الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ . فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ : فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى التَّأْنِيثِ بِالتَّاءِ ، يُرَادُ بِهَا : جَمْعُ الْمَلَائِكَةِ . وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ فِي جَمَاعَةِ الذُّكُورِ إِذَا تَقَدَّمَتْ أَفْعَالُهَا ، أَنَّثَتْ أَفْعَالَهَا ، وَلَا سِيَّمَا الْأَسْمَاءَ الَّتِي فِي أَلْفَاظِهَا التَّأْنِيثُ ، كَقَوْلِهِمْ : جَاءَتِ الطَّلَحَاتُ .
وَقَدْ قَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ بِالْيَاءِ ، بِمَعْنَى فَنَادَاهُ جِبْرِيلُ ، فَذَكَّرُوهُ لِلتَّأْوِيلِ ، كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا آنِفًا أَنَّهُمْ يُؤَنِّثُونَ فِعْلَ الذَكَرِ لِلَّفْظِ ، فَكَذَلِكَ يُذَكِّرُونَ فِعْلَ الْمُؤَنَّثِ أَيْضًا لِلَّفْظِ . وَاعْتَبَرُوا ذَلِكَ فِيمَا أَرَى بِقِرَاءَةٍ يُذْكَرُ أَنَّهَا قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَهُوَ مَا : - 6945 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَجَّاجِ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَمَّادٍ ، أَنَّ قِرَاءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ : ( فَنَادَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ ) . وَكَذَلِكَ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ : فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مِنْ قَالَ ذَلِكَ : 6946 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ جِبْرِيلُ أَوْ : قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ ، وَهُوَ جِبْرِيلُ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ جَازَ أَنْ يُقَالَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ : فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَ الْمَلَائِكَةُ جَمْعٌ لَا وَاحِدٌ ؟ قِيلَ : ذَلِكَ جَائِزٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، بِأَنْ تُخْبِرَ عَنِ الْوَاحِدِ بِمَذْهَبِ الْجَمْعِ ، كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ : خَرَجَ فُلَانٌ عَلَى بِغَالِ الْبُرُدِ وَإِنَّمَا رَكِبَ بَغْلًا وَاحِدًا وَرَكْبِ السُّفُنَ وَإِنَّمَا رَكِبَ سَفِينَةً وَاحِدَةً . وَكَمَا يُقَالُ : مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا الْخَبَرَ ؟ فَيُقَالُ : مِنَ النَّاسِ وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ .
وَقَدْ قِيلَ إِنَّ مِنْهُ قَوْلَهُ : الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 173 ] ، وَالْقَائِلُ كَانَ فِيمَا كَانَ ذُكِرَ - وَاحِدًا وَقَوْلُهُ : وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ [ سُورَةُ الرُّومِ : 33 ] ، وَالنَّاسُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . وَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَهُمْ فِيمَا لَمْ يُقْصَدْ فِيهِ قَصْدٌ وَاحِدٌ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا الصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدِي فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ ، أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ أَعْنِي التَّاءَ وَ الْيَاءِ فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ .
وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْقِرَاءَتَيْنِ ، وَهُمَا جَمِيعًا فَصِيحَتَانِ عِنْدَ الْعَرَبِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ إِنْ كَانَ مُرَادًا بِهَا جِبْرِيلُ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، فَإِنَّ التَّأْنِيثَ فِي فِعْلِهَا فَصِيحٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لِلَفْظِهَا ، إِنْ تَقَدَّمَهَا الْفِعْلُ . وَجَائِزٌ فِيهِ التَّذْكِيرُ لِمَعْنَاهَا . وَإِنْ كَانَ مُرَادًا بِهَا جَمْعُ الْمَلَائِكَةِ فَجَائِزٌ فِي فِعْلِهَا التَّأْنِيثُ ، وَهُوَ مِنْ قَبْلِهَا ، لِلَفْظِهَا .
وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ إِذَا قَدَّمَتْ عَلَى الْكَثِيرِ مِنَ الْجَمَاعَةِ فِعْلَهَا ، أَنَّثَتْهُ ، فَقَالَتْ : قَالَتِ النِّسَاءُ . وَجَائِزٌ التَّذْكِيرُ فِي فِعْلِهَا ، بِنَاءً عَلَى الْوَاحِدِ ، إِذَا تَقَدَّمَ فِعْلُهُ ، فَيُقَالُ : قَالَ الرِّجَالُ . وَأَمَّا الصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِهِ ، فَأَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - أَخْبَرَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ نَادَتْهُ .
وَالظَّاهِرُ مِنْ ذَلِكَ ، أَنَّهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ دُونَ الْوَاحِدِ ، وَجِبْرِيلُ وَاحِدٌ . وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ تَأْوِيلُ الْقُرْآنِ إِلَّا عَلَى الْأَظْهَرِ الْأَكْثَرِ مِنَ الْكَلَامِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي أَلْسُنِ الْعَرَبِ ، دُونَ الْأَقَلِّ مَا وُجِدَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ . وَلَمْ تَضْطَّرُّنَا حَاجَةٌ إِلَى صَرْفِ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، فَيُحْتَاجُ لَهُ إِلَى طَلَبِ الْمَخْرَجِ بِالْخَفِيِّ مِنَ الْكَلَامِ وَالْمَعَانِي .
وَبِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مِنْهُمْ : قَتَادَةُ ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَجَمَاعَةٌ غَيْرُهُمْ . وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : وَهُوَ قَائِمٌ : فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ فِي حَالِ قِيَامِهِ مُصَلِّيًا .
فَقَوْلُهُ : وَهُوَ قَائِمٌ خَبَرٌ عَنْ وَقْتِ نِدَاءِ الْمَلَائِكَةِ زَكَرِيَّا . وَقَوْلُهُ : يُصَلِّي فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ مِنَ الْقِيَامِ وَهُوَ رَفْعٌ بِالْيَاءِ . وَأَمَّا الْمِحْرَابُ فَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَاهُ ، وَأَنَّهُ مُقَدَّمُ الْمَسْجِدِ .
وَاخْتَلَفَتِ الَقْرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ . فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ الَقْرَأَةِ : ( أَنَّ اللَّهَ ) بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ أَنَّ بِوُقُوعِ النِّدَاءِ عَلَيْهَا ، بِمَعْنَى : فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ . وَقَرَأَهُ بَعْضُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ : إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَسْرِ الْأَلِفِ بِمَعْنَى : قَالَتِ الْمَلَائِكَةِ : إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ ، لِأَنَّ النِّدَاءَ قَوْلٌ .
وَذَكَرُوا أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : ( فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ يَا زَكَرِيَّا إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ ) قَالُوا : وَإِذَا بَطَلَ النِّدَاءُ أَنْ يَكُونَ عَامِلًا فِي قَوْلِهِ : يَا زَكَرِيَّا فَبَاطِلٌ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ عَامِلًا فِي إِنَّ . وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا : أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِفَتْحِ أَنَّ بِوُقُوعِ النِّدَاءِ عَلَيْهِ ، بِمَعْنَى : فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ . وَلَيْسَتِ الْعِلَّةُ الَّتِي اعْتَلَّ بِهَا الْقَارِئُونَ بِكَسْرِ إِنَّ مِنْ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ ، فَقَرَأُوهَا كَذَلِكَ [ لَهُمْ بِعِلَّةٍ ] وَذَلِكَ أَنْ عَبْدَ اللَّهِ إِنْ كَانَ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّمَا قَرَأَهَا بِزَعْمِهِمْ ، وَقَدِ اعْتُرِضَ بِنِدَاءِ زَكَرِيَّا بَيْنَ إِنَّ وَبَيْنَ قَوْلِهِ : فَنَادَتْهُ وَإِذَا اعْتُرِضَ بِهِ بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تُعْمِلُ حِينَئِذٍ النِّدَاءَ فِي أَنَّ وَتُبْطِلُهُ عَنْهَا .
أَمَّا الْإِبْطَالُ ، فَلِأَنَّهُ بَطَلَ عَنِ الْعَمَلِ فِي الْمُنَادَى قَبْلَهُ ، فَأَسْلَكُوا الَّذِي بَعْدَهُ مَسْلَكَهُ فِي بُطُولِ عَمَلِهِ . وَأَمَّا الْإِعْمَالُ ، فَلِأَنَّ النِّدَاءَ فِعْلٌ وَاقِعٌ . كَسَائِرِ الْأَفْعَالِ .
وَأَمَّا قِرَاءَتُنَا ، فَلَيْسَ نِدَاءُ زَكَرِيَّا بِ يَا زَكَرِيَّا مُعْتَرَضًا بِهِ بَيْنَ أَنْ وَبَيْنَ قَوْلِهِ : فَنَادَتْهُ . وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بَيْنَهُمَا ، فَالْكَلَامُ الْفَصِيحُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ إِذَا نَصَبَتْ بِقَوْلِ : نَادَيْتُ اسْمَ الْمُنَادَى وَأَوْقَعُوهُ عَلَيْهِ ، أَنْ يُوقِعُوهُ كَذَلِكَ عَلَى أَنَّ بَعْدَهُ . وَإِنْ كَانَ جَائِزًا إِبْطَالُ عَمَلِهِ ، فَقَوْلُهُ : نَادَتْهُ قَدْ وَقَعَ عَلَى مَكْنِيِّ زَكَرِيَّا فَكَذَلِكَ الصَّوَابُ أَنْ يَكُونَ وَاقِعًا عَلَى أَنْ وَعَامِلًا فِيهَا .
مَعَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْقِرَاءَةُ الْمُسْتَفِيضَةُ فِي قِرَاءَةِ أَمْصَارِ الْإِسْلَامِ . وَلَا يُعْتَرَضُ بِالشَّاذِّ عَلَى الْجَمَاعَةِ الَّتِي تَجِيءُ مَجِيءَ الْحُجَّةِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : يُبَشِّرُكَ فَإِنَّ الْقَرَأَةَ اخْتَلَفَتْ فِي قِرَاءَتِهِ .
فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ : أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِتَشْدِيدِ الشِّينِ وَضَمِّ الْيَاءِ عَلَى وَجْهِ تَبْشِيرِ اللَّهِ زَكَرِيَّا بِالْوَلَدِ ، مِنْ قَوْلِ النَّاسِ : بَشَّرَتْ فُلَانًا الْبُشَرَاءُ بِكَذَا وَكَذَا أَيْ : أَتَتْهُ بِشَارَاتُ الْبُشَرَاءِ بِذَلِكَ . وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ قَرَأَةِ الْكُوفَةِ وَغَيْرِهِمْ : أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ ، بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الشِّينِ وَتَخْفِيفِهَا ، بِمَعْنَى : أَنَّ اللَّهَ يَسُرُّكَ بِوَلَدٍ يَهَبُهُ لَكَ ، مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ : بَشِرَتْ عِيَالِي إِذْ رَأَيْتُ صَحِيفَةً أَتَتْكَ مِنَ الْحَجَّاجِ يُتْلَى كِتَابُهَا وَقَدْ قِيلَ : إِنْ بَشَّرْتُ لُغَةُ أَهْلِ تِهَامَةَ مِنْ كِنَانَةَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ : بَشَّرْتُ فُلَانًا بِكَذَا ، فَأَنَا أَبَشِّرُهُ بِشْرًا وَ هَلْ أَنْتَ بَاشِرٌ بِكَذَا ؟ وَيُنْشَدُ لَهُمُ الْبَيْتُ فِي ذَلِكَ : وَإِذَا رَأَيْتَ الْبَاهِشِينَ إلَى الْعُلَى غُبْرًا أَكُفُّهُمُ بِقَاعٍ مُمْحِلِ فَأَعِنْهُمُ ، وَابْشِرْ بِمَا بَشِرُوا بِهِ ، وَإِذَا هُمُ نَزَلُوا بِضَنْكٍ فَانْزِلِ فَإِذَا صَارُوا إِلَى الْأَمْرِ ، فَالْكَلَامُ الصَّحِيحُ مِنْ كَلَامِهِمْ بِلَا أَلْفٍ فَيُقَالُ : ابْشَرْ فُلَانًا بِكَذَا وَلَا يَكَادُونَ يَقُولُونَ : بَشِّرْهُ بِكَذَا ، وَلَا أَبْشِرْهُ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ : ( يُبَشِّرُكَ ) ، بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الشِّينِ وَتَخْفِيفِهَا .
وَقَدْ : - 6947 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَمَّادٍ ، عَنْ مُعَاذٍ الْكُوفِيِّ قَالَ : مَنْ قَرَأَ : ( يُبَشِّرُهُمْ ) مُثْقَّلَةً ، فَإِنَّهُ مِنَ الْبِشَارَةِ ، وَمَنْ قَرَأَ : ( يَبْشُرُهُمْ ) ، مُخَفَّفَةً ، بِنَصْبِ الْيَاءِ فَإِنَّهُ مِنَ السُّرُورِ ، يَسُرُّهُمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي هِيَ الْقِرَاءَةُ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ ، ضَمُّ الْيَاءِ وَتَشْدِيدُ الشِّينِ بِمَعْنَى التَّبْشِيرِ . لِأَنَّ ذَلِكَ هِيَ اللُّغَةُ السَّائِرَةُ وَالْكَلَامُ الْمُسْتَفِيضُ الْمَعْرُوفُ فِي النَّاسِ ، مَعَ أَنَّ جَمِيعَ قَرَأَةِ الْأَمْصَارِ مُجْمِعُونَ فِي قِرَاءَةِ : فَبِمَ تُبَشِّرُونَ [ سُورَةُ الْحِجْرِ : 54 ] ، عَلَى التَّشْدِيدِ .
وَالصَّوَابُ فِي سَائِرٍ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ نَظَائِرِهِ ، أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ فِي التَّشْدِيدِ وَضَمِّ الْيَاءِ . وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ الْكُوفِيِّ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ مَعْنَى التَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيدِ فِي ذَلِكَ ، فَلَمْ نَجِدْ أَهْلَ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ يَعْرِفُونَهُ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ ، فَلَا مَعْنَى لِمَا حُكِيَ مِنْ ذَلِكَ عَنْهُ ، وَقَدْ قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَطِيَّةَ : يَا بِشْرُ حُقَّ لِوَجْهِكَ التَّبْشِيرُ هَلَّا غَضِبْتَ لَنَا ؟ وَأَنْتَ أَمِيرُ ! فَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ التَّبْشِيرُ الْجَمَالَ وَالنَّضَارَةَ وَالسُّرُورَ ، فَقَالَ التَّبْشِيرُ وَلَمْ يَقِلِ الْبِشْرَ فَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى التَّخْفِيفِ وَالتَّثْقِيلِ فِي ذَلِكَ وَاحِدٌ . 6948 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى قَالَ : بَشَّرَتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِذَلِكَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : بِيَحْيَى فَإِنَّهُ اسْمٌ ، أَصْلُهُ يَفْعَلُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : حَيِيَ فُلَانٌ فَهُوَ يَحْيَى وَذَلِكَ إِذَا عَاشَ . فَيَحْيَى يَفْعَلُ مِنْ قَوْلِهِمْ حَيِيَ . وَقِيلَ : إِنَّ اللَّهَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - سَمَّاهُ بِذَلِكَ ، لِأَنَّهُ يَتَأَوَّلُ اسْمَهُ : أَحْيَاهُ بِالْإِيمَانِ .
ذِكْرُ مِنْ قَالَ ذَلِكَ : 6949 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى يَقُولُ : عَبْدٌ أَحْيَاهُ اللَّهُ بِالْإِيمَانِ . 6950 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى قَالَ : إِنَّمَا سُمِّي يَحْيَى ، لِأَنَّ اللَّهَ أَحْيَاهُ بِالْإِيمَانِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ يَا زَكَرِيَّا بِيَحْيَى ابْنًا لَكَ ، مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ يَعْنِي : بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ .
وَنُصِبَ قَوْلُهُ : مُصَدِّقًا عَلَى الْقَطْعِ مِنْ يَحْيَى لِأَنَّ مُصَدِّقًا نَعْتٌ لَهُ ، وَهُوَ نَكِرَةٌ ، وَ يَحْيَى غَيْرُ نَكِرَةٍ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مِنْ قَالَ ذَلِكَ : 6951 - حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ الطُّفَاوِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ عَرَبِيٍّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : قَالَتِ امْرَأَةُ زَكَرِيَّا لِمَرْيَمَ : إِنِّي أَجِدُ الَّذِي فِي بَطْنِي يَتَحَرَّكُ لِلَّذِي فِي بَطْنِكَ ! قَالَ : فَوَضَعَتِ امْرَأَةُ زَكَرِيَّا يَحْيَى ، وَمَرْيَمُ عِيسَى ، وَلِذَا قَالَ : مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ قَالَ : يَحْيَى مُصَدِّقٌ بِعِيسَى .
6961 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ قَالَ : عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، هُوَ الْكَلِمَةُ مِنَ اللَّهِ ، اسْمُهُ الْمَسِيحُ . 6962 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : أَخْبَرَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : قَوْلُهُ : مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ قَالَ : كَانَ عِيسَى وَيَحْيَى ابْنَيْ خَالَةٍ ، وَكَانَتْ أُمُّ يَحْيَى تَقُولُ لِمَرْيَمَ : إِنِّي أَجِدُ الَّذِي فِي بَطْنِي يَسْجُدُ لِلَّذِي فِي بَطْنِكَ ! فَذَلِكَ تَصْدِيقُهُ بِعِيسَى : سُجُودُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ . وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ صَدَّقَ بِعِيسَى وَكَلِمَةِ عِيسَى ، وَيَحْيَى أَكْبَرُ مِنْ عِيسَى .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِلُغَاتِ الْعَرَبِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ، أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ بِكِتَابٍ مِنَ اللَّهِ ، مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ : أَنْشَدَنِي فُلَانٌ كَلِمَةَ كَذَا يُرَادُ بِهِ : قَصِيدَةُ كَذَا جَهْلًا مِنْهُ بِتَأْوِيلِ الْكَلِمَةِ وَاجْتِرَاءً عَلَى تَرْجَمَةِ الْقُرْآنِ بِرَأْيهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَسَيِّدًا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَسَيِّدًا وَشَرِيفًا فِي الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ . وَنُصِبَ السَّيِّدِ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ : مُصَدِّقًا .
وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِهَذَا ، وَسَيِّدًا . وَالسَّيِّدُ الْفَيْعِلُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : سَادَ يَسُودُ كَمَا : - 6966 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَسَيِّدًا إِيْ وَاللَّهِ ، لَسَيِّدٌ فِي الْعِبَادَةِ وَالْحِلْمِ وَالْعِلْمِ وَالْوَرَعِ . 6967 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو هِلَالٍ قَالَ : حَدَّثَنَا قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ : وَسَيِّدًا قَالَ : السَّيِّدُ ، لَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ : فِي الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ ( 39 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ : مُمْتَنِعًا مِنْ جِمَاعِ النِّسَاءِ ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : حَصِرْتُ مِنْ كَذَا أَحْصَرُ إِذَا امْتَنَعَ مِنْهُ . وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : حَصِرَ فُلَانٌ فِي قِرَاءَتِهِ إِذَا امْتَنَعَ مِنَ الْقِرَاءَةِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا . وَكَذَلِكَ حَصْرُ الْعَدُوِّ حَبْسُهُمُ النَّاسَ وَمَنْعُهُمْ إِيَّاهُمُ التَّصَرُّفَ ، وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلَّذِي لَا يُخْرِجُ مَعَ نُدَمَائِهِ شَيْئًا ، حَصُورٌ كَمَا قَالَ الْأَخْطَلُ : وَشَارِبٍ مُرْبِحٍ بِالْكَأْسِ نَادَمَنِي لَا بِالَحصُورِ وَلَا فِيهَا بِسَوَّارِ وَيُرْوَى : بِسَآرِ .
وَيُقَالُ أَيْضًا لِلَّذِي لَا يُخْرِجُ سِرَّهُ وَيَكْتُمُهُ حَصُورٌ لِأَنَّهُ يَمْنَعُ سِرَّهُ أَنْ يَظْهَرَ ، كَمَا قَالَ جَرِيرٌ : وَلَقَدْ تَسَاقَطَنِي الْوُشَاةُ ، فَصَادَفُوا حَصِرًا بِسِرِّكِ يَا أُمَيْمُ ضَنِينَا وَأَصْلُ جَمِيعِ ذَلِكَ وَاحِدٌ ، وَهُوَ الْمَنْعُ وَالْحَبْسُ . وَبِمَثَلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6980 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ خَلَفٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرٍّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ : وَسَيِّدًا وَحَصُورًا قَالَ : الْحَصُورُ ، الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ .
6981 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ الْعَاصِ : أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : كُلُّ بَنِي آدَمَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَهُ ذَنْبٌ ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا . قَالَ : ثُمَّ دَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدَهُ إِلَى الْأَرْضِ ، فَأَخَذَ عُوَيْدًا صَغِيرًا ، ثُمَّ قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا لِلرِّجَالِ إِلَّا مِثْلُ هَذَا الْعُودِ ، وَبِذَلِكَ سَمَّاهُ اللَّه سَيِّدًا وَحَصُورًا . 6982 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ : لَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا يَلْقَى اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذَا ذَنْبٍ إِلَّا يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا ، كَانَ حَصُورًا ، مَعَهُ مِثْلُ الْهُدْبَةِ .
6983 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْقُرَشِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ : قَالَ ابْنُ الْعَاصِ - إِمَّا عَبْدُ اللَّهِ ، وَإِمَّا أَبُوهُ - : مَا أَحَدٌ يَلْقَى اللَّهَ إِلَّا وَهُوَ ذُو ذَنْبٍ ، إِلَّا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا . قَالَ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : وَسَيِّدًا وَحَصُورًا قَالَ : الْحَصُورُ ، الَّذِي لَا يَغْشَى النِّسَاءَ ، وَلَمْ يَكُنْ مَا مَعَهُ إِلَّا مَثَلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ . 6984 - حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو السُّكُونِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ فِي قَوْلِهِ : وَحَصُورًا قَالَ : الْحَصُورُ الَّذِي لَا يَشْتَهِي النِّسَاءَ .
ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى الْأَرْضِ فَأَخَذَ نَوَاةً فَقَالَ : مَا كَانَ مَعَهُ إِلَّا مَثَلُ هَذِهِ . 6985 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : الْحَصُورُ ، الَّذِي لَا يَأْتِي النِّسَاءَ . 6986 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ سَعِيدٍ مِثْلَهُ .
6999 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَحَصُورًا قَالَ : الْحَصُورُ ، الَّذِي لَا يُرِيدُ النِّسَاءَ . 7000 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، عَنْ عَبَّادٍ ، عَنِ الْحَسَنِ : وَحَصُورًا قَالَ : لَا يَقْرَبُ النِّسَاءَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ فَإِنَّهُ يَعْنِي : رَسُولًا لِرَبِّهِ إِلَى قَوْمِهِ ، يُنْبِئُهُمْ عَنْهُ بِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ، وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ ، وَيُبَلِّغُهُمْ عَنْهُ مَا أَرْسَلَهُ بِهِ إِلَيْهِمْ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : مِنَ الصَّالِحِينَ مِنْ أَنْبِيَائِهِ الصَّالِحِينَ . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى النُّبُوَّةِ وَمَا أَصْلُهَا ، بِشَوَاهِدِ ذَلِكَ وَالْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي أَنَّ زَكَرِيَّا قَالَ إِذْ نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ : أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ ؟ يَعْنِي : مَنْ بَلَغَ مِنَ السَّنِّ مَا بَلَغْتُ لَمْ يُولَدْ لَهُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ .
وَالْعَاقِرُ مِنَ النِّسَاءِ الَّتِي لَا تَلِدُ . يُقَالُ مِنْهُ : امْرَأَةٌ عَاقِرٌ ، وَرَجُلٌ عَاقِرٌ كَمَا قَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ : لَبِئْسَ الْفَتَى ! إِنْ كُنْتُ أَعْوَرَ عَاقِرًا جَبَانًا ، فَمَا عُذْرِي لَدَى كُلِّ مَحْضَرِ ! ! وَأَمَّا الْكِبَرُ فَمَصْدَرُ : كَبِرَ فَهُوَ يَكْبَرُ كِبَرًا . وَقِيلَ : بَلَغَنِي الْكِبَرُ وَقَدْ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ [ سُورَةُ مَرْيَمَ : 8 ] ، لِأَنَّ مَا بَلَغَكَ فَقَدْ بَلَغْتَهُ .
وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : قَدْ كَبُرْتُ ، وَهُوَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ : قَدْ بَلَغَنِيَ الْجَهْدُ بِمَعْنَى : أَنِّي فِي جَهْدٍ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ قَالَ زَكَرِيَّا وَهُوَ نَبِيُّ اللَّهِ : رَبِّ أَنِّي يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ وَقَدْ بَشَّرَتْهُ الْمَلَائِكَةُ بِمَا بَشَّرَتْهُ بِهِ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ إِيَّاهَا بِهِ ؟ أَشُكَّ فِي صِدْقِهِمْ ؟ فَذَلِكَ مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُوصَفَ بِهِ أَهْلُ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ ! فَكَيْفَ الْأَنْبِيَاءُ وَالْمُرْسَلُونَ ؟ أَمْ كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ اسْتِنْكَارًا لِقُدْرَةِ رَبِّهِ ؟ فَذَلِكَ أَعْظَمُ فِي الْبَلِيَّةِ ! قِيلَ : كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى غَيْرِ مَا ظَنَنْتَ ، بَلْ كَانَ قِيلُهُ مَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ ، كَمَا : - 7001 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : لَمَّا سَمِعَ النِّدَاءَ - يَعْنِي زَكَرِيَّا ، لَمَّا سَمِعَ نِدَاءَ الْمَلَائِكَةِ بِالْبِشَارَةِ بِيَحْيَى - جَاءَهُ الشَّيْطَانُ فَقَالَ لَهُ : يَا زَكَرِيَّا ، إِنَّ الصَّوْتَ الَّذِي سَمِعْتَ لَيْسَ هُوَ مِنَ اللَّهِ ، إِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ يَسْخَرُ بِكَ ! وَلَوْ كَانَ مِنَ اللَّهِ أَوْحَاهُ إِلَيْكَ كَمَا يُوحِي إِلَيْكَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَمْرِ ! فَشَكَّ مَكَانَهُ ، وَقَالَ : أنَّي يَكُونُ لِي غُلَامٌ ذَكَرٌ ؟ يَقُولُ : مِنْ أَيْنَ ؟ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ . 7002 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ فَأَرَادَ أَنْ يُكَدِّرَ عَلَيْهِ نِعْمَةَ رَبِّهِ فَقَالَ : هَلْ تَدْرِي مَنْ نَادَاكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ! نَادَتْنِي مَلَائِكَةُ رَبِّي ! قَالَ : بَلْ ذَلِكَ الشَّيْطَانُ ! لَوْ كَانَ هَذَا مِنْ رَبِّكَ لَأَخْفَاهُ إِلَيْكَ كَمَا أَخْفَيْتَ نِدَاءَكَ ! فَقَالَ : رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً .
فَكَانَ قَوْلُهُ مَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ ، وَمُرَاجَعَتُهُ رَبَّهُ فِيمَا رَاجَعَ فِيهِ بِقَوْلِهِ : أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ لِلْوَسْوَسَةِ الَّتِي خَالَطَتْ قَلْبَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ حَتَّى خَيَّلَتْ إِلَيْهِ أَنَّ النِّدَاءَ الَّذِي سَمِعَهُ كَانَ نِدَاءً مِنْ غَيْرِ الْمَلَائِكَةِ ، فَقَالَ : رَبِّ أنَّي يَكُونُ لِي غُلَامٌ مُسْتَثْبِتًا فِي أَمْرِهِ ، لِيَتَقَرَّرَ عِنْدَهُ بِآيَةٍ يُرِيهَا اللَّهُ فِي ذَلِكَ - أَنَّهُ بِشَارَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى أَلْسُنِ مَلَائِكَتِهِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ : رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قِيلُهُ ذَلِكَ ، مَسْأَلَةً مِنْهُ رَبَّهُ : مَنْ أَيِّ وَجْهٍ يَكُونُ الْوَلَدُ الَّذِي بُشِّرَ بِهِ ؟ أَمِنَ زَوْجَتِهِ ؟ فَهِيَ عَاقِرٌ - أَمْ مَنْ غَيْرِهَا مِنَ النِّسَاءِ ؟ فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي قَالَهُ عِكْرِمَةُ وَالسُّدِّيُّ وَمَنْ قَالَ مِثْلَ قَوْلِهِمَا .