الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا : إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَنْ لَا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ . وَقَوْلُهُ : الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ رَدًّا عَلَى قَوْلِهِ : الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَنْ لَا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ ، أَوْصَانَا ، وَتَقَدَّمَ إِلَيْنَا فِي كُتُبِهِ وَعَلَى أَلْسُنِ أَنْبِيَائِهِ أَنْ لَا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ ، يَقُولُ : أَنْ لَا نُصَدِّقَ رَسُولًا فِيمَا يَقُولُ إِنَّهُ جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مَنْ أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ، يَقُولُ : حَتَّى يَجِيئَنَا بِقُرْبَانٍ ، وَهُوَ مَا تَقَرَّبَ بِهِ الْعَبْدُ إِلَى رَبِّهِ مِنْ صَدَقَةٍ .
وَهُوَ مَصْدَرٌ مِثْلُ الْعُدْوَانِ وَ الْخُسْرَانِ مِنْ قَوْلِكَ : قَرَّبْتُ قُرْبَانًا . وَإِنَّمَا قَالَ : تَأْكُلُهُ النَّارُ ، لِأَنَّ أَكْلَ النَّارِ مَا قَرَّبَهُ أَحَدُهُمْ لِلَّهِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ ، كَانَ دَلِيلًا عَلَى قَبُولِ اللَّهِ مِنْهُ مَا قُرِّبَ لَهُ ، وَدَلَالَةٌ عَلَى صِدْقِ الْمُقَرِّبِ فِيمَا ادَّعَى أَنَّهُ مُحِقٌّ فِيمَا نَازَعَ أَوْ قَالَ : كَمَا : - 8310 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ، كَانَ الرَّجُلُ يَتَصَدَّقُ ، فَإِذَا تُقُبِّلَ مِنْهُ ، أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَأَكَلَتْهُ . 8311 - حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ ، قَالَ : سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ ، كَانَ الرَّجُلُ إِذَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَتُقُبِّلَتْ مِنْهُ ، بَعَثَ اللَّهُ نَارًا مِنَ السَّمَاءِ فَنَزَلَتْ عَلَى الْقُرْبَانِ فَأَكَلَتْهُ .
فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : [ قُلْ ، يَا مُحَمَّدُ ، لِلْقَائِلِينَ : إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا ] أَنْ لَا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ : [ قَدْ جَاءَكُمْ ] رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ ، يَعْنِي : بِالْحُجَجِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ نُبُوَّتِهِمْ وَحَقِيقَةِ قَوْلِهِمْ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ ، يَعْنِي : وَبِالَّذِي ادَّعَيْتُمْ أَنَّهُ إِذَا جَاءَ بِهِ لَزِمَكُمْ تَصْدِيقُهُ وَالْإِقْرَارُ بِنُبُوَّتِهِ ، مِنْ أَكْلِ النَّارِ قُرْبَانَهُ إِذَا قَرَّبَ لِلَّهِ دَلَالَةً عَلَى صِدْقِهِ ، فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ، يَقُولُ لَهُ : قُلْ لَهُمْ : قَدْ جَاءَتْكُمُ الرُّسُلُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِي بِالَّذِي زَعَمْتُمْ أَنَّهُ حُجَّةٌ لَهُمْ عَلَيْكُمْ ، فَقَتَلْتُمُوهُمْ ، فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ وَأَنْتُمْ مُقِرُّونَ بِأَنَّ الَّذِي جَاءُوكُمْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ كَانَ حُجَّةً لَهُمْ عَلَيْكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي أَنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِمَنْ أَتَاكُمْ مِنْ رُسُلِهِ بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ حُجَّةً لَهُ عَلَى نُبُوَّتِهِ؟ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا أَعْلَمُ اللَّهُ عِبَادَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ : أَنَّ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَنْ يَعْدُوَا أَنْ يَكُونُوا فِي كَذِبِهِمْ عَلَى اللَّهِ وَافْتِرَائِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ وَتَكْذِيبِهِمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُمْ يَعْلَمُونَهُ صَادِقًا مُحِقًّا ، وَجُحُودِهِمْ نُبُوَّتَهُ وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي عَهْدِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَيْهِمْ أَنَّهُ رَسُولُهُ إِلَى خَلْقِهِ ، مَفْرُوضَةٌ طَاعَتَهُ إِلَّا كَمَنْ مَضَى مِنْ أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ كَانُوا يَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ بَعْدَ قَطْعِ اللَّهِ عُذْرَهُمْ بِالْحُجَجِ الَّتِي أَيَّدَهُمُ اللَّهُ بِهَا ، وَالْأَدِلَّةِ الَّتِي أَبَانَ صِدْقَهُمْ بِهَا ، افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ ، وَاسْتِخْفَافًا بِحُقُوقِهِ .