الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ . . "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَآيَاتٍ بَعْدَهَا نَزَلَتْ فِي بَعْضِ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْرُ الْآثَارِ بِذَلِكَ : 8300 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الصَّدِيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَيْتَ الْمِدْرَاسِ ، فَوَجَدَ مِنْ يَهُودَ نَاسًا كَثِيرًا قَدِ اجْتَمَعُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ فِنْحَاصُ ، كَانَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ وَأَحْبَارِهِمْ ، وَمَعَهُ حَبْرٌ يُقَالُ لَهُ أَشْيَعُ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِفِنْحَاصَ : وَيْحَكَ يَا فِنْحَاصُ ، اتَّقِ اللَّهَ وَأَسْلِمْ ، فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لِتَعْلَمُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، قَدْ جَاءَكُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ! قَالَ فِنْحَاصُ : وَاللَّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ ، مَا بِنَا إِلَى اللَّهِ مِنْ فَقْرٍ ، وَإِنَّهُ إِلَيْنَا لَفَقِيرٌ! وَمَا نَتَضَرَّعُ إِلَيْهِ كَمَا يَتَضَرَّعُ إِلَيْنَا ، وَإِنَّا عَنْهُ لَأَغْنِيَاءَ ، وَلَوْ كَانَ عَنَّا غَنِيًّا مَا اسْتَقْرَضَ مِنَّا كَمَا يَزْعُمُ صَاحِبُكُمْ! يَنْهَاكُمْ عَنِ الرِّبَا وَيُعْطِينَاهُ! وَلَوْ كَانَ عَنَّا غَنِيًّا مَا أَعْطَانَا الرِّبَا! فَغَضِبَ أَبُو بَكْرٍ فَضَرَبَ وَجْهَ فِنْحَاصَ ضَرْبَةً شَدِيدَةً ، وَقَالَ : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَوْلَا الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ! فَأَكْذِبُونَا مَا اسْتَطَعْتُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ .
فَذَهَبَ فِنْحَاصُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، انْظُرْ مَا صَنَعَ بِي صَاحِبُكَ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي بَكْرٍ : مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ قَالَ قَوْلًا عَظِيمًا ، زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَأَنَّهُمْ عَنْهُ أَغْنِيَاءُ! فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ غَضِبْتُ لِلَّهِ مِمَّا قَالَ : فَضَرَبْتُ وَجْهَهُ . فَجَحَدَ ذَلِكَ فِنْحَاصُ وَقَالَ : مَا قُلْتُ ذَلِكَ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِيمَا قَالَ فِنْحَاصُ ، رَدًّا عَلَيْهِ وَتَصْدِيقًا لِأَبِي بَكْرٍ : ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتَلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ﴾ وَفِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَمَا بَلَغَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْغَضَبِ : وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ [ سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ : 186 ] . 8301 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَةُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ ، مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَذَكَرَ نَحْوَهُ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : وَإِنَّا عَنْهُ لَأَغْنِيَاءَ ، وَمَا هُوَ عَنَّا بِغَنِيٍّ ، وَلَوْ كَانَ غَنِيًّا ، ثُمَّ ذَكَرَ سَائِرَ الْحَدِيثِ نَحْوَهُ .
8309 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ زَيْدٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ ، قَالَ : هَؤُلَاءِ يَهُودُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا : لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا مِنَ الْيَهُودِ : إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ إِلَيْنَا وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ عَنْهُ ، سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا مِنَ الْإِفْكِ وَالْفِرْيَةِ عَلَى رَبِّهِمْ ، وَقَتْلِهِمْ أَنْبِيَاءَهُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ . وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتَلَهُمْ .
فَقَرَأَ ذَلِكَ قَرَأَةُ الْحِجَازِ وَعَامَّةُ قَرَأَةِ الْعِرَاقِ : سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا بِالنُّونِ ، وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ بِنَصْبِ الْقَتْلِ . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قَرَأَةِ الْكُوفِيِّينَ : ( سَيُكْتَبُ مَا قَالُوا وَقَتْلُهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ) بِالْيَاءِ مَنْ سَيُكْتَبُ وَبِضَمِّهَا ، وَرَفْعِ الْقَتْلِ ، عَلَى مَذْهَبِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، اعْتِبَارًا بِقِرَاءَةٍ يُذْكَرُ أَنَّهَا مِنْ قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ : وَنَقُولُ ذُوقُوا ، يُذْكَرُ أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : وَيُقَالُ . فَأَغْفَلَ قَارِئُ ذَلِكَ وَجْهَ الصَّوَابِ فِيمَا قَصَدَ إِلَيْهِ مِنْ تَأْوِيلِ الْقِرَاءَةِ الَّتِي تُنْسَبُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ ، وَخَالَفَ الْحُجَّةَ مِنْ قَرَأَةِ الْإِسْلَامِ .
وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي لِمَنْ قَرَأَ : سَيُكْتَبُ مَا قَالُوا وَقَتَلُهُمُ الْأَنْبِيَاءَ عَلَى وَجْهِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، أَنْ يَقْرَأَ : وَيُقَالُ ، لِأَنَّ قَوْلَهُ : وَنَقُولُ عَطْفٌ عَلَى قَوْلِهِ : سَنَكْتُبُ . فَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ أَنْ يُوَفَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى بِأَنْ يُقْرَآ جَمِيعًا عَلَى مَذْهَبِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، أَوْ عَلَى مَذْهَبِ مَا يُسَمَّى فَاعِلُهُ . فَأَمَّا أَنْ يَقْرَأَ أَحَدَهُمَا عَلَى مَذْهَبِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، وَالْآخِرُ عَلَى وَجْهِ مَا قَدْ سُمِّيَ فَاعِلُهُ ، مِنْ غَيْرِ مَعْنًى أَلْجَأَهُ عَلَى ذَلِكَ ، فَاخْتِيَارٌ خَارِجٌ عَنِ الْفَصِيحِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا : سَنَكْتُبُ بِالنُّونِ وَقَتْلَهُمْ بِالنَّصْبِ ، لِقَوْلِهِ : وَنَقُولُ ، وَلَوْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ فِي سَيُكْتَبُ بِالْيَاءِ وَضَمِّهَا ، لَقِيلَ : وَيُقَالُ ، عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَا . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : كَيْفَ قِيلَ : وَقَتَلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَقَدْ ذَكَرْتَ فِي الْآثَارِ الَّتِي رَوَيْتَ ، أَنَّ الَّذِينَ عُنُوا بِقَوْلِهِ : لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ بَعْضَ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ أُولَئِكَ أَحَدٌ قَتَلَ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يُدْرِكُوا نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ فَيَقْتُلُوهُ؟ قِيلَ : إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبْتَ إِلَيْهِ . وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، لِأَنَّ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهَذِهِ الْآيَةِ ، كَانُوا رَاضِينَ بِمَا فَعَلَ أَوَائِلُهُمْ مِنْ قَتْلِ مَنْ قَتَلُوا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، وَكَانُوا مِنْهُمْ وَعَلَى مِنْهَاجِهِمْ ، مِنَ اسْتِحْلَالِ ذَلِكَ وَاسْتِجَازَتِهِ .
فَأَضَافَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِعْلَ مَا فَعَلَهُ مَنْ كَانُوا عَلَى مِنْهَاجِهِ وَطَرِيقَتِهِ ، إِلَى جَمِيعِهِمْ ، إِذْ كَانُوا أَهْلَ مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ وَنِحْلَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَبِالرِّضَى مِنْ جَمِيعِهِمْ فِعْلَ مَا فَعَلَ فَاعِلُ ذَلِكَ مِنْهُمْ ، عَلَى مَا بَيَّنَّا مِنْ نَظَائِرِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ .