الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ . فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْحِجَازِ وَالْمَدِينَةِ وَبَعْضُ قَرَأَةِ الْكُوفِيِّينَ : وَيُعَلِّمُهُ ) بِالْيَاءِ ، رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ : كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَعْلَمُهُ الْكِتَابَ فَأَلْحَقُوا الْخَبَرَ فِي قَوْلِهِ : وَيُعَلِّمُهُ بِنَظِيرِ الْخَبَرِ فِي قَوْلِهِ : يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَقَوْلِهِ : فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْكُوفِيِّينَ وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ : ( وَنُعَلِّمُهُ ) بِالنُّونِ ، عَطْفًا بِهِ عَلَى قَوْلِهِ : نُوحِيهِ إِلَيْكَ كَأَنَّهُ قَالَ : ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَنُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ .
وَقَالُوا : مَا بَعْدَ نُوحِيهِ فِي صِلَتِهِ إِلَى قَوْلِهِ : كُنْ فَيَكُونُ ثُمَّ عَطَفَ بِقَوْلِهِ : وَنُعَلِّمُهُ عَلَيْهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ ، غَيْرُ مُخْتَلِفَتَيِ الْمَعَانِي ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَهُوَ مُصِيبٌ الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ ، لِاتِّفَاقِ مَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ ، فِي أَنَّهُ خَبَرٌ عَنِ اللَّهِ بِأَنَّهُ يُعَلِّمُ عِيسَى الْكِتَابَ ، وَمَا ذَكَرَ أَنَّهُ يُعَلِّمُهُ . وَهَذَا ابْتِدَاءُ خَبَرٍ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ وَجَلَّ - لِمَرْيَمَ مَا هُوَ فَاعِلٌ بِالْوَلَدِ الَّذِي بَشَّرَهَا بِهِ مِنَ الْكَرَامَةِ وَرِفْعَةِ الْمَنْزِلَةِ وَالْفَضِيلَةِ ، فَقَالَ : كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مِنْكِ وَلَدًا ، مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ وَلَا بَعْلٍ ، فَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ ، وَهُوَ الْخَطُّ الَّذِي يَخُطُّهُ بِيَدِهِ وَالْحِكْمَةَ ، وَهِيَ السُّنَّةُ الَّتِي يُوحِيهَا إِلَيْهِ فِي غَيْرِ كِتَابٍ وَالتَّوْرَاةَ ، وَهِيَ التَّوْرَاةُ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى ، كَانَتْ فِيهِمْ مِنْ عَهْدِ مُوسَى وَالْإِنْجِيلَ ، إِنْجِيلُ عِيسَى وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ مَرْيَمَ قَبْلَ خَلْقِ عِيسَى أَنَّهُ مُوحِيهِ إِلَيْهِ .
وَإِنَّمَا أَخْبَرَهَا بِذَلِكَ فَسَمَّاهُ لَهَا ، لِأَنَّهَا قَدْ كَانَتْ عَلِمَتْ فِيمَا نَزَلَ مِنَ الْكُتُبِ أَنَّ اللَّهَ بَاعِثٌ نَبِيًّا ، يُوحَى إِلَيْهِ كِتَابًا اسْمُهُ الْإِنْجِيلُ ، فَأَخْبَرَهَا اللَّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - أَنَّ ذَلِكَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي سَمِعَتْ بِصِفَتِهِ الَّذِي وَعَدَ أَنْبِيَاءَهُ مِنْ قَبْلُ أَنَّهُ مُنَزِّلٌ عَلَيْهِ الْكِتَابَ الَّذِي يُسَمَّى إِنْجِيلًا هُوَ الْوَلَدُ الَّذِي وَهَبَهُ لَهَا وَبَشَّرَهَا بِهِ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7080 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَنُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ قَالَ : بِيَدِهِ .
7084 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : أَخْبَرَهَا - يَعْنِي أَخْبَرَ اللَّهُ مَرْيَمَ - مَا يُرِيدُ بِهِ فَقَالَ : وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ الَّتِي كَانَتْ فِيهِمْ مِنْ عَهْدِ مُوسَى وَالْإِنْجِيلَ كِتَابًا آخَرَ أُحْدِثُهُ إِلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ عِلْمُهُ ، إِلَّا ذِكْرُهُ أَنَّهُ كَائِنٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ .