الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ : وَمَا يَمُوتُ مُحَمَّدٌ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إِلَّا بَعْدَ بُلُوغِ أَجَلِهِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ غَايَةً لِحَيَاتِهِ وَبَقَائِهِ ، فَإِذَا بَلَّغَ ذَلِكَ مِنَ الْأَجَلِ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ لَهُ ، وَأَذِنَ لَهُ بِالْمَوْتِ ، فَحِينَئِذٍ يَمُوتُ . فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ ، فَلَنْ يَمُوتَ بِكَيْدِ كَائِدٍ وَلَا بِحِيلَةِ مُحْتَالٍ ، كَمَا : - 7954 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلا ، أَيْ : إِنَّ لِمُحَمَّدٍ أَجَلًا هُوَ بَالِغُهُ ، إِذَا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِي ذَلِكَ كَانَ . وَقَدْ قِيلَ إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا كَانَتْ نَفْسٌ لِتَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ .
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى النَّاصِبِ قَوْلُهُ : كِتَابًا مُؤَجِّلًا . فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : هُوَ تَوْكِيدٌ ، وَنَصْبُهُ عَلَى : كَتَبَ اللَّهُ كِتَابًا مُؤَجَّلًا . قَالَ : وَكَذَلِكَ كَلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلِهِ : ( حَقًّا ) إِنَّمَا هُوَ : أَحِقُّ ذَلِكَ حَقًّا .
وَكَذَلِكَ : وَعَدَ اللَّهُ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ ، صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ، إِنَّمَا هُوَ : صَنَعَ اللَّهُ هَكَذَا صُنْعًا . فَهَكَذَا تَفْسِيرُ كُلِّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ مِنْ نَحْوِ هَذَا ، فَإِنَّهُ كَثِيرٌ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ فِي قَوْلِهِ : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ ، مَعْنَاهُ : كَتَبَ اللَّهُ آجَالَ النُّفُوسِ ، ثُمَّ قِيلَ : كِتَابًا مُؤَجَّلًا ، فَأُخْرِجَ قَوْلُهُ : كِتَابًا مُؤَجَّلًا ، نَصْبًا مِنَ الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْكَلَامِ ، إِذْ كَانَ قَوْلُهُ : وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ ، قَدْ أَدَّى عَنْ مَعْنَى : كَتَبَ ، قَالَ : وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ نَظَائِرِ ذَلِكَ ، فَهُوَ عَلَى هَذَا النَّحْوِ .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : قَوْلُ الْقَائِلِ : زَيْدٌ قَائِمٌ حَقًّا ، بِمَعْنَى : أَقُولُ زَيْدٌ قَائِمٌ حَقًّا ، لِأَنَّ كُلَّ كَلَامٍ قَوْلٌ ، فَأَدَّى الْمَقُولُ عَنِ الْقَوْلِ ، ثُمَّ خَرَجَ مَا بَعْدَهُ مِنْهُ ، كَمَا تَقُولُ : أَقُولُ قَوْلَا حَقًّا ، وَكَذَلِكَ ظَنًّا وَ يَقِينًا وَكَذَلِكَ : وَعْدَ اللَّهِ ، وَمَا أَشْبَهَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي ، أَنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ مِنْ مَعْنَى الْكَلَامِ الَّذِي قَبِلَهُ ، لِأَنَّ فِي كُلِّ مَا قَبْلَ الْمَصَادِرِ الَّتِي هِيَ مُخَالِفَةٌ أَلْفَاظُهَا أَلْفَاظَ مَا قَبِلَهَا مِنَ الْكَلَامِ ، مَعَانِي أَلْفَاظِ الْمَصَادِرِ وَإِنْ خَالَفَهَا فِي اللَّفْظِ ، فَنَصْبُهَا مِنْ مَعَانِي مَا قَبْلَهَا دُونَ أَلْفَاظِهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ( 145 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : مَنْ يُرِدْ مِنْكُمْ ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، بِعَمَلِهِ جَزَاءً مِنْهُ بَعْضَ أَعْرَاضِ الدُّنْيَا ، دُونَ مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْكَرَامَةِ لِمَنِ ابْتَغَى بِعَمَلِهِ مَا عِنْدَهُ نُؤْتِهِ مِنْهَا ، يَقُولُ : نُعْطَهُ مِنْهَا ، يَعْنِي مِنَ الدُّنْيَا ، يَعْنِي أَنَّهُ يُعْطِيهِ مِنْهَا مَا قُسِمَ لَهُ فِيهَا مِنْ رِزْقِ أَيَّامِ حَيَاتِهِ ، ثُمَّ لَا نَصِيبَ لَهُ فِي كَرَامَةِ اللَّهِ الَّتِي أَعَدَّهَا لِمَنْ أَطَاعَهُ وَطَلَبَ مَا عِنْدَهُ فِي الْآخِرَةِ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ ، يَقُولُ : وَمَنْ يُرِدُ مِنْكُمْ بِعَمَلِهِ جَزَاءً مِنْهُ ثَوَابَ الْآخِرَةِ ، يَعْنِي : مَا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ كَرَامَتِهِ الَّتِي أَعَدَّهَا لِلْعَامِلِينَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ، يَقُولُ : نُعْطَهُ مِنْهَا ، يَعْنِي مِنَ الْآخِرَةِ .
وَالْمَعْنَى : مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ الَّتِي خَصَّ بِهَا أَهْلَ طَاعَتِهِ فِي الْآخِرَةِ . فَخَرَجَ الْكَلَامُ عَلَى الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَالْمَعْنَى مَا فِيهِمَا . كَمَا : - 7955 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا ، أَيْ : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُرِيدُ الدُّنْيَا ، لَيْسَتْ لَهُ رَغْبَةٌ فِي الْآخِرَةِ ، نُؤْتِهِ مَا قُسِمَ لَهُ مِنْهَا مِنْ رِزْقٍ ، وَلَا حَظَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ نَوَتْهُ مِنْهَا مَا وَعَدَهُ ، مَعَ مَا يَجْرِي عَلَيْهِ مِنْ رِزْقِهِ فِي دُنْيَاهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ، يَقُولُ : وَسَأُثِيبُ مِنْ شَكَرِ لِي مَا أَوْلَيْتُهُ مِنْ إِحْسَانِي إِلَيْهِ بِطَاعَتِهِ إِيَّايَ ، وَانْتِهَائِهِ إِلَى أَمْرِي ، وَتَجَنُّبِهِ مَحَارِمِي فِي الْآخِرَةِ مِثْلَ الَّذِي وَعَدَتْ أَوْلِيَائِي مِنَ الْكَرَامَةِ عَلَى شُكْرِهِمْ إِيَّايَ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي ذَلِكَ بِمَا : - 7956 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ، أَيْ : ذَلِكَ جَزَاءُ الشَّاكِرِينَ ، يَعْنِي بِذَلِكَ ، إِعْطَاءَ اللَّهِ إِيَّاهُ مَا وَعَدَهُ فِي الْآخِرَةِ ، مَعَ مَا يَجْرِي عَلَيْهِ مِنَ الرِّزْقِ فِي الدُّنْيَا .