الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ ، مَا كَانَ اللَّهُ لِيَدَعَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْتِبَاسِ الْمُؤْمِنِ مِنْكُمْ بِالْمُنَافِقِ ، فَلَا يُعْرَفُ هَذَا مِنْ هَذَا حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ، يُعْنَى بِذَلِكَ : حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ وَهُوَ الْمُنَافِقُ الْمُسْتَسِرُّ لِلْكُفْرِ مِنَ الطَّيِّبِ ، وَهُوَ الْمُؤْمِنُ الْمُخْلِصُ الصَّادِقُ الْإِيمَانِ ، بِالْمِحَنِ وَالِاخْتِبَارِ ، كَمَا مَيَّزَ بَيْنَهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ إِلَيْهِمْ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْخَبِيثِ الَّذِي عَنَى اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ ، مِثْلَ قَوْلِنَا .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : حَتَّى يَمِيزَ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ بِالْهِجْرَةِ وَالْجِهَادِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8271 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ ، يَعْنِي الْكُفَّارَ . يَقُولُ : لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَدَعَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلَالَةِ : حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ، يَمِيزَ بَيْنَهُمْ فِي الْجِهَادِ وَالْهِجْرَةِ .
8272 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ، قَالَ : حَتَّى يَمِيزَ الْفَاجِرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ . 8273 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ قَالُوا : إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَادِقًا ، فَلْيُخْبِرْنَا بِمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَنْ يَكْفُرُ !! فَأَنْزَلَ اللَّهُ : مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ، حَتَّى يُخْرِجَ الْمُؤْمِنَ مِنَ الْكَافِرِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالتَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ ، لِأَنَّ الْآيَاتِ قَبْلَهَا فِي ذِكْرِ الْمُنَافِقِينَ ، وَهَذِهِ فِي سِيَاقَتِهَا .
فَكَوْنُهَا بِأَنْ تَكُونَ فِيهِمْ ، أَشْبَهُ مِنْهَا بِأَنْ تَكُونَ فِي غَيْرِهِمْ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا : - 8274 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ، وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَ مُحَمَّدًا عَلَى الْغَيْبِ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ اجْتَبَاهُ فَجَعَلَهُ رَسُولًا .
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : - 8275 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ حَمِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ، أَيْ : فِيمَا يُرِيدُ أَنْ يَبْتَلِيَكُمْ بِهِ ، لِتَحْذَرُوا مَا يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ فِيهِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ، يَعْلَمُهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِتَأْوِيلِهِ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى ضَمَائِرِ قُلُوبِ عِبَادِهِ ، فَتَعْرِفُوا الْمُؤْمِنَ مِنْهُمْ مَنِ الْمُنَافِقِ وَالْكَافِرِ ، وَلَكِنَّهُ يُمَيِّزُ بَيْنَهُمْ بِالْمِحَنِ وَالِابْتِلَاءِ كَمَا مَيَّزَ بَيْنَهُمْ بِالْبَأْسَاءِ يَوْمَ أُحُدٍ وَجِهَادِ عَدُوِّهِ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ صُنُوفِ الْمِحَنِ ، حَتَّى تَعْرِفُوا مُؤْمِنَهُمْ وَكَافِرَهُمْ وَمُنَافِقَهُمْ . غَيْرَ أَنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَيَصْطَفِيهِ ، فَيُطْلِعُهُ عَلَى بَعْضِ مَا فِي ضَمَائِرِ بَعْضِهِمْ ، بِوَحْيِهِ ذَلِكَ إِلَيْهِ وَرِسَالَتِهِ ، كَمَا : - 8276 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ ، قَالَ : يُخَلِّصُهُمْ لِنَفْسِهِ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا هَذَا التَّأْوِيلُ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ ، لِأَنَّ ابْتِدَاءَهَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ غَيْرُ تَارِكٍ عِبَادَهُ - يَعْنِي بِغَيْرِ مِحَنٍ - حَتَّى يُفَرِّقَ بِالِابْتِلَاءِ بَيْنَ مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ وَأَهْلِ نِفَاقِهِمْ . ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ، فَكَانَ فِيمَا افْتُتِحَ بِهِ مِنْ صِفَةِ إِظْهَارِ اللَّهِ نِفَاقَ الْمُنَافِقِ وَكُفْرَ الْكَافِرِ ، دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي وَلِيَ ذَلِكَ هُوَ الْخَبَرُ عَنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيُطْلِعَهُمْ عَلَى مَا يَخْفَى عَنْهُمْ مِنْ بَاطِنِ سَرَائِرِهِمْ ، إِلَّا بِالَّذِي ذَكَرَ أَنَّهُ مُمَيِّزٌ بِهِ نَعْتَهُمْ إِلَّا مَنِ اسْتَثْنَاهُ مِنْ رُسُلِهِ الَّذِي خَصَّهُ بِعِلْمِهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ( 179 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : وَإِنْ تُؤْمِنُوا ، وَإِنْ تُصَدِّقُوا مَنِ اجْتَبَيْتُهُ مِنْ رُسُلِي بِعِلْمِي وَأَطْلَعْتُهُ عَلَى الْمُنَافِقِينَ مِنْكُمْ وَتَتَّقُوا رَبَّكُمْ بِطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ نَبِيُّكُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ، يَقُولُ : فَلَكُمْ بِذَلِكَ مِنْ إِيمَانِكُمْ وَاتِّقَائِكُمْ رَبَّكُمْ ، ثَوَابٌ عَظِيمٌ ، كَمَا : - 8277 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا ، أَيْ : تَرْجِعُوا وَتَتُوبُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ .