الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ : فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ : ( وَكَأَيِّنْ ) ، بِهَمْزِ الْأَلْفِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ . وَقَرَأَهُ آخَرُونَ بِمَدِّ الْأَلِفِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قَرَأَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ ، لَا اخْتِلَافَ فِي مَعْنَاهُمَا ، فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قَرَأَ ذَلِكَ قَارِئٌ فَمُصِيبٌ . لِاتِّفَاقِ مَعْنَى ذَلِكَ ، وَشُهْرَتِهِمَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ .
وَمَعْنَاهُ : وَكَمْ مِنْ نَبِيٍّ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ . فَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ قَرَأَةِ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ : ( قُتِلَ ) ، بِضَمِّ الْقَافِ .
وَقَرَأَهُ جَمَاعَةٌ أُخَرُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَ بِالْأَلْفِ . وَهِيَ قِرَاءَةُ جَمَاعَةٍ مِنْ قَرَأَةِ الْحِجَازِ وَالْكُوفَةِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَأَمَّا مَنْ قَرَأَ ( قَاتَلَ ) ، فَإِنَّهُ اخْتَارَ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ قَالَ : لَوْ قُتِلُوا لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ : فَمَا وَهَنُوا ، وَجْهٌ مَعْرُوفٌ .
لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُوصَفُوا بِأَنَّهُمْ لَمْ يَهِنُوا وَلَمْ يَضْعُفُوا بَعْدَ مَا قُتِلُوا . وَأَمَّا الَّذِينَ قَرَأُوا ذَلِكَ : ( قُتِلَ ) ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّمَا عَنَى بِالْقَتْلِ النَّبِيَّ وَبَعْضَ مِنْ مَعَهُ مِنَ الرِّبِّيِّينَ دُونَ جَمِيعِهِمْ ، وَإِنَّمَا نَفَى الْوَهْنَ وَالضَّعْفَ عَمَّنْ بَقَى مِنَ الرِّبِّيِّينَ مِمَّنْ لَمْ يَقْتُلْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ ، قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ بِضَمِّ الْقَافِ : ( قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُونَ كَثِيرٌ ) لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا عَاتَبَ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَالْآيَاتِ الَّتِي قَبِلَهَا مِنْ قَوْلِهِ : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ الَّذِينَ انْهَزَمُوا يَوْمَ أُحُدٍ ، وَتَرَكُوا الْقِتَالَ ، أَوْ سَمِعُوا الصَّائِحَ يَصِيحُ : إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ .
فَعَذَلَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى فِرَارِهِمْ وَتَرْكِهِمِ الْقِتَالَ فَقَالَ : أَفَإِنْ مَاتَ مُحَمَّدٌ أَوْ قُتِلَ ، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ، ارْتَدَدْتُمْ عَنْ دِينِكُمْ وَانْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ؟ ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ عَمَّا كَانَ مِنْ فِعْلِ كَثِيرٍ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُمْ ، وَقَالَ لَهُمْ : هَلَّا فَعَلْتُمْ كَمَا كَانَ أَهْلُ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَكُمْ يَفْعَلُونَهُ إِذَا قُتِلَ نَبِيُّهُمْ مِنَ الْمُضِيِّ عَلَى مِنْهَاجِ نَبِيِّهِمْ ، وَالْقِتَالِ عَلَى دِينِهِ أَعْدَاءَ دِينِ اللَّهِ ، عَلَى نَحْوِ مَا كَانُوا يُقَاتِلُونَ مَعَ نَبِيِّهِمْ وَلَمْ تَهِنُوا وَلَمْ تَضْعُفُوا ، كَمَا لَمْ يُضْعِفِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَكُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْبَصَائِرِ مِنْ أَتْبَاعِ الْأَنْبِيَاءِ إِذَا قُتِلَ نَبِيُّهُمْ ، وَلَكِنَّهُمْ صَبَرُوا لِأَعْدَائِهِمْ حَتَّى حَكَمَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ ؟ وَبِذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ جَاءَ تَأْوِيلُ الْمُتَأَوِّلِينَ . وَأَمَّا الرِّبِّيُّونَ ، فَإِنَّهُمْ مَرْفُوعُونَ بِقَوْلِهِ : مَعَهُ لَا بِقَوْلِهِ : قُتِلَ . وَإِنَّمَا تَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ ، وَمَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
وَفِي الْكَلَامِ إِضْمَارُ وَاوٍ ، لِأَنَّهَا وَاوٌ تَدُلُّ عَلَى مَعْنَى حَالِ قَتْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، غَيْرَ أَنَّهُ اجْتَزَأَ بِدَلَالَةٍ مَا ذَكَرَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا مِنْ ذِكْرِهَا ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِلِ فِي الْكَلَامِ : قُتِلَ الْأَمِيرِ مَعَهُ جَيْشٌ عَظِيمٌ ، بِمَعْنَى : قُتِلَ وَمَعَهُ جَيْشٌ عَظِيمٌ . وَأَمَّا الرِّبِّيُّونَ ، فَإِنَّ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ . فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : هُمُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الرَّبَّ ، وَاحِدُهُمْ رِبِّيٌّ .
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ : لَوْ كَانُوا مَنْسُوبَيْنِ إِلَى عِبَادَةِ الرَّبِّ لَكَانُوا رَبِّيونَ بِفَتْحِ الرَّاءِ ، وَلَكِنَّهُ : الْعُلَمَاءُ ، وَالْأُلُوفُ . وَ الرِّبِّيُّونَ عِنْدَنَا ، الْجَمَاعَاتُ الْكَثِيرَةُ ، وَاحِدُهُمْ رِبِّيٌّ ، وَهُمُ الْجَمَاعَةُ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَاهُ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ مِثْلَ مَا قُلْنَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7957 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ : الرِّبِّيُّونَ : الْأُلُوفُ . 7958 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ ، عَنْ عَاصِمٍ ، عَنْ زِرِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، مِثْلَهُ .
7965 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ : أَخْبَرَنَا عَوْفٌ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : ( وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ، قَالَ : فُقَهَاءُ عُلَمَاءُ . 7966 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ . عَنْ أَبِي رَجَاءَ ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ : ( وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ قَالَ : الْجُمُوعُ الْكَثِيرَةُ قَالَ يَعْقُوبُ : وَكَذَلِكَ قَرَأَهَا إِسْمَاعِيلُ : ( قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ) .
7979 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ، الرِّبِّيُّونَ : هُمُ الْجُمُوعُ الْكَثِيرَةُ . وَقَالَ آخَرُونَ : الرِّبِّيُّونَ ، الْأَتْبَاعُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7980 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : ( وَكَأَيْنٍ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ ) ، قَالَ : الرِّبِّيُّونَ الْأَتْبَاعُ ، وَ الرَّبَّانِيُّونَ الْوُلَاةُ ، وَ الرِّبِّيُّونَ الرَّعِيَّةُ .
وَبِهَذَا عَاتَبَهُمُ اللَّهُ حِينَ انْهَزَمُوا عَنْهُ ، حِينَ صَاحَ الشَّيْطَانُ : إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ قَالَ : كَانَتِ الْهَزِيمَةُ عِنْدَ صِيَاحِهِ فِي [ سَهْ صَاحَ ] : أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنَّ مُحَمَّدًا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قُتِلَ ، فَارْجِعُوا إِلَى عَشَائِرِكُمْ يُؤَمِّنُوكُمْ! . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ( 146 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، فَمَا عَجَزُوا لِمَا نَالَهُمْ مِنْ أَلَمِ الْجِرَاحِ الَّذِي نَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَا لِقَتْلِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ ، عَنْ حَرْبِ أَعْدَاءِ اللَّهِ ، وَلَا نَكَلُوا عَنْ جِهَادِهِمْ وَمَا ضَعُفُوا ، يَقُولُ : وَمَا ضَعُفَتْ قُوَاهُمْ لِقَتْلِ نَبِيِّهِمْ وَمَا اسْتَكَانُوا ، يَعْنِي وَمَا ذَلُّوا فَيَتَخَشَّعُوا لِعَدُوِّهِمْ بِالدُّخُولِ فِي دِينِهِمْ وَمُدَاهَنَتِهِمْ فِيهِ خِيفَةً مِنْهُمْ ، وَلَكِنْ مَضَوْا قُدُمًا عَلَى بَصَائِرِهِمْ وَمِنْهَاجِ نَبِيِّهِمْ ، صَبْرًا عَلَى أَمْرِ اللَّهِ وَأَمْرِ نَبِيِّهِمْ ، وَطَاعَةٍ لِلَّهِ وَاتِّبَاعًا لِتَنْزِيلِهِ وَوَحْيِهِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ، يَقُولُ : وَاللَّهُ يُحِبُّ هَؤُلَاءِ وَأَمْثَالَهُمْ مِنَ الصَّابِرِينَ لِأَمْرِهِ وَطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ فِي جِهَادِ عَدُوِّهِ ، لَا مَنْ فَشِلَ فَفَرَّ عَنْ عَدُوِّهِ ، وَلَا مَنِ انْقَلَبَ عَلَى عَقِبَيْهِ فَذَلَّ لِعَدُوِّهِ لِأَنْ قُتِلَ نَبِيُّهُ أَوْ مَاتَ ، وَلَا مَنْ دَخَلَهُ وَهَنٌّ عَنْ عَدُوِّهِ ، وَضَعْفٌ لِفَقْدِ نَبِيِّهِ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .