلِيَتْ أَجْسَادُهُمْ ، مَرَّ بِهِمْ نَبِيٌّ يُقَالُ لَهُ حِزْقِيلُ ، فَلَمَّا رَآهُمْ وَقَفَ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَ يَتَفَكَّرُ فِيهِمْ وَيَلْوِي شِدْقَهُ وَأَصَابِعَهُ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ : يَا حِزْقِيلُ ، أَتُرِيدُ أَنْ أُرِيَكَ فِيهِمْ كَيْفَ أُحْيِيهِمْ؟ قَالَ : وَإِنَّمَا كَانَ تَفَكُّرُهُ أَنَّهُ تَعَجَّبَ مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ : نَعَمْ! فَقِيلَ لَهُ : نَادِ! فَنَادَى : يَا أَيَّتُهَا الْعِظَامُ ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَجْتَمِعِي! فَجَعَلَتْ تَطِيرُ الْعِظَامُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ ، حَتَّى كَانَتْ أَجْسَادًا مِنْ عِظَامٍ ، ثُمَّ أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ نَادِ : يَا أَيَّتُهَا الْعِظَامُ ، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَكْتَسِي لَحْمًا فَاكْتَسَتْ لَحْمًا وَدَمًا ، وَثِيَابَهَا الَّتِي مَاتَتْ فِيهَا وَهِيَ عَلَيْهَا .
ثُمَّ قِيلَ لَهُ : نَادِ ! فَنَادَى : يَا أَيَّتُهَا الْأَجْسَادُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكِ أَنْ تَقُومِي فَقَامُوا . 5603 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، قَالَ : فَزَعَمَ مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : أَنَّهُمْ قَالُوا حِينَ أُحْيُوا : سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ فَرَجَعُوا إِلَى قَوْمِهِمْ أَحْيَاءً يَعْرِفُونَ أَنَّهُمْ كَانُوا مَوْتَى ، سَحْنَةُ الْمَوْتِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ، لَا يَلْبَسُونَ ثَوْبًا إِلَّا عَادَ دَسِمًا مِثْلَ الْكَفَنِ ، حَتَّى مَاتُوا لِآجَالِهِمُ الَّتِي كُتِبَتْ لَهُمْ . 5604 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْسَجَةَ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ قَالَ : كَانُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ أَوْ أَكْثَرَ .
فَعَمَدَ أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ فَحَظَرُوا عَلَيْهِمْ حَظِيرَةً دُونَ السِّبَاعِ ، ثُمَّ تَرَكُوهُمْ فِيهَا ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَثُرُوا عَنْ أَنْ يُغَيَّبُوا . فَمَرَّتْ بِهِمُ الْأَزْمَانُ وَالدُّهُورُ ، حَتَّى صَارُوا عِظَامًا نَخِرَةً ، فَمَرَّ بِهِمْ حِزْقِيلُ بْنُ بُوزِيٍّ ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمْ ، فَتَعَجَّبَ لِأَمْرِهِمْ وَدَخَلَتْهُ رَحْمَةٌ لَهُمْ ، فَقِيلَ لَهُ : أَتُحِبُّ أَنْ يُحْيِيَهُمُ اللَّهُ؟ فَقَالَ : نَعَمْ! فَقِيلَ لَهُ : نَادِهِمْ فَقُلْ : أَيَّتُهَا الْعِظَامُ الرَّمِيمُ الَّتِي قَدْ رَمَّتْ وَبَلِيَتْ ، لِيَرْجِعْ كُلُّ عَظْمٍ إِلَى صَاحِبِهِ . فَنَادَاهُمْ بِذَلِكَ ، فَنَظَرَ إِلَى الْعِظَامِ تَوَاثَبُ يَأْخُذُ بَعْضُهَا بَعْضًا .
ثُمَّ قِيلَ لَهُ : قُلْ : أَيُّهَا اللَّحْمُ وَالْعَصَبُ وَالْجِلْدُ ، اكْسُ الْعِظَامَ بِإِذْنِ رَبِّكَ قَالَ : فَنَظَرَ إِلَيْهَا وَالْعَصَبُ يَأْخُذُ الْعِظَامَ ثُمَّ اللَّحْمَ وَالْجِلْدَ وَالْأَشْعَارَ ، حَتَّى اسْتَوَوْا خَلْقًا لَيْسَتْ فِيهِمُ الْأَرْوَاحُ . ثُمَّ دَعَا لَهُمْ بِالْحَيَاةِ ، فَتَغَشَّاهُ مِنَ السَّمَاءِ شَيْءٌ كَرَبَهُ حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ مِنْهُ ، ثُمَّ أَفَاقَ وَالْقَوْمُ جُلُوسٌ يَقُولُونَ : سُبْحَانَ اللَّهِ ، سُبْحَانَ اللَّهِ قَدْ أَحْيَاهُمُ اللَّهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْلِهِ وَهُمْ أُلُوفٌ وَهُمْ مُؤْتَلِفُونَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5608 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ قَالَ : قَرْيَةٌ كَانَتْ نَزَلَ بِهَا الطَّاعُونُ ، فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ وَأَقَامَتْ طَائِفَةٌ ، فَأَلَحَّ الطَّاعُونُ بِالطَّائِفَةِ الَّتِي أَقَامَتْ ، وَالَّتِي خَرَجَتْ لَمْ يُصِبْهُمْ شَيْءٌ . ثُمَّ ارْتَفَعَ ، ثُمَّ نَزَلَ الْعَامَ الْقَابِلَ ، فَخَرَجَتْ طَائِفَةٌ أَكْثَرُ مِنَ الَّتِي خَرَجَتْ أَوَّلًا فَاسْتَحَرَّ الطَّاعُونُ بِالطَّائِفَةِ الَّتِي أَقَامَتْ . فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الثَّالِثُ ، نَزَلَ فَخَرَجُوا بِأَجْمَعِهِمْ وَتَرَكُوا دِيَارَهُمْ ، فَقَالَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ لَيْسَتِ الْفُرْقَةُ أَخْرَجَتْهُمْ ، كَمَا يُخْرَجُ لِلْحَرْبِ وَالْقِتَالِ ، قُلُوبُهُمْ مُؤْتَلِفَةٌ ، إِنَّمَا خَرَجُوا فِرَارًا .
فَلَمَّا كَانُوا حَيْثُ ذَهَبُوا يَبْتَغُونَ الْحَيَاةَ ، قَالَ لَهُمُ اللَّهُ : مُوتُوا فِي الْمَكَانِ الَّذِي ذَهَبُوا إِلَيْهِ يَبْتَغُونَ فِيهِ الْحَيَاةَ . فَمَاتُوا ، ثُمَّ أَحْيَاهُمُ اللَّهُ ، إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ قَالَ : وَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ وَهِيَ عِظَامٌ تَلُوحُ ، فَوَقَفَ يَنْظُرُ فَقَالَ : أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ . ذِكْرُ الْأَخْبَارِ عَمَّنْ قَالَ : كَانَ خُرُوجُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ مِنْ دِيَارِهِمْ فِرَارًا مِنَ الطَّاعُونِ .
ثُمَّ وَقَعَ الطَّاعُونُ فِي قَرْيَتِهِمُ الثَّانِيَةِ ، فَخَرَجَ أُنَاسٌ وَبَقِيَ أُنَاسٌ ، وَمَنْ خَرَجَ أَكْثَرُ مِمَّنْ بَقِيَ . فَنَجَّى اللَّهُ الَّذِينَ خَرَجُوا ، وَهَلَكَ الَّذِينَ بَقُوا . فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ خَرَجُوا بِأَجْمَعِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ وَدَوَابَّهُمْ ، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ فَرَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ [ وَقَدْ أَنْكَرُوا قَرْيَتَهُمْ ، وَمَنْ تَرَكُوا ] .
قَالَ : فَاسْتَحَرَّ الْمَوْتُ عَلَى الْمُقِيمِينَ مِنْهُمْ ، وَنَجَا مَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ . فَقَالَ الَّذِينَ خَرَجُوا : لَوْ أَقَمْنَا كَمَا أَقَامَ هَؤُلَاءِ ، لَهَلَكْنَا كَمَا هَلَكُوا ! وَقَالَ الْمُقِيمُونَ : لَوْ ظَعَنَّا كَمَا ظَعَنَ هَؤُلَاءِ ، لَنَجَوْنَا كَمَا نَجَوْا ! فَظَعَنُوا جَمِيعًا فِي عَامٍ وَاحِدٍ ، أَغْنِيَاؤُهُمْ وَأَشْرَافُهُمْ وَفُقَرَاؤُهُمْ وَسِفْلَتُهُمْ . فَأُرْسِلَ عَلَيْهِمُ الْمَوْتُ فَصَارُوا عِظَامًا تَبْرُقُ .
قَالَ : فَجَاءَهُمْ أَهْلُ الْقُرَى فَجَمَعُوهُمْ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ ، فَمَرَّ بِهِمْ نَبِيٌّ فَقَالَ : يَا رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَحْيَيْتَ هَؤُلَاءِ فَعَمَّرُوا بِلَادَكَ وَعَبَدُوكَ! قَالَ : أَوَ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أَفْعَلَ؟ قَالَ نَعَمْ! قَالَ : فَقُلْ : كَذَا وَكَذَا ، فَتَكَلَّمْ بِهِ ، فَنَظَرَ إِلَى الْعِظَامِ ، وَإِنَّ الْعَظْمَ لَيَخْرُجُ مِنْ عِنْدِ الْعَظْمِ الَّذِي لَيْسَ مِنْهُ إِلَى الْعَظْمِ الَّذِي هُوَ مِنْهُ . ثُمَّ تَكَلَّمَ بِمَا أُمِرَ ، فَإِذَا الْعِظَامُ تُكْسَى لَحْمًا . ثُمَّ أُمِرَ بِأَمْرٍ فَتَكَلَّمَ بِهِ ، فَإِذَا هُمْ قُعُودٌ يُسَبِّحُونَ وَيُكَبِّرُونَ .
ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ : ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ 5615 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ ، عَنِ الْحَسَنِ : أَنَّهُ قَالَ فِي الَّذِينَ أَمَاتَهُمُ اللَّهُ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ قَالَ : هُمْ قَوْمٌ فَرُّوا مِنَ الطَّاعُونِ ، فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ عُقُوبَةً وَمَقْتًا ، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ لِآجَالِهِمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَهُمْ أُلُوفٌ بِالصَّوَابِ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : عَنَى بِالْأُلُوفِ كَثْرَةَ الْعَدَدِ دُونَ قَوْلِ مَنْ قَالَ : عَنَى بِهِ الِائْتِلَافَ بِمَعْنَى ائْتِلَافِ قُلُوبِهِمْ ، وَأَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ مِنْ غَيْرِ افْتِرَاقٍ كَانَ مِنْهُمْ وَلَا تَبَاغُضٍ ، وَلَكِنْ فِرَارًا : إِمَّا مِنَ الْجِهَادِ ، وَإِمَّا مِنَ الطَّاعُونِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ ، وَلَا يُعَارَضُ بِالْقَوْلِ الشَّاذِّ مَا اسْتَفَاضَ بِهِ الْقَوْلُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعَيْنِ . وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ - فِي مَبْلَغِ عَدَدِ الْقَوْمِ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّهُ خُرُوجَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ - بِالصَّوَابِ ، قَوْلُ مَنْ حَدَّ عَدَدَهُمْ بِزِيَادَةٍ عَنْ عَشَرَةِ آلَافٍ ، دُونَ مَنْ حَدَّهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ ، وَثَلَاثَةِ آلَافٍ ، وَثَمَانِيَةِ آلَافٍ .
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا أُلُوفًا ، وَمَا دُونَ الْعَشَرَةِ آلَافٍ لَا يُقَالُ لَهُمْ : أُلُوفٌ . وَإِنَّمَا يُقَالُ هُمْ آلَافٌ إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةَ آلَافٍ فَصَاعِدًا إِلَى الْعَشَرَةِ آلَافٍ . وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ : هُمْ خَمْسَةُ أُلُوفٍ ، أَوْ عَشَرَةُ أُلُوفٍ .
وَإِنَّمَا جُمِعُ قَلِيلُهُ عَلَى أَفْعَالٍ وَلَمْ يُجْمَعْ عَلَى أَفْعُلٍ مِثْلَ سَائِرِ الْجَمْعِ الْقَلِيلِ الَّذِي يَكُونُ ثَانِي مُفْرَدِهِ سَاكِنًا لِلْأَلِفِ الَّتِي فِي أَوَّلِهِ . وَشَأْنُ الْعَرَبِ فِي كُلِّ حَرْفٍ كَانَ أَوَّلُهُ يَاءً أَوْ وَاوًا أَوْ أَلِفًا ، اخْتِيَارُ جَمْعِ قَلِيلِهِ عَلَى أَفْعَالٍ ، كَمَا جَمَعُوا الْوَقْتَ أَوْقَاتًا وَ الْيَوْمَ أَيَّامًا وَ الْيُسْرَ وَ أَيْسَارًا لِلْوَاوِ وَالْيَاءِ اللَّتَيْنِ فِي أَوَّلِ ذَلِكَ . وَقَدْ يُجْمَعُ ذَلِكَ أَحْيَانًا عَلَى أَفْعُلٍ إِلَّا أَنَّ الْفَصِيحَ مِنْ كَلَامِهِمْ مَا ذَكَرْنَا ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : كَانُوا ثَلَاثَةَ آلُفٍ وَكَتِيبَةً أَلْفَيْنِ أَعْجَمَ مِنْ بَنِي الْفَدَّامِ وَأَمَّا قَوْلُهُ : حَذَرَ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ يَعْنِي : أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ حَذَرِ الْمَوْتِ ، فِرَارًا مِنْهُ .
كَمَا : - 5616 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : حَذَرَ الْمَوْتِ فِرَارًا مِنْ عَدُوِّهِمْ ، حَتَّى ذَاقُوا الْمَوْتَ الَّذِي فَرُّوا مِنْهُ . فَأَمَرَهُمْ فَرَجَعُوا ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ : ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 246 ] . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا حَثَّ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - عِبَادَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، عَلَى الْمُوَاظَبَةِ عَلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ ، وَالصَّبْرِ عَلَى قِتَالِ أَعْدَاءِ دِينِهِ .
وَشَجَّعَهُمْ بِإِعْلَامِهِ إِيَّاهُمْ وَتَذْكِيرِهِ لَهُمْ ، أَنَّ الْإِمَاتَةَ وَالْإِحْيَاءَ بِيَدَيْهِ وَإِلَيْهِ ، دُونَ خَلْقِهِ وَأَنَّ الْفِرَارَ مِنَ الْقِتَالِ وَالْهَرَبَ مِنَ الْجِهَادِ وَلِقَاءِ الْأَعْدَاءِ ، إِلَى التَّحَصُّنِ فِي الْحُصُونِ ، وَالِاخْتِبَاءِ فِي الْمَنَازِلِ وَالدُّورِ ، غَيْرُ مُنْجٍ أَحَدًا مِنْ قَضَائِهِ إِذَا حَلَّ بِسَاحَتِهِ ، وَلَا دَافِعٌ عَنْهُ أَسْبَابَ مَنِيَّتِهِ إِذَا نَزَلَ بِعَقْوَتِهِ ، كَمَا لَمْ يَنْفَعِ الْهَارِبِينَ مِنَ الطَّاعُونِ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - صِفَتَهُمْ فِي قَوْلِهِ : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فِرَارُهُمْ مِنْ أَوْطَانِهِمْ ، وَانْتِقَالُهُمْ مِنْ مَنَازِلِهِمْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي أَمَّلُوا بِالْمَصِيرِ إِلَيْهِ السَّلَامَةَ ، وَبِالْمَوْئِلِ النَّجَاةَ مِنَ الْمَنِيَّةِ ، حَتَّى أَتَاهُمْ أَمْرُ اللَّهِ ، فَتَرَكَهُمْ جَمِيعًا خُمُودًا صَرْعَى ، وَفِي الْأَرْضِ هَلْكَى ، وَنَجَا مِمَّا حَلَّ بِهِمُ الَّذِينَ بَاشَرُوا كَرْبَ الْوَبَاءِ ، وَخَالَطُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَظِيمَ الْبَلَاءِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ( 243 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِذَلِكَ : إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ وَمَنٍّ . عَلَى خَلْقِهِ ، بِتَبْصِيرِهِ إِيَّاهُمْ سَبِيلَ الْهُدَى ، وَتَحْذِيرِهِ لَهُمْ طُرُقَ الرَّدَى ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ نِعَمِهِ الَّتِي يُنْعِمُهَا عَلَيْهِمْ فِي دُنْيَاهُمْ وَدِينِهِمْ ، وَأَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ - كَمَا أَحْيَا الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ بَعْدَ إِمَاتَتِهِ إِيَّاهُمْ ، وَجَعْلِهِمْ لِخَلْقِهِ مَثَلًا وَعِظَةٍ يَتَّعِظُونَ بِهِمْ ، عِبْرَةً يَعْتَبِرُونَ بِهِمْ ، وَلِيَعْلَمُوا أَنَّ الْأُمُورَ كُلَّهَا بِيَدِهِ ، فَيَسْتَسْلِمُوا لِقَضَائِهِ ، وَيَصْرِفُوا الرَّغْبَةَ كُلَّهَا وَالرَّهْبَةَ إِلَيْهِ .
ثُمَّ أَخْبَرَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَنَّ أَكْثَرَ مَنْ يُنْعِمُ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ بِنِعَمِهِ الْجَلِيلَةِ ، وَيَمُنُّ عَلَيْهِ بِمِنَنِهِ الْجَسِيمَةِ ، يَكْفُرُ بِهِ وَيَصْرِفُ الرَّغْبَةَ وَالرَّهْبَةَ إِلَى غَيْرِهِ ، وَيَتَّخِذُ إِلَهًا مِنْ دُونِهِ ، كُفْرَانًا مِنْهُ لِنِعَمِهِ الَّتِي تُوجِبُ أَصْغَرُهَا عَلَيْهِ مِنَ الشُّكْرِ مَا يَفْدَحُهُ ، وَمِنَ الْحَمْدِ مَا يُثْقِلُهُ ، فَقَالَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ يَقُولُ : لَا يَشْكُرُونَ نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُهَا عَلَيْهِمْ ، وَفَضْلِي الَّذِي تَفَضَّلْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ ، بِعِبَادَتِهِمْ غَيْرِي ، وَصَرْفِهِمْ رَغْبَتَهُمْ وَرَهْبَتَهُمْ إِلَى مَنْ دُونِي مِمَّنْ لَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ، وَلَا يَمْلِكُ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا .