الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلَا يَظُنَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، أَنَّ إِمْلَاءَنَا لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ . وَيَعْنِي بِ الْإِمْلَاءِ ، الْإِطَالَةَ فِي الْعُمْرِ ، وَالْإِنْسَاءَ فِي الْأَجَلِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [ سُورَةُ مَرْيَمَ : 46 ] أَيْ : حِينًا طَوِيلًا وَمِنْهُ قِيلَ : عِشْتَ طَوِيلًا وَتَمَلَّيْتَ حَبِيبًا . وَالْمَلَا نَفْسُهُ الدَّهْرُ ، وَالْمَلَوَانِ ، اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ تَمِيمِ بْنِ مُقْبِلٍ : أَلَا يَا دِيَارَ الْحَيِّ بِالسَّبُعَانِ أَمَلَّ عَلَيْهَا بِالْبِلَى الْمَلَوَانِ يَعْنِي : بِ الْمَلَوَانِ ، اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ .
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ . فَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ : ( وَلَا يَحْسَبَنَّ ) بِالْيَاءِ ، وَبِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ قَوْلِهِ : أَنَّمَا ، عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْتُ مِنْ تَأْوِيلِهِ . وَقَرَأَهُ آخَرُونَ : ( وَلَا تَحْسَبَنَّ ) بِالتَّاءِ وَ أَنَّمَا أَيْضًا بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ أَنَّمَا ، بِمَعْنَى : وَلَا تَحْسَبَنَّ ، يَا مُحَمَّدُ ، الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَمَا الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ فُتِحَتِ الْأَلِفُ مِنْ قَوْلِهِ : أَنَّمَا فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ بِالتَّاءِ ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ بِالتَّاءِ فَقَدْ أَعْمَلْتَ تَحْسَبَنَّ ، فِي الَّذِينَ كَفَرُوا ، وَإِذَا أَعْمَلْتَهَا فِي ذَلِكَ ، لَمْ يَجُزْ لَهَا أَنْ تَقَعَ عَلَى أَنَّمَا لِأَنَّ أَنَّمَا إِنَّمَا يَعْمَلُ فِيهَا عَامِلٌ يَعْمَلُ فِي شَيْئَيْنِ نَصْبًا؟ قِيلَ : أَمَّا الصَّوَابُ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَوَجْهُ الْكَلَامِ الْمَعْرُوفِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ ، كَسْرُ إِنَّ إِذَا قُرِئَتْ تَحْسَبَنَّ بِالتَّاءِ ، لِأَنَّ تَحْسَبَنَّ إِذَا قُرِئَتْ بِالتَّاءِ فَإِنَّهَا قَدْ نَصَبَتْ الَّذِينَ كَفَرُوا ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَعْمَلَ ، وَقَدْ نَصَبَتِ اسْمًا ، فِي أَنَّ . وَلَكِنِّي أَظُنُّ أَنَّ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِالتَّاءِ فِي تَحْسَبَنَّ وَفَتَحَ الْأَلِفَ مِنْ أَنَّمَا ، إِنَّمَا أَرَادَ تَكْرِيرَ تَحْسَبَنَّ عَلَى أَنَّمَا ، كَأَنَّهُ قَصَدَ إِلَى أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : وَلَا تَحْسَبَنَّ ، يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ ، الَّذِينَ كَفَرُوا ، لَا تَحْسَبَنَّ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً [ سُورَةُ مُحَمَّدٍ : 18 ] بِتَأْوِيلِ : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ ، هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً . وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ وَجْهًا جَائِزًا فِي الْعَرَبِيَّةِ ، فَوَجْهُ كَلَامِ الْعَرَبِ مَا وَصَفْنَا قَبْلُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْيَاءِ مِنْ يَحْسَبَنَّ ، وَبِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ أَنَّمَا ، عَلَى مَعْنَى الْحُسْبَانِ لِلَّذِينِ كَفَرُوا دُونَ غَيْرِهِمْ ، ثُمَّ يَعْمَلُ فِي أَنَّمَا نَصْبًا لِأَنَّ يَحْسَبَنَّ حِينَئِذٍ لَمْ يُشْغَلْ بِشَيْءٍ عَمِلَ فِيهِ ، وَهِيَ تَطْلُبُ مَنْصُوبَيْنِ . وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا ذَلِكَ لِإِجْمَاعِ الْقَرَأَةِ عَلَى فَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ أَنَّمَا الْأُولَى ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْقِرَاءَةَ الصَّحِيحَةَ فَى يَحْسَبَنَّ بِالْيَاءِ لِمَا وَصَفْنَا . وَأَمَّا أَلِفُ إِنَّمَا الثَّانِيَةُ ، فَالْكَسْرُ عَلَى الِابْتِدَاءِ ، بِإِجْمَاعٍ مِنَ الْقَرَأَةِ عَلَيْهِ : وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ : إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ، إِنَّمَا نُؤَخِّرُ آجَالَهُمْ فَنُطِيلُهَا لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ، يَقُولُ : يَكْتَسِبُوا الْمَعَاصِيَ فَتَزْدَادُ آثَامُهُمْ وَتَكْثُرُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ ، يَقُولُ : وَلِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي الْآخِرَةِ عُقُوبَةٌ لَهُمْ مُهِينَةٌ مُذِلَّةٌ .
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ جَاءَ الْأَثَرُ . 8267 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ خَيْثَمَةَ ، عَنِ الْأَسْوَدِ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : مَا مِنْ نَفْسٍ بَرَّةٍ وَلَا فَاجِرَةٍ إِلَّا وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَهَا . وَقَرَأَ : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ، وَقَرَأَ : نُـزُلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأَبْرَارِ [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 198 ] .