الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ : فَقَرَأَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ : ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ) بِالتَّاءِ مِنْ تَحْسَبَنَّ . وَقَرَأَتْهُ جَمَاعَةٌ أُخَرُ : ( وَلَا يَحْسَبَنَّ ) بِالْيَاءِ . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ .
فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَا يَحْسَبَنَّ الْبَاخِلُونَ الْبُخْلَ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ فَاكْتَفَى بِذِكْرِ يَبْخَلُونَ مِنَ الْبُخْلِ ، كَمَا تَقُولُ : قَدِمَ فُلَانٌ فَسُرِرْتُ بِهِ ، وَأَنْتَ تُرِيدُ : فَسُرِرْتُ بِقُدُومِهِ . وَ هُوَ ، عِمَادٌ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْبَصْرَةِ : إِنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ لَا يَحْسَبَنَّ الْبُخْلَ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ، فَأَلْقَى الِاسْمَ الَّذِي أَوْقَعَ عَلَيْهِ الْحُسْبَانَ بِهِ ، هُوَ الْبُخْلُ ، لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ الْحُسْبَانَ وَذَكَرَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ، فَأَضْمَرَهُمَا إِذْ ذَكَرَهُمَا .
قَالَ : وَقَدْ جَاءَ مِنَ الْحَذْفِ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ هَذَا ، قَالَ : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ وَلَمْ يَقُلْ : وَمَنْ أَنْفَقَ مِنْ بَعْدِ الْفَتْحِ ، لِأَنَّهُ لَمَّا قَالَ : أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ [ سُورَةُ الْحَدِيدِ : 10 ] ، كَانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ عَنَاهُمْ . وَقَالَ بَعْضُ مَنْ أَنْكَرَ قَوْلَ مَنْ ذَكَرْنَا قَوْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ : إِنَّ مَنْ فِي قَوْلِهِ : لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ فِي مَعْنَى جَمَعَ . وَمَعْنَى الْكَلَامِ : لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ فِي مَنَازِلِهِمْ وَحَالَاتِهِمْ ، فَكَيْفَ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ بَعْدِ الْفَتْحِ؟ فَالْأَوَّلُ مُكْتَفٍ .
وَقَالَ : فِي قَوْلِهِ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ مَحْذُوفٌ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُحْذَفْ إِلَّا وَفِي الْكَلَامِ مَا قَامَ مَقَامَ الْمَحْذُوفِ ، لِأَنَّ هُوَ عَائِدُ الْبُخْلِ ، وَ خَيْرًا لَهُمْ عَائِدُ الْأَسْمَاءِ ، فَقَدْ دَلَّ هَذَانَ الْعَائِدَانِ عَلَى أَنَّ قَبْلَهُمَا اسْمَيْنِ ، وَاكْتَفَى بِقَوْلِهِ : يَبْخَلُونَ مِنَ الْبُخْلِ . قَالَ : وَهَذَا إِذَا قُرِئَ بِ التَّاءِ ، فَ الْبُخْلُ قَبْلَ الَّذِينَ ، وَإِذَا قُرِئَ بِ الْيَاءِ ، فَ الْبُخْلُ بَعْدَ الَّذِينَ ، وَقَدِ اكْتَفَى بِ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ، مِنَ الْبُخْلِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : إِذَا نُهِيَ السَّفِيهُ جَرَى إِلَيْهِ وَخَالَفَ وَالسَّفِيهُ إِلَى خِلَافِ كَأَنَّهُ قَالَ : جَرَى إِلَى السَّفَهِ ، فَاكْتَفَى عَنِ السَّفَهِ بِ السَّفِيهِ ، كَذَلِكَ اكْتَفَى بِ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ، مِنَ الْبُخْلِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ) بِالتَّاءِ ، بِتَأْوِيلِ : وَلَا تَحْسَبَنَّ ، أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ ، بُخْلَ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ ثُمَّ تَرَكَ ذِكْرَ الْبُخْلِ ، إِذْ كَانَ فِي قَوْلِهِ : هُوَ خَيْرًا لَهُمْ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ فِي الْكَلَامِ ، إِذْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَهُ قَوْلُهُ : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا : قِرَاءَةُ ذَلِكَ بِالتَّاءِ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ قِرَاءَتِهِ بِالْيَاءِ ، لِأَنَّ الْمَحْسَبَةَ مِنْ شَأْنِهَا طَلَبُ اسْمٍ وَخَبَرٍ ، فَإِذَا قُرِئَ قَوْلُهُ : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِالْيَاءِ : لَمْ يَكُنْ لِلْمَحْسَبَةِ اسْمٌ يَكُونُ قَوْلُهُ : هُوَ خَيْرًا لَهُمْ خَبَرًا عَنْهُ . وَإِذَا قُرِئَ ذَلِكَ بِالتَّاءِ ، كَانَ قَوْلُهُ : الَّذِينَ يَبْخَلُونَ اسْمًا لَهُ قَدْ أَدَّى عَنْ مَعْنَى الْبُخْلِ الَّذِي هُوَ اسْمُ الْمَحْسَبَةِ الْمَتْرُوكُ ، وَكَانَ قَوْلُهُ : هُوَ خَيْرًا لَهُمْ خَبَرًا لَهَا ، فَكَانَ جَارِيًا مَجْرَى الْمَعْرُوفِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ الْفَصِيحِ . فَلِذَلِكَ اخْتَرْنَا الْقِرَاءَةَ بِ التَّاءِ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا بَيَّنَاهُ ، وَإِنْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ بِ الْيَاءِ غَيْرَ خَطَأٍ ، وَلَكِنَّهُ لَيْسَ بِالْأَفْصَحِ وَلَا الْأَشْهَرِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْآيَةِ الَّذِي هُوَ تَأْوِيلُهَا عَلَى مَا اخْتَرْنَا مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ : وَلَا تَحْسَبَنَّ ، يَا مُحَمَّدُ ، بُخْلَ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْأَمْوَالِ ، فَلَا يُخْرِجُونَ مِنْهُ حَقَّ اللَّهِ الَّذِي فَرَضَهُ عَلَيْهِمْ فِيهِ مِنَ الزَّكَوَاتِ ، هُوَ خَيْرًا لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ عِنْدَهُ فِي الْآخِرَةِ ، كَمَا : - 8278 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ ، هُمُ الَّذِينَ آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ، فَبَخِلُوا أَنْ يُنْفِقُوهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَمْ يُؤَدُّوا زَكَاتَهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عَنَى بِذَلِكَ الْيَهُودَ الَّذِينَ بَخِلُوا أَنْ يُبَيِّنُوا لِلنَّاسِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ مَنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَعْتِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8279 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِلَى سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، يَعْنِي بِذَلِكَ أَهْلَ الْكِتَابِ ، أَنَّهُمْ بَخِلُوا بِالْكِتَابِ أَنْ يُبَيِّنُوهُ لِلنَّاسِ .
8280 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَوْلُهُ : وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ، قَالَ : هُمْ يَهُودُ ، إِلَى قَوْلِهِ : وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 184 ] . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِتَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ ، التَّأْوِيلُ الْأُوَلُ ، وَهُوَ أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِ الْبُخْلِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، مَنْعُ الزَّكَاةِ ، لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ : سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ : الْبَخِيلُ الَّذِي مَنَعَ حَقَّ اللَّهِ مِنْهُ ، أَنَّهُ يَصِيرُ ثُعْبَانًا فِي عُنُقِهِ وَلِقَوْلِ اللَّهِ عَقِيبَ هَذِهِ الْآيَةِ : لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ، فَوَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَوْلَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ زَعَمُوا عِنْدَ أَمْرِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ بِالزَّكَاةِ أَنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : سَيُطَوَّقُونَ ، سَيَجْعَلُ اللَّهُ مَا بَخِلَ بِهِ الْمَانِعُونَ الزَّكَاةَ ، طَوْقًا فِي أَعْنَاقِهِمْ كَهَيْئَةِ الْأَطْوَاقِ الْمَعْرُوفَةِ ، كَالَّذِي : - 8281 - حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ قَزَعَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا مَسْلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ أَبِي قَزَعَةَ ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْعَبْدِيِّ قَالَ : مَا مِنْ عَبْدٍ يَأْتِيهِ ذُو رَحِمٍ لَهُ ، يَسْأَلُهُ مِنْ فَضْلٍ عِنْدَهُ فَيَبْخَلُ عَلَيْهِ ، إِلَّا أُخْرِجَ لَهُ الَّذِي بَخِلَ بِهِ عَلَيْهِ شُجَاعًا أَقْرَعَ .
قَالَ : وَقَرَأَ : وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ . 8282 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ أَبَى قَزَعَةَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا مِنْ ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذَا رَحِمَهُ فَيَسْأَلُهُ مِنْ فَضْلٍ جَعَلَهُ اللَّهُ عِنْدَهُ ، فَيَبْخَلُ بِهِ عَلَيْهِ ، إِلَّا أُخْرِجَ لَهُ مِنْ جَهَنَّمَ شُجَاعٌ يَتَلَمَّظُ حَتَّى يُطَوِّقَهُ . 8283 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ مُحَمَّدُ بْنُ خَازِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ أَبِي قَزَعَةَ حَجَرِ بْنِ بَيَانٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا مِنْ ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذَا رَحِمِهِ فَيَسْأَلُهُ مِنْ فَضْلٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ ، فَيَبْخَلُ بِهِ عَلَيْهِ ، إِلَّا أُخْرِجَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعٌ مِنَ النَّارِ يَتَلَمَّظُ حَتَّى يُطَوِّقَهُ .
ثُمَّ قَرَأَ : وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَوْلِهِ : سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . 8284 - حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمُرِّيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكِلَابِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَكْرٍ السَّهْمِيُّ ، وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ وَاصِلٍ أَبُو عُبَيْدَةَ الْحَدَّادُ ، وَاللَّفْظُ لِيَعْقُوبَ جَمِيعًا ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ ، عَنْ أَبِيهِ . عَنْ جَدِّهِ قَالَ : سَمِعْتُ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يَأْتِي رَجُلٌ مَوْلَاهُ فَيَسْأَلُهُ مِنْ فَضْلِ مَالٍ عِنْدَهُ ، فَيَمْنَعُهُ إِيَّاهُ ، إِلَّا دُعِيَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعٌ يَتَلَمَّظُ فَضْلُهُ الَّذِي مَنَعَ .
8288 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : يَجِيءُ مَالُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُعْبَانًا ، فَيَنْقُرُ رَأْسَهُ فَيَقُولُ : أَنَا مَالُكَ الَّذِي بَخِلْتَ بِهِ! فَيَنْطَوِي عَلَى عُنُقِهِ . 8289 - حُدِّثْتُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ أَبِي رَاشِدٍ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَعْيُنَ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا مِنْ أَحَدٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاةَ مَالِهِ ، إِلَّا مُثِّلَ لَهُ شُجَاعٌ أَقْرَعُ يُطَوِّقُهُ . ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ الْآيَةَ .
8296 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ : سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، قَالَ : طَوْقًا مِنْ نَارٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : سَيَحْمِلُ الَّذِينَ كَتَمُوا نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ ، مَا كَتَمُوا مِنْ ذَلِكَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8297 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، أَلَمْ تَسْمَعْ أَنَّهُ قَالَ : يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ [ سُورَةُ النِّسَاءِ : 37/ سُورَةُ الْحَدِيدِ : 24 ] ، يَعْنِي أَهْلَ الْكِتَابِ : يَقُولُ : يَكْتُمُونَ ، وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْكِتْمَانِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : سَيُكَلَّفُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَأْتُوا بِمَا بَخِلُوا بِهِ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8298 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، قَالَ : سَيُكَلَّفُونَ أَنْ يَأْتُوا بِمَا بَخِلُوا بِهِ ، إِلَى قَوْلِهِ : وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ . 8299 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ سَيُطَوَّقُونَ ، سَيُكَلَّفُونَ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ مَا بَخِلُوا بِهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ ، التَّأْوِيلُ الَّذِي قُلْنَاهُ فِي ذَلِكَ فِي مَبْدَأِ قَوْلِهِ : سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ ، لِلْأَخْبَارِ الَّتِي ذَكَرْنَا فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا أَحَدَ أَعْلَمُ بِمَا عَنَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِتَنْزِيلِهِ ، مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 180 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أَنَّهُ الْحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ، وَالْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ جَمِيعِ خَلْقِهِ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ : لَهُ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَ الْمِيرَاثُ الْمَعْرُوفُ ، هُوَ مَا انْتَقَلَ مِنْ مِلْكِ مَالِكٍ إِلَى وَارِثِهِ بِمَوْتِهِ ، وَلِلَّهِ الدُّنْيَا قَبْلَ فَنَاءِ خَلْقِهِ وَبَعْدَهُ؟ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ مَا وَصَفْنَا ، مِنْ وَصْفِهِ نَفْسَهُ بِالْبَقَاءِ ، وَإِعْلَامِ خَلْقِهِ أَنَّهُ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْفَنَاءُ .
وَذَلِكَ أَنَّ مِلْكَ الْمَالِكِ إِنَّمَا يَصِيرُ مِيرَاثًا بَعْدَ وَفَاتِهِ ، فَإِنَّمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ، إِعْلَامًا بِذَلِكَ مِنْهُ عِبَادَهُ أَنَّ أَمْلَاكَ جَمِيعِ خَلْقِهِ مُنْتَقِلَةٌ عَنْهُمْ بِمَوْتِهِمْ ، وَأَنَّهُ لَا أَحَدَ إِلَّا وَهُوَ فَانٍ سِوَاهُ ، فَإِنَّهُ الَّذِي إِذَا أَهْلَكَ جَمِيعَ خَلْقِهِ فَزَالَتْ أَمْلَاكُهُمْ عَنْهُمْ ، لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ يَكُونُ لَهُ مَا كَانُوا يَمْلِكُونَهُ غَيْرَهُ . وَإِنَّمَا مَعْنَى الْآيَةِ : وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِي يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، بَعْدَ مَا يَهْلَكُونَ وَتَزُولُ عَنْهُمْ أَمْلَاكُهُمْ ، فِي الْحِينِ الَّذِي لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا ، وَصَارَ لِلَّهِ مِيرَاثُهُ وَمِيرَاثُ غَيْرِهِ مِنْ خَلْقِهِ . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ بِمَا يَعْمَلُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلٍ وَغَيْرُهُمْ مِنْ سَائِرِ خَلْقِهِ ، ذُو خِبْرَةٍ وَعِلْمٍ ، مُحِيطٌ بِذَلِكَ كُلِّهِ ، حَتَّى يُجَازِيَ كُلًّا مِنْهُمْ عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِ ، الْمُحْسِنَ بِالْإِحْسَانِ ، وَالْمُسِيءَ عَلَى مَا يَرَى تَعَالَى ذِكْرُهُ .