الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ إِنْ تُعْلِنُوا الصَّدَقَاتِ فَتُعْطُوهَا مَنْ تَصَدَّقْتُمْ بِهَا عَلَيْهِ فَنِعِمَّا هِيَ يَقُولُ : فَنِعْمَ الشَّيْءُ هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا يَقُولُ : وَإِنْ تَسْتُرُوهَا فَلَمْ تُعْلِنُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ يَعْنِي : وَتُعْطُوهَا الْفُقَرَاءَ فِي السِّرِّ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ يَقُولُ : فَإِخْفَاؤُكُمْ إِيَّاهَا خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِعْلَانِهَا . وَذَلِكَ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ كَمَا : - 6195 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ كُلٌّ مَقْبُولٌ إِذَا كَانَتِ النِّيَّةُ صَادِقَةً ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ أَفْضَلُ . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ الصَّدَقَةَ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ .
6196 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ ، فِي قَوْلِهِ : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ قَالَ : كُلٌّ مَقْبُولٌ إِذَا كَانَتِ النِّيَّةُ صَادِقَةً ، وَالصَّدَقَةُ فِي السِّرِّ أَفْضَلُ . وَكَانَ يَقُولُ : إِنَّ الصَّدَقَةَ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ . 6197 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ فَجَعَلَ اللَّهُ صَدَقَةَ السِّرِّ فِي التَّطَوُّعِ تَفْضُلُ عَلَانِيَتَهَا بِسَبْعِينَ ضِعْفًا ، وَجَعَلَ صَدَقَةَ الْفَرِيضَةِ : عَلَانِيَتَهَا أَفْضَلَ مِنْ سِرِّهَا ، يُقَالُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ضِعْفًا ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الْفَرَائِضِ وَالنَّوَافِلِ فِي الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا .
6198 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنَفِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ قَالَ : يَقُولُ : هُوَ سِوَى الزَّكَاةِ . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا عَنَى اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - بِقَوْلِهِ : إِنْ تُبْدُوَا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ إِنْ تُبْدُوَا الصَّدَقَاتِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى فَنِعِمَّا هِيَ ، وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا فُقَرَاءَهُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ . قَالُوا : وَأَمَّا مَا أَعْطَى فُقَرَاءَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ زَكَاةٍ وَصَدَقَةِ تَطَوُّعٍ فَإِخْفَاؤُهُ أَفْضَلُ مِنْ عَلَانِيَتِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6199 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شُرَيْحٍ ، أَنَّهُ سَمِعَ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ يَقُولُ : إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى . 6200 - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَنَفِيُّ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ قَالَ : كَانَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ يَأْمُرُ بِقَسْمِ الزَّكَاةِ فِي السِّرِّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : أُحِبُّ أَنْ تُعْطَى فِي الْعَلَانِيَةِ يَعْنِي الزَّكَاةَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَمْ يُخَصِّصِ اللَّهُ مِنْ قَوْلِهِ : إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ [ شَيْئًا دُونَ شَيْءٍ ] ، فَذَلِكَ عَلَى الْعُمُومِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ زَكَاةٍ وَاجِبَةٍ ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ مِنَ الْفَرَائِضِ قَدْ أَجْمَعَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ الْفَضْلَ فِي إِعْلَانِهِ وَإِظْهَارِهِ سِوَى الزَّكَاةِ الَّتِي ذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهَا مَعَ إِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ ، فَحُكْمُهَا فِي أَنَّ الْفَضْلَ فِي أَدَائِهَا عَلَانِيَةً ، حُكْمُ سَائِرِ الْفَرَائِضِ غَيْرِهَا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ . فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهُ : وَتُكَفِّرُ عَنْكُمْ بِالتَّاءِ . وَمَنْ قَرَأَهُ كَذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : وَتُكَفِّرُ الصَّدَقَاتُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ .
وَقَرَأَ آخَرُونَ : وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ بِالْيَاءِ ، بِمَعْنَى : وَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنْكُمْ بِصَدَقَاتِكُمْ - عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْآيَةِ - مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْدُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ ، وَنُكَفِّرْ عَنْكُمْ بِالنُّونِ وَجَزْمِ الْحَرْفِ ، يَعْنِي : وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ بِمَعْنَى : مُجَازَاةُ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - مُخْفِي الصَّدَقَةِ بِتَكْفِيرِ بَعْضِ سَيِّئَاتِهِ بِصَدَقَتِهِ الَّتِي أَخْفَاهَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقِرَاءَاتِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : وَنُكَفِّرْ عَنْكُمْ بِالنُّونِ وَجَزْمِ الْحَرْفِ ، عَلَى مَعْنَى الْخَبَرِ مِنَ اللَّهِ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ يُجَازِي الْمُخْفِي صَدَقَتَهُ مِنَ التَّطَوُّعِ ابْتِغَاءَ وَجْهِهِ مِنْ صَدَقَتِهِ بِتَكْفِيرِ سَيِّئَاتِهِ .
وَإِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ فَهُوَ مَجْزُومٌ عَلَى مَوْضِعِ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ : فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ؛ لِأَنَّ الْفَاءَ هُنَالِكَ حَلَّتْ مَحَلَّ جَوَابِ الْجَزَاءِ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ : وَكَيْفَ اخْتَرْتَ الْجَزْمَ عَلَى النَّسَقِ عَلَى مَوْضِعِ الْفَاءِ وَتَرَكْتَ اخْتِيَارَ نَسَقِهِ عَلَى مَا بَعْدَ الْفَاءِ ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْأَفْصَحَ مِنَ الْكَلَامِ فِي النَّسَقِ عَلَى جَوَابِ الْجَزَاءِ الرَّفْعُ ، وَإِنَّمَا الْجَزْمُ تَجْوِيزُهُ ؟ . قِيلَ : اخْتَرْنَا ذَلِكَ لِيُؤْذِنَ بِجَزْمِهِ أَنَّ التَّكْفِيرَ - أَعْنِي تَكْفِيرَ اللَّهِ مِنْ سَيِّئَاتِ الْمُصَّدِّقِ لَا مَحَالَةَ دَاخِلٌ فِيمَا وَعَدَ اللَّهُ الْمُصَّدِّقَ أَنْ يُجَازِيَهُ بِهِ عَلَى صَدَقَتِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِذَا جُزِمَ مُؤْذِنٌ بِمَا قُلْنَا لَا مَحَالَةَ ، وَلَوْ رُفِعَ كَانَ قَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِيمَا وَعَدَهُ اللَّهُ أَنْ يُجَازِيَهُ بِهِ ، وَأَنْ يَكُونَ خَبَرًا مُسْتَأْنَفًا أَنَّهُ يُكَفِّرُ مِنْ سَيِّئَاتِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ ، عَلَى غَيْرِ الْمُجَازَاةِ لَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى صَدَقَاتِهِمْ ؛ لِأَنَّ مَا بَعْدَ الْفَاءِ فِي جَوَابِ الْجَزَاءِ اسْتِئْنَافٌ ، فَالْمَعْطُوفُ عَلَى الْخَبَرِ الْمُسْتَأْنَفِ فِي حُكْمِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ فِي أَنَّهُ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْجَزَاءِ ، وَلِذَلِكَ مِنَ الْعِلَّةِ ، اخْتَرْنَا جَزْمَ نُكَفِّرْ عَطْفًا بِهِ عَلَى مَوْضِعِ الْفَاءِ مِنْ قَوْلِهِ : فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَقِرَاءَتَهُ بِالنُّونِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا وَجْهُ دُخُولِ مِنْ فِي قَوْلِهِ : وَنُكَفِّرْ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ قِيلَ : وَجْهُ دُخُولِهَا فِي ذَلِكَ بِمَعْنَى : وَنُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ مَا نَشَاءُ تَكْفِيرَهُ مِنْهَا دُونَ جَمِيعِهَا ؛ لِيَكُونَ الْعِبَادُ عَلَى وَجَلٍ مِنَ اللَّهِ فَلَا يَتَّكِلُوا عَلَى وَعْدِهِ مَا وَعَدَ عَلَى الصَّدَقَاتِ الَّتِي يُخْفِيهَا الْمُتَصَدِّقُ فَيَجْتَرِئُوا عَلَى حُدُودِهِ وَمَعَاصِيهِ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْبَصْرَةِ : مَعْنَى مِنْ الْإِسْقَاطُ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَيَتَأَوَّلُ مَعْنَى ذَلِكَ : وَنُكَفِّرُ عَنْكُمْ سَيِّئَاتكُمْ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 271 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ فِي صَدَقَاتِكُمْ - مِنْ إِخْفَائِهَا ، وَإِعْلَانٍ وَإِسْرَارٍ بِهَا وَجِهَارٍ ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ - خَبِيرٌ يَعْنِي بِذَلِكَ ذُو خِبْرَةٍ وَعِلْمٍ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، فَهُوَ بِجَمِيعِهِ مُحِيطٌ ، وَلِكُلِّهِ مُحْصٍ عَلَى أَهْلِهِ ، حَتَّى يُوَفِّيَهُمْ ثَوَابَ جَمِيعِهِ ، وَجَزَاءَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ .