الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لَيْسُوا سَوَاءً ، لَيْسَ فَرِيقَا أَهْلِ الْكِتَابِ ، أَهْلُ الْإِيمَانِ مِنْهُمْ وَالْكُفْرِ : سَوَاءً . يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّهُمْ غَيْرُ مُتَسَاوِينَ . يَقُولُ : لَيْسُوا مُتَعَادِلِينَ ، وَلَكِنَّهُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي الصَّلَاحِ وَالْفَسَادِ ، وَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ .
وَإِنَّمَا قِيلَ : لَيْسُوا سَوَاءً ، لِأَنَّ فِيهِ ذِكْرُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا اللَّهُ فِي قَوْلِهِ : وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ، ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ حَالِ الْفَرِيقَيْنِ عِنْدَهُ ، الْمُؤْمِنَةِ مِنْهُمَا وَالْكَافِرَةِ فَقَالَ : لَيْسُوا سَوَاءً ، أَيْ : لَيْسَ هَؤُلَاءِ سَوَاءً ، الْمُؤْمِنُونَ مِنْهُمْ وَالْكَافِرُونَ . ثُمَّ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ صِفَةِ الْفِرْقَةِ الْمُؤْمِنَةِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَمَدْحَهُمْ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِمْ ، بَعْدَ مَا وَصَفَ الْفِرْقَةَ الْفَاسِقَةَ مِنْهُمْ بِمَا وَصَفَهَا بِهِ مِنَ الْهَلَعِ ، وَنَخْبِ الْجَنَانِ ، وَمُحَالِفَةِ الذُّلِّ وَالصَّغَارِ ، وَمُلَازِمَةِ الْفَاقَةِ وَالْمَسْكَنَةِ ، وَتَحَمُّلِ خِزْيِ الدُّنْيَا وَفَضِيحَةِ الْآخِرَةِ ، فَقَالَ : مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ، الْآيَاتَ الثَّلَاثَ ، إِلَى قَوْلِهِ : وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ . فَقَوْلُهُ : أُمَّةٌ قَائِمَةٌ مَرْفُوعَةٌ بِقَوْلِهِ : مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ .
وَقَدْ تَوَهَّمَ جَمَاعَةٌ مِنْ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَالْمُقَدَّمِينَ مِنْهُمْ فِي صِنَاعَتِهِمْ : أَنَّ مَا بَعْدَ سَوَاءً فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ قَوْلِهِ : أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ، تَرْجَمَةٌ عَنْ سَوَاءٍ وَتَفْسِيرٌ عَنْهُ ، بِمَعْنَى : لَا يَسْتَوِي مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ . وَزَعَمُوا أَنَّ ذِكْرَ الْفِرْقَةِ الْأُخْرَى ، تُرِكَ اكْتِفَاءً بِذِكْرِ إِحْدَى الْفِرْقَتَيْنِ ، وَهِيَ الْأُمَّةُ الْقَائِمَةُ ، وَمَثَّلُوهُ بِقَوْلِ أَبِي ذُؤَيْبٍ : عَصَيْتُ إِلَيْهَا الْقَلْبَ : إِنِّي لِأَمْرِهَا سَمِيعٌ ، فَمَا أَدْرِي أَرُشْدٌ طِلَابُهَا ؟ وَلَمْ يَقُلْ : أَمْ غَيْرُ رُشْدٍ ، اكْتِفَاءً بِقَوْلِهِ : أَرُشْدٌ مِنْ ذِكْرِ أَمْ غَيْرُ رُشْدٍ ، . وَبُقُولِ الْآخَرِ : أَرَاكَ فَلَا أَدْرِي أَهَمٌّ هَمَمْتُهُ ؟ وَذُو الْهَمِّ قِدْمًا خَاشِعٌ مُتَضَائِلُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ خَطَأٌ قَوْلُ الْقَائِلِ الْمُرِيدِ أَنْ يَقُولَ : سَوَاءٌ أَقُمْتَ أَمْ قَعَدْتَ : سَوَاءٌ أَقُمْتَ ، حَتَّى يَقُولَ : أَمْ قَعَدْتَ .
، وَإِنَّمَا يُجِيزُونَ حَذْفَ الثَّانِي فِيمَا كَانَ مِنَ الْكَلَامِ مُكْتَفِيًا بِوَاحِدٍ ، دُونَ مَا كَانَ نَاقِصًا عَنْ ذَلِكَ ، وَذَلِكَ نَحْو : مَا أُبَالِي أَوْ مَا أَدْرِي ، فَأَجَازُوا فِي ذَلِكَ : مَا أُبَالِي أَقُمْتَ ، وَهُمْ يُرِيدُونَ : مَا أُبَالِي أَقُمْتَ أَمْ قَعَدْتَ ، لِاكْتِفَاءِ مَا أُبَالِي بِوَاحِدٍ وَكَذَلِكَ فِي مَا أَدْرِي . وَأَبَوُا الْإِجَازَةَ فِي سَوَاءً ، مِنْ أَجْلِ نُقْصَانِهِ ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُكْتَفٍ بِوَاحِدٍ ، فَأَغْفَلُوا فِي تَوْجِيهِهِمْ قَوْلَهُ : لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ عَلَى مَا حَكَيْنَا عَنْهُمْ ، إِلَى مَا وَجَّهُوهُ إِلَيْهِ - مَذَاهِبَهُمْ فِي الْعَرَبِيَّةِ إِذْ أَجَازُوا فِيهِ مِنَ الْحَذْفِ مَا هُوَ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَهُمْ فِي الْكَلَامِ مَعَ سَوَاءً ، وَأَخْطَأُوا تَأْوِيلَ الْآيَةِ . فَ سَوَاءً فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَعْنَى التَّمَامِ وَالِاكْتِفَاءِ ، لَا بِالْمَعْنَى الَّذِي تَأَوَّلَهُ مَنْ حَكَيْنَا قَوْلَهُ .
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ قَوْلَهُ : مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ الْآيَاتَ الثَّلَاثَ ، نَزَلَتْ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْيَهُودِ أَسْلَمُوا فَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7644 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ سَعْيَةَ ، وأُسَيْدُ بْنُ سَعْيَةَ ، وَأَسَدُ بْنُ عُبَيْدٍ ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ يَهُودَ مَعَهُمْ ، فَآمَنُوا وَصَدَّقُوا وَرَغِبُوا فِي الْإِسْلَامِ ، وَرَسَخُوا فِيهِ ، قَالَتْ أَحْبَارُ يَهُودَ وَأَهْلُ الْكُفْرِ مِنْهُمْ : مَا آمَنَ بِمُحَمَّدٍ وَلَا تَبِعَهُ إِلَّا أَشْرَارُنَا! وَلَوْ كَانُوا مِنْ خِيَارِنَا مَا تَرَكُوا دِينَ آبَائِهِمْ ، وَذَهَبُوا إِلَى غَيْرِهِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ : لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ : وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ . 7645 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، بِنَحْوِهِ .
7646 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ الْآيَةَ ، يَقُولُ : لَيْسَ كُلُّ الْقَوْمِ هَلَكَ ، قَدْ كَانَ لِلَّهِ فِيهِمْ بَقِيَّةٌ . 7647 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ، عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ، وَثَعْلَبَةُ بْنُ سَلَامٍ أَخُوهُ ، وَسَعْيَةُ ، وَمُبَشِّرٌ ، وأُسَيْدٌ وَأَسَدٌ ابْنَا كَعْبٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَيْسَ أَهْلُ الْكِتَابِ وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ الْقَائِمَةُ بِحَقِّ اللَّهِ ، سَوَاءً عِنْدَ اللَّهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7648 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ يَزِيدَ الْعِجْلِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ، قَالَ : لَا يَسْتَوِي أَهْلُ الْكِتَابِ وَأُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 7649 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةً قَائِمَةً ، الْآيَةَ ، يَقُولُ : لَيْسَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ ، كَمِثْلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي هِيَ قَائِمَةٌ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : قَدْ تَمَّتِ الْقِصَّةُ عِنْدَ قَوْلِهِ : لَيْسُوا سَوَاءً ، عَنْ إِخْبَارِ اللَّهِ بِأَمْرِ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ وَأَهْلِ الْكُفْرِ مِنْهُمْ ، وَأَنَّ قَوْلَهُ : مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ عَنْ مَدْحِ مُؤْمِنِهِمْ وَوَصْفِهِمْ بِصِفَتِهِمْ ، عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَابْنُ جُرَيْجٍ .
وَيَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ، جَمَاعَةٌ ثَابِتَةٌ عَلَى الْحَقِّ . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى مَعْنَى الْأُمَّةِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ . وَأَمَّا الْقَائِمَةُ ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهَا : الْعَادِلَةُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7650 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ، قَالَ : عَادِلَةٌ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَنَّهَا قَائِمَةٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَمَا أَمَرَ بِهِ فِيهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ . بَلْ مَعْنَى قَائِمَةٌ ، مُطِيعَةٌ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7654 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ، الْآيَةَ ، يَقُولُ : لَيْسَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ كَمَثَلِ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي هِيَ قَانِتَةٌ لِلَّهِ ، وَ الْقَانِتَةُ ، الْمُطِيعَةُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَمِنْ قَالَ بِقَوْلِهِمَا عَلَى مَا رَوَيْنَا عَنْهُمْ ، وَإِنْ كَانَ سَائِرُ الْأَقْوَالِ الْأُخَرِ مُتَقَارِبَةَ الْمَعْنَى مِنْ مَعْنَى مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ فِي ذَلِكَ . وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : قَائِمَةٌ ، مُسْتَقِيمَةٌ عَلَى الْهُدَى وَكِتَابِ اللَّهِ وَفَرَائِضِهِ وَشَرَائِعِ دِينِهِ ، وَالْعَدْلِ وَالطَّاعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ الْخَيْرِ ، مِنْ صِفَةِ أَهْلِ الِاسْتِقَامَةِ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَنَظِيرُ ذَلِكَ الْخَبَرُ الَّذِي رَوَاهُ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : 7655 - مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا ، كَمَثَلِ قَوْمٍ رَكِبُوا سَفِينَةً ، ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلًا .
فَالْقَائِمُ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ : هُوَ الثَّابِتُ عَلَى التَّمَسُّكِ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ ، وَاجْتِنَابِ مَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ جَمَاعَةٌ مُعْتَصِمَةٌ بِكِتَابِ اللَّهِ ، مُتَمَسِّكَةٌ بِهِ ، ثَابِتَةٌ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا فِيهِ وَمَا سَنَّ لَهُمْ رَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ( 113 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ ، يَقْرَءُونَ كِتَابَ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : آيَاتِ اللَّهِ ، مَا أَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ مِنَ الْعِبَرِ وَالْمَوَاعِظِ . يَقُولُ : يَتْلُونَ ذَلِكَ آنَاءَ اللَّيْلِ ، يَقُولُ : فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ ، فَيَتَدَبَّرُونَهُ وَيَتَفَكَّرُونَ فِيهِ . وَأَمَّا آنَاءَ اللَّيْلِ ، فَسَاعَاتُ اللَّيْلِ ، وَاحِدُهَا إِنْيٌ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : حُلْوٌ وَمُرٌّ كَعَطْفِ الْقِدْحِ مِرَّتُهُ فِي كُلِّ إِنْيٍ حَذَاهُ اللَّيْلُ يَنْتَعِلُ وَقَدْ قِيلَ إِنَّ وَاحِدَ الْآنَاءِ ، إِنًى مَقْصُورٌ ، كَمَا وَاحِدُ الْأَمْعَاءِ مِعًى .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : تَأْوِيلُهُ : سَاعَاتُ اللَّيْلِ ، كَمَا قُلْنَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7656 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ ، أَيْ : سَاعَاتُ اللَّيْلِ .
7657 - حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ الرَّبِيعِ قَالَ : آنَاءَ اللَّيْلِ ، سَاعَاتُ اللَّيْلِ . 7658 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ، قَالَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ : سَمِعَنَا الْعَرَبَ تَقُولُ : آنَاءَ اللَّيْلِ ، سَاعَاتُ اللَّيْلِ . وَقَالَ آخَرُونَ آنَاءَ اللَّيْلِ ، جَوْفُ اللَّيْلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7659 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ ، أَمَّا آنَاءَ اللَّيْلِ ، فَجَوْفُ اللَّيْلِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ قَوْمٌ كَانُوا يُصَلُّونَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7660 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ يَزِيدَ الْعِجْلِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي قَوْلِهِ : يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ ، صَلَاةُ الْعَتَمَةُ ، هُمْ يُصَلُّونَهَا ، وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يُصَلِّيهَا .
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ وَصَفُّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ بِأَنَّهُمْ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ ، وَهِيَ آنَاؤُهُ ، وَقَدْ يَكُونُ تَالِيهَا فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ تَالِيًا لَهَا آنَاءَ اللَّيْلِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَلَاهَا فِيمَا بَيْنُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ ، وَمَنْ تَلَاهَا جَوْفَ اللَّيْلِ ، فَكُلٌّ تَالٍ لَهُ سَاعَاتِ اللَّيْلِ . غَيْرُ أَنَّ أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : عَنِيَ بِذَلِكَ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ ، لِأَنَّهَا صَلَاةٌ لَا يُصَلِّيهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَوَصَفَ اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُمْ يَصُلُّونَهَا دُونَ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَهُمْ يَسْجُدُونَ ، فَإِنَّ بَعْضَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ زَعَمَ أَنَّ مَعْنَى السُّجُودِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، اسْمُ الصَّلَاةِ لَا لِلسُّجُودِ ، لِأَنَّ التِّلَاوَةَ لَا تَكُونُ فِي السُّجُودِ وَلَا فِي الرُّكُوعِ .
فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُ : يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يُصَلُّونَ ، . وَلَيْسَ الْمَعْنَى عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ : مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ ، يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ فِي صَلَاتِهِمْ ، وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يَسْجُدُونَ فِيهَا ، فَ السُّجُودُ ، هُوَ السُّجُودُ الْمَعْرُوفُ فِي الصَّلَاةِ .