الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ فَإِنَّ مَعْنَاهُ : إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، وَجِيهًا عِنْدَ اللَّهِ ، وَمُكَلِّمًا النَّاسَ فِي الْمَهْدِ . فَ يُكَلِّمُ وَإِنْ كَانَ مَرْفُوعًا ، لِأَنَّهُ فِي صُورَةِ يُفْعِّلُ بِالسَّلَامَةِ مِنَ الْعَوَامِلِ فِيهِ ، فَإِنَّهُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِ الشَّاعِرِ : بِتُّ أُعَشِّيهَا بِعَضْبٍ بَاتِرِ يَقْصِدُ فِي أَسْوُقِهَا وَجَائِرِ وَأَمَّا الْمَهْدُ فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : مَضْجَعُ الصَّبِيِّ فِي رَضَاعِهِ ، كَمَا : - 7071 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ قَالَ : مَضْجَعُ الصَّبِيِّ فِي رَضَاعِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَكَهْلًا فَإِنَّهُ : وَمُحْتَنِكًا فَوْقَ الْغُلُومَةِ ، وَدُونَ الشَّيْخُوخَةِ ، يُقَالُ مِنْهُ : رَجُلٌ كَهْلٌ وَامْرَأَةٌ كَهْلَةٌ كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ : وَلَا أَعُودُ بَعْدَهَا كَرِيَّا أُمَارِسُ الْكَهْلَةَ وَالصَّبِيَّا وَإِنَّمَا عَنَى - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ : وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَيُكَلِّمُ النَّاسَ طِفْلًا فِي الْمَهْدِ دَلَالَةٌ عَلَى بَرَاءَةِ أُمِّهِ مِمَّا قَرَفَهَا بِهِ الْمُفْتَرُونَ عَلَيْهَا ، وَحَجَّةٌ لَهُ عَلَى نُبُوَّتِهِ وَبَالِغًا كَبِيرًا بَعْدَ احْتِنَاكِهِ ، بِوَحْيِ اللَّهِ الَّذِي يُوحِيهِ إِلَيْهِ ، وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ، وَمَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابِهِ .
وَإِنَّمَا أَخْبَرَ اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - عِبَادَهُ بِذَلِكَ مِنْ أَمْرِ الْمَسِيحِ ، وَأَنَّهُ كَذَلِكَ كَانَ ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ أَنَّهُمْ يَتَكَلَّمُونَ كُهُولًا وَشُيُوخًا احْتِجَاجًا بِهِ عَلَى الْقَائِلِينَ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ مِنَ النَّصَارَى الْبَاطِلَ ، وَأَنَّهُ كَانَ [ مُنْذُ أَنْشَأَهُ ] مَوْلُودًا طِفْلًا ثُمَّ كَهْلًا يَتَقَلَّبُ فِي الْأَحْدَاثِ ، وَيَتَغَيَّرُ بِمُرُورِ الْأَزْمِنَةِ عَلَيْهِ وَالْأَيَّامِ ، مِنْ صِغَرٍ إِلَى كِبَرٍ ، وَمِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ ، كَمَا قَالَ الْمُلْحِدُونَ فِيهِ ، كَانَ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَيْهِ . فَكَذَّبَ بِذَلِكَ مَا قَالَهُ الْوَفْدُ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ الَّذِينَ حَاجُّوا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهِ ، وَاحْتَجَّ بِهِ عَلَيْهِمْ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ كَانَ كَسَائِرِ بَنِي آدَمَ ، إِلَّا مَا خَصَّهُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْكَرَامَةِ الَّتِي أَبَانَهُ بِهَا مِنْهُمْ ، كَمَا : - 7072 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ : ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ : يُخْبِرُهُمْ بِحَالَاتِهِ الَّتِي يَتَقَلَّبُ بِهَا فِي عُمْرِهِ ، كَتَقَلُّبِ بَنِي آدَمَ فِي أَعْمَارِهِمْ صِغَارًا وَكِبَارًا ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ خَصَّهُ بِالْكَلَامِ فِي مَهْدِهِ آيَةً لِنُبُوَّتِهِ ، وَتَعْرِيفًا لِلْعِبَادِ مَوَاقِعَ قُدْرَتِهِ . 7073 - حَدَّثَنَا بَشَرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾ يَقُولُ : يُكَلِّمُهُمْ صَغِيرًا وَكَبِيرًا .
7077 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ ، عَنْ عَبَّادٍ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا قَالَ : كَلَّمَهُمْ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ، وَكَلَّمَهُمْ كَبِيرًا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : وَكَهْلًا ، أَنَّهُ سَيُكَلِّمُهُمْ إِذَا ظَهَرَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7078 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : سَمِعْتُهُ - يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ - يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا قَالَ : قَدْ كَلَّمَهُمْ عِيسَى فِي الْمَهْدِ ، وَسَيُكَلِّمُهُمْ إِذَا قَتَلَ الدَّجَّالَ ، وَهُوَ يَوْمئِذٍ كَهْلٌ .
وَنُصِبَ كَهْلًا عَطْفًا عَلَى مَوْضِعِ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَمِنَ الصَّالِحِينَ فَإِنَّهُ يَعْنِي : مِنْ عِدَادِهِمْ وَأَوْلِيَائِهِمْ ، لِأَنَّ أَهْلَ الصَّلَاحِ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فِي الدِّينِ وَالْفَضْلِ .