الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ مَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ ، إِلَّا لِلَّذِينِ يَعْمَلُونَ السُّوءَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ يَقُولُ : مَا اللَّهُ بِرَاجِعٍ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ إِلَى مَا يُحِبُّهُ مِنَ الْعَفْوِ عَنْهُ وَالصَّفْحِ عَنْ ذُنُوبِهِ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْهُ ، إِلَّا لِلَّذِينِ يَأْتُونَ مَا يَأْتُونَهُ مِنْ ذُنُوبِهِمْ جَهَالَةً مِنْهُمْ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ مُؤْمِنُونَ ، ثُمَّ يُرَاجِعُونَ طَاعَةَ اللَّهِ وَيَتُوبُونَ مِنْهُ إِلَى مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ النَّدَمِ عَلَيْهِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَتَرْكِ الْعَوْدِ إِلَى مِثْلِهِ مِنْ قَبْلِ نِزِولِ الْمَوْتِ بِهِمْ . وَذَلِكَ هُوَ الْقَرِيبُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فَقَالَ : ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ، غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : بِجَهَالَةٍ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي ذَلِكَ بِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِيهِ ، وَذَهَبَ إِلَى أَنَّ عَمَلَهُ السُّوءَ ، هُوَ الْجَهَالَةُ الَّتِي عَنَاهَا .
8838 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ جَاهِلٌ حَتَّى يَنْزِعَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : كُلُّ عَامِلٍ بِمَعْصِيَةٍ فَهُوَ جَاهِلٌ حِينَ عَمِلَ بِهَا قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : وَقَالَ لِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ نَحْوَهُ . 8839 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ قَالَ : الْجَهَالَةُ كُلُّ امْرِئٍ عَمِلَ شَيْئًا مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ فَهُوَ جَاهِلٌ أَبَدًا حَتَّى يَنْزِعَ عَنْهَا ، وَقَرَأَ : هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ [ سُورَةُ يُوسُفَ : 89 ] ، وَقَرَأَ : وَإِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ [ سُورَةُ يُوسُفَ : 33 ] . قَالَ : مَنْ عَصَى اللَّهَ فَهُوَ جَاهِلٌ حَتَّى يَنْزِعَ عَنْ مَعْصِيَتِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ يَعْمَلُونَ ذَلِكَ عَلَى عَمْدٍ مِنْهُمْ لَهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8840 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ قَالَ : الْجَهَالَةُ الْعَمْدُ . 8841 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ .
8842 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ قَالَ : الْجَهَالَةُ الْعَمْدُ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينِ يَعْمَلُونَ السُّوءَ فِي الدُّنْيَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8843 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَوْلَهُ : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ قَالَ : الدُّنْيَا كُلُّهَا جَهَالَةٌ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : تَأْوِيلُهَا : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينِ يَعْمَلُونَ السُّوءَ ، وَعَمَلُهُمُ السُّوءَ هُوَ الْجَهَالَةُ الَّتِي جَهِلُوهَا ، عَامِدِينَ كَانُوا لِلْإِثْمِ ، أَوْ جَاهِلِينَ بِمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهَا . وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ تَسْمِيَةُ الْعَامِدِ لِلشَّيْءِ : الْجَاهِلَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِهِ أَنَّهُ جَاهِلٌ بِقَدْرِ مَنْفَعَتِهِ وَمَضَرَّتِهِ ، فَيُقَالُ : هُوَ بِهِ جَاهِلٌ عَلَى مَعْنَى جَهْلِهِ بِمَعْنَى نَفْعِهِ وَضُرِّهِ . فَأَمَّا إِذَا كَانَ عَالِمًا بِقَدْرِ مَبْلَغِ نَفْعِهِ وَضُرِّهِ ، قَاصِدًا إِلَيْهِ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ مِنْ أَجْلِ قَصْدِهِ إِلَيْهِ أَنْ يُقَالَ هُوَ بِهِ جَاهِلٌ لِأَنَّ الْجَاهِلَ بِالشَّيْءِ هُوَ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ وَلَا يَعَرِفُهُ عِنْدَ التَّقَدُّمِ عَلَيْهِ أَوْ الَّذِي يَعْلَمُهُ ، فَيُشَبَّهُ فَاعِلُهُ ، إِذْ كَانَ خَطَأً مَا فَعَلَهُ - بِالْجَاهِلِ الَّذِي يَأْتِي الْأَمْرَ وَهُوَ بِهِ جَاهِلٌ ، فَيُخْطِئُ مَوْضِعَ الْإِصَابَةِ مِنْهُ ، فَيُقَالُ : إِنَّهُ لَجَاهِلٌ بِهِ وَإِنْ كَانَ بِهِ عَالِمًا ، لِإِتْيَانِهِ الْأَمْرَ الَّذِي لَا يَأْتِي مِثْلَهُ إِلَّا أَهْلُ الْجَهْلِ بِهِ .
وَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ : يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ قِيلَ فِيهِمْ : يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ وَإِنْ أَتَوْهُ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُمْ بِمَبْلَغِ عِقَابِ اللَّهِ أَهْلَهُ ، عَامِدِينَ إِتْيَانَهُ ، مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ بِأَنَّهُ عَلَيْهِمْ حَرَامٌ لِأَنَّ فِعْلَهُمْ ذَلِكَ كَانَ مِنَ الْأَفْعَالِ الَّتِي لَا يَأْتِي مِثْلَهُ إِلَّا مَنْ جَهِلَ عَظِيمَ عِقَابِ اللَّهِ عَلَيْهِ أَهْلَهُ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا وَآجِلِ الْآخِرَةِ ، فَقِيلَ لِمَنْ أَتَاهُ وَهُوَ بِهِ عَالِمٌ : أَتَاهُ بِجَهَالَةٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ فَعَلَ فِعْلَ الْجُهَّالِ بِهِ ، لَا أَنَّهُ كَانَ جَاهِلًا . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ مَعْنَاهُ : أَنَّهُمْ جَهِلُوا كُنْهَ مَا فِيهِ مِنَ الْعِقَابِ ، فَلَمْ يَعْلَمُوهُ كَعِلْمِ الْعَالِمِ ، وَإِنْ عَلِمُوهُ ذَنْبًا ، فَلِذَلِكَ قِيلَ : يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا قَالَ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ ، لَوَجَبَ أَنْ لَا تَكُونَ تَوْبَةٌ لِمَنْ عَلِمَ كُنْهَ مَا فِيهِ .
وَذَلِكَ أَنَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - قَالَ : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ دُونَ غَيْرِهِمْ . فَالْوَاجِبُ عَلَى صَاحِبِ هَذَا الْقَوْلِ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْعَالِمِ الَّذِي عَمِلَ سُوءًا عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ بِكُنْهِ مَا فِيهِ ، ثُمَّ تَابَ مِنْ قَرِيبٍ تَوْبَةً ، وَذَلِكَ خِلَافُ الثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مِنْ أَنَّ كُلَّ تَائِبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِ وَقَوْلِهِ : بَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ مَا لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا وَخِلَافُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا [ سُورَةُ الْفُرْقَانِ : 70 ] . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى : الْقَرِيبِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : ثُمَّ يَتُوبُونَ فِي صِحَّتِهِمْ قَبْلَ مَرَضِهِمْ وَقَبْلَ مَوْتِهِمْ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8844 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ وَالْقَرِيبُ قَبْلَ الْمَوْتِ مَا دَامَ فِي صِحَّتِهِ . 8845 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، عَنْ أَبِي النَّضْرِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ قَالَ : فِي الْحَيَاةِ وَالصِّحَّةِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَبْلِ مُعَايَنَةِ مَلَكِ الْمَوْتِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 8846 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ وَالْقَرِيبُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَبْلِ الْمَوْتِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8850 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ ، ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ قَالَ : كُلُّ شَيْءٍ قَبْلَ الْمَوْتِ فَهُوَ قَرِيبٌ . 8851 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ : ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ قَالَ : الدُّنْيَا كُلُّهَا قَرِيبٌ .
8852 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ قَبْلَ الْمَوْتِ . 8853 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ إِبْلِيسَ لَمَّا لُعِنَ وَأُنْظِرَ ، قَالَ : وَعِزَّتِكَ لَا أَخْرُجُ مِنْ قَلْبِ ابْنِ آدَمَ مَا دَامَ فِيهِ الرُّوحُ . فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَعِزَّتِي لَا أَمْنَعُهُ التَّوْبَةَ مَا دَامَ فِيهِ الرُّوحُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ : تَأْوِيلُهُ : ثُمَّ يَتُوبُونَ قَبْلَ مَمَاتِهِمْ ، فِي الْحَالِ الَّتِي يَفْهَمُونَ فِيهَا أَمْرَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَنَهْيَهُ ، وَقَبْلَ أَنْ يُغْلَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَعُقُولِهِمْ ، وَقَبْلَ حَالِ اشْتِغَالِهِمْ بِكَرْبِ الْحَشْرَجَةِ وَغَمِّ الْغَرْغَرَةِ ، فَلَا يَعْرِفُوا أَمْرَ اللَّهِ وَنَهْيَهُ ، وَلَا يَعْقِلُوا التَّوْبَةَ ، لِأَنَّ التَّوْبَةَ لَا تَكُونُ تَوْبَةً إِلَّا مِنْ نَدَمٍ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُ ، وَعَزْمٍ مِنْهُ عَلَى تَرْكِ الْمُعَاوَدَةِ ، وَهُوَ يَعْقِلُ النَّدَمَ ، وَيَخْتَارُ تَرْكَ الْمُعَاوَدَةِ : فَأَمَّا إِذَا كَانَ بِكَرْبِ الْمَوْتِ مَشْغُولًا وَبِغَمِّ الْحَشْرَجَةِ مَغْمُورًا ، فَلَا إِخَالُهُ إِلَّا عَنِ النَّدَمِ عَلَى ذُنُوبِهِ مَغْلُوبًا . وَلِذَلِكَ قَالَ مَنْ قَالَ : إِنَّ التَّوِبَةَ مَقْبُولَةٌ ، مَا لَمْ يُغَرْغِرِ الْعَبْدُ بِنَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ الْمَرْءُ فِي تِلْكَ الْحَالِ يَعْقِلُ عَقْلَ الصَّحِيحِ ، وَيَفْهَمُ فَهْمَ الْعَاقِلِ الْأَرِيبِ ، فَأَحْدَثَ إِنَابَةً مِنْ ذُنُوبِهِ ، وَرَجْعَةً مِنْ شُرُودِهِ عَنْ رَبِّهِ إِلَى طَاعَتِهِ ، كَانَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِمَّنْ دَخَلَ فِي وَعْدِ اللَّهِ الَّذِي وَعَدَ التَّائِبِينَ إِلَيْهِ مِنْ إِجْرَامِهِمْ مِنْ قَرِيبٍ بِقَوْلِهِ : إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ( 17 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : فَأُولَئِكَ فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ دُونَ مَنْ لَمْ يَتُبْ حَتَّى غُلِبَ عَلَى عَقْلِهِ ، وَغَمَرَتْهُ حَشْرَجَةُ مِيتَتِهِ ، فَقَالَ وَهُوَ لَا يَفْقَهُ مَا يَقُولُ : إِنِّي تُبْتُ الْآنَ خِدَاعًا لِرَبِّهِ ، وَنِفَاقًا فِي دِينِهِ . وَمَعْنَى قَوْلِهِ : يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ يَرْزُقُهُمْ إِنَابَةً إِلَى طَاعَتِهِ ، وَيَتَقَبَّلُ مِنْهُمْ أَوْبَتَهُمْ إِلَيْهِ وَتَوْبَتَهُمُ الَّتِي أَحْدَثُوهَا مِنْ ذُنُوبِهِمْ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - عَلِيمًا بِالنَّاسِ مِنْ عِبَادِهِ الْمُنِيبِينَ إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ ، بَعْدَ إِدْبَارِهِمْ عَنْهُ ، الْمُقْبِلِينَ إِلَيْهِ بَعْدَ التَّوْلِيَةِ ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ خَلْقِهِ حَكِيمًا فِي تَوْبَتِهِ عَلَى مَنْ تَابَ مِنْهُمْ مِنْ مَعْصِيَتِهِ ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ تَدْبِيرِهِ وَتَقْدِيرِهِ ، وَلَا يَدْخُلُ أَفْعَالَهُ خَلَلٌ ، وَلَا يُخَالِطُهُ خَطَأٌ وَلَا زَلَلٌ .