الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ "
) ) يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ وَلِكُلِّكُمْ ، أَيُّهَا النَّاسُ جَعَلْنَا مَوَالِيَ يَقُولُ : وَرَثَةٌ مِنْ بَنِي عَمِّهِ وَإِخْوَتِهِ وَسَائِرِ عَصَبَتِهِ غَيْرِهِمْ . وَالْعَرَبُ تُسَمِّي ابْنَ الْعَمِّ الْمَوْلَى وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : وَمَوْلًى رَمَيْنَا حَوْلَهُ وَهُوَ مُدْغِلٌ بِأَعْرَاضِنَا وَالْمُنْدِيَاتِ سَرُوعُ يَعْنِي بِذَلِكَ : وَابْنِ عَمٍّ رَمَيْنَا حَوْلَهُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ : مَهْلًا بَنِي عَمِّنَا مَهْلًا مَوَالِينَا لَا تُظْهِرُنَّ لَنَا مَا كَانَ مَدْفُونَا وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9258 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ قَالَ : حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ قَالَ : وَرَثَةً .
9265 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ قَالَ : الْمَوَالِي : الْعَصَبَةُ . هُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْمَوَالِيَ ، فَلَمَّا دَخَلَتِ الْعَجَمُ عَلَى الْعَرَبِ لَمْ يَجِدُوا لَهُمُ اسْمًا ، فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ [ سُورَةُ الْأَحْزَابِ : 5 ] ، فَسُمُّوا : الْمَوَالِيَ قَالَ : وَ الْمَوْلَى الْيَوْمَ مَوْلَيَانِ : مَوْلًى يَرِثُ وَيُورَثُ ، فَهَؤُلَاءِ ذَوُو الْأَرْحَامِ - وَمَوْلًى يُورَثُ وَلَا يَرِثُ ، فَهَؤُلَاءِ الْعَتَاقَةُ . وَقَالَ : أَلَا تَرَوْنَ قَوْلَ زَكَرِيَّا : وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي [ سُورَةُ مَرْيَمَ : 5 ] ؟ فَالْمَوَالِي هَاهُنَا الْوَرَثَةُ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا تَرَكَهُ وَالِدُهُ وَأَقْرِبَاؤُهُ مِنَ الْمِيرَاثِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَلِكُلِّكُمْ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، جَعَلْنَا عَصْبَةً يَرِثُونَ بِهِ مِمَّا تَرَكَ وَالِدُهُ وَأَقْرِبَاؤُهُ مِنْ مِيرَاثِهِمْ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ .
فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ، بِمَعْنَى : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمُ الْحِلْفَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ . وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ قَرَأَةِ الْكُوفِيِّينَ . وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ : وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُم بِمَعْنَى : وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ وَأَيْمَانُهُمُ الْحِلْفَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالَّذِي نَقُولُ بِهِ فِي ذَلِكَ : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قَرَأَةِ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . وَفِي دَلَالَةِ قَوْلِهِ : أَيْمَانُكُمْ عَلَى أَنَّهَا أَيْمَانُ الْعَاقِدِينَ وَالْمَعْقُودِ عَلَيْهِمُ الْحِلْفُ - مُسْتَغْنًى عَنِ الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ بِقِرَاءَةِ قَوْلِهِ : عَقَدَتْ عَاقَدَتْ . وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ : عَاقَدَتْ قَالُوا : لَا يَكُونُ عَقْدُ الْحِلْفِ إِلَّا مِنْ فَرِيقَيْنِ ، وَلَا بُدَّ لَنَا مِنْ دَلَالَةٍ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ .
وَأَغْفَلُوا مَوْضِعَ دَلَالَةِ قَوْلِهِ : أَيْمَانُكُمْ عَلَى أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَيْمَانُكُمْ وَأَيْمَانُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِمْ ، وَأَنَّ الْعَقْدَ إِنَّمَا هُوَ صِفَةٌ لِلْأَيْمَانِ دُونَ الْعَاقِدِينَ الْحِلْفَ ، حَتَّى زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ : عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَالْكَلَامُ مُحْتَاجٌ إِلَى ضَمِيرِ صِفَةٍ تَقِي الْكَلَامَ ، حَتَّى يَكُونَ الْكَلَامُ مَعْنَاهُ : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ لَهُمْ أَيْمَانُكُمْ ذَهَابًا مِنْهُ عَنِ الْوَجْهِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، مِنْ أَنَّ الْأَيْمَانَ مَعْنِيٌّ بِهَا أَيْمَانُ الْفَرِيقَيْنِ . وَأَمَّا عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَإِنَّهُ فِي تَأْوِيلِ : عَاقَدَتْ أَيْمَانُ هَؤُلَاءِ أَيْمَانَ هَؤُلَاءِ - الْحِلْفَ . فَهُمَا مُتَقَارِبَانِ فِي الْمَعْنَى ، وَإِنْ كَانَتْ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ : عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ بِغَيْرِ أَلْفٍ - أَصَحَّ مَعْنًى مِنْ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَهُ : عَاقَدَتْ ؛ لِلَّذِي ذَكَرْنَا مِنَ الدَّلَالَةِ الْمُغْنِيَةِ فِي صِفَةِ الْأَيْمَانِ بِالْعَقْدِ ، عَلَى أَنَّهَا أَيْمَانُ الْفَرِيقَيْنِ مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى ذَلِكَ بِغَيْرِهِ .
وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ : عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَإِنَّهُ : وَصَلَتْ وَشَدَّتْ وَوَكِّدَتْ أَيْمَانُكُمْ يَعْنِي : مَوَاثِيقُكُمُ الَّتِي وَاثَقَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى النَّصِيبِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ أَهْلَ الْحِلْفِ أَنْ يُؤْتِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْإِسْلَامِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ نَصِيبُهُ مِنَ الْمِيرَاثِ ؛ لِأَنَّهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانُوا يَتَوَارَثُونَ ، فَأَوْجَبَ اللَّهُ فِي الْإِسْلَامِ مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِذَلِكَ الْحِلْفِ ، وَبِمِثْلِهِ فِي الْإِسْلَامِ - مِنَ الْمُوَارَثَةِ مِثْلَ الَّذِي كَانَ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ . ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِمَا فَرَضَ مِنَ الْفَرَائِضِ لِذَوِي الْأَرْحَامِ وَالْقَرَابَاتِ .
فأنَزَلَ اللَّهُ : وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا [ سُورَةُ الْأَحْزَابِ : 6 ] ، يَقُولُ : إِلَّا أَنْ يُوصُوا لِأَوْلِيَائِهِمُ الَّذِينَ عَاقَدُوا - وَصِيَّةً ، فَهُوَ لَهُمْ جَائِزٌ مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ . وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْرُوفُ . 9269 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا كَانَ الرَّجُلُ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَيَقُولُ : دَمِي دَمُكَ ، وَهَدَمِي هَدَمُكَ ، وَتَرِثُنِي وَأَرِثُكَ ، وَتَطْلُبُ بِي وَأَطْلُبُ بِكَ .
فَجُعِلَ لَهُ السُّدُسُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ فِي الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ يَقْسِمُ أَهْلُ الْمِيرَاثِ مِيرَاثَهُمْ . فَنُسِخَ ذَلِكَ بَعْدُ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ فَقَالَ اللَّهُ : وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ [ سُورَةُ الْأَنْفَالِ : 6 ] . 9270 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُم قَالَ : كَانَ الرَّجُلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ فَيَقُولُ : دَمِي دَمُكَ ، وَتَرِثُنِي وَأَرِثُكَ ، وَتَطْلُبُ بِي وَأَطْلُبُ بِكَ .
فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ بَقِيَ مِنْهُمْ نَاسٌ ، فَأُمِرُوا أَنْ يُؤْتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنَ الْمِيرَاثِ ، وَهُوَ السُّدُسُ ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالْمِيرَاثِ ، فَقَالَ : وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ . 9271 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمُنْهَالِ قَالَ : حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : سَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ ، فِي قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يُعَاقِدُ الرَّجُلَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَيَقُولُ : هَدَمِي هَدَمُكَ وَدَمِي دَمُكَ ، وَتَرِثُنِي وَأَرِثُكَ ، وَتَطْلُبُ بِي وَأَطْلُبُ بِكَ فَجُعِلَ لَهُ السُّدُسُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ ، ثُمَّ يَقْتَسِمُ أَهْلُ الْمِيرَاثِ مِيرَاثَهُمْ . فَنُسِخَ ذَلِكَ بَعْدُ فِي الْأَنْفَالِ فَقَالَ : وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَصَارَتِ الْمَوَارِيثُ لِذَوِي الْأَرْحَامِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الَّذِينَ آخَى بَيْنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، فَكَانَ بَعْضُهُمْ يَرِثُ بَعْضًا بِتِلْكَ الْمُؤَاخَاةِ ، ثُمَّ نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِالْفَرَائِضِ ، وَبِقَوْلِهِ : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9275 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا إِدْرِيسُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ : حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُم قَالَ : كَانَ الْمُهَاجِرُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ ، يَرِثُ الْمُهَاجِرِيُّ الْأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمَهُ ، لِلْأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَهُمْ . فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ نُسِخَتْ . 9276 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُم الَّذِينَ عَقَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِذَا لَمْ يَأْتِ رَحِمٌ تَحُولُ بَيْنَهُمْ .
قَالَ : وَهُوَ لَا يَكُونُ الْيَوْمَ ، إِنَّمَا كَانَ فِي نَفَرٍ آخَى بَيْنَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَانْقَطَعَ ذَلِكَ . وَلَا يَكُونُ هَذَا لِأَحَدٍ إِلَّا لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ آخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، وَالْيَوْمَ لَا يُؤَاخَى بَيْنَ أَحَدٍ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَهْلِ الْعَقْدِ بِالْحِلْفِ ، وَلَكِنَّهُمْ أُمِرُوا أَنْ يُؤْتِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَنْصِبَاءَهُمْ مِنَ النُّصْرَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ، دُونَ الْمِيرَاثِ .
قَالَ : فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ قَالَ : الْعَقْلُ وَالنَّصْرُ . 9283 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ قَالَ : لَهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ النَّصْرِ وَالرِّفَادَةِ وَالْعَقْلِ . 9284 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ نَحْوَهُ .
فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ سَأَلُوا عَنْهُ ، وَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُشَدِّدَهُ . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَمْ يَزِدِ الْإِسْلَامُ الْحُلَفَاءَ إِلَّا شِدَّةً . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَبَنَّوْنَ أَبْنَاءَ غَيْرِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَأُمِرُوا فِي الْإِسْلَامِ أَنْ يُوصُوا لَهُمْ عِنْدَ الْمَوْتِ وَصِيَّةً .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9288 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : أَنَّ اللَّهَ قَالَ : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ : إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَبَنَّوْنَ رِجَالًا غَيْرَ أَبْنَائِهِمْ وَيُوَرِّثُونَهُمْ ، فأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ ، فَجَعَلَ لَهُمْ نَصِيبًا فِي الْوَصِيَّةِ ، وَرَدَّ الْمِيرَاثَ إِلَى الْمَوَالِي فِي ذِي الرَّحِمِ وَالْعَصَبَةِ ، وَأَبَى اللَّهُ لِلْمُدَّعِيْنَ مِيرَاثًا مِمَّنِ ادَّعَاهُمْ وَتَبَنَّاهُمْ ، وَلَكُنَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهُمْ نَصِيبًا فِي الْوَصِيَّةِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ قَوْلُ مَنْ قَالَ : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ عَلَى الْمُحَالَفَةِ ، وَهُمُ الْحُلَفَاءُ . وَذَلِكَ أَنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِأَيَّامِ الْعَرَبِ وَأَخْبَارِهَا - أَنَّ عَقْدَ الْحِلْفِ بَيْنَهَا كَانَ يَكُونُ بِالْأَيْمَانِ وَالْعُهُودِ وَالْمَوَاثِيقِ ، عَلَى نَحْوِ مَا قَدْ ذَكَرْنَا مِنَ الرِّوَايَةِ فِي ذَلِكَ .
فَإِذْ كَانَ اللَّهُ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - إِنَّمَا وَصَفَ الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُهُمْ مَا عَقَدُوهُ بِهَا بَيْنَهُمْ ، دُونَ مَنْ لَمْ تَعْقِدْ عَقْدًا بَيْنَهُمْ أَيْمَانُهُمْ ، وَكَانَتْ مُؤَاخَاةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ مَنْ آخَى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ ، وَكَذَلِكَ التَّبَنِّي - كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الصَّوَابَ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : هُوَ الْحِلْفُ دُونَ غَيْرِهِ ؛ لِمَا وَصَفْنَاهُ مِنَ الْعِلَّةِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ فَإِنَّ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِهِ ، مَا عَلَيْهِ الْجَمِيعُ مُجْمِعُونَ مِنْ حُكْمِهِ الثَّابِتِ ، وَذَلِكَ إِيتَاءُ أَهْلِ الْحِلْفِ الَّذِي كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ دُونَ الْإِسْلَامِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَنْصِبَاءَهُمْ مِنَ النُّصْرَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَالرَّأْيِ ، دُونَ الْمِيرَاثِ . وَذَلِكَ لِصِحَّةِ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَمَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَلَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً .
9289 - حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا وَكِيعٌ ، عَنْ شَرِيكٍ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . 9290 - وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُصْعَبُ بْنُ الْمِقْدَامِ ، عَنْ إِسْرَائِيلَ بْنِ يُونُسَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ ، وَكُلُّ حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً . وَمَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ ، وَأَنَّى نَقَضْتُ الْحِلْفَ الَّذِي كَانَ فِي دَارِ النَّدْوَةِ .
وَأَنَا غُلَامٌ مَعَ عُمُومَتِي ، فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ وَأَنِّي أَنْكُثُهُ . زَادَ يَعْقُوبُ فِي حَدِيثِهِ عَنِ ابْنِ عُلَيَّةَ ، قَالَ : وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لَمْ يُصِبِ الْإِسْلَامُ حِلْفًا إِلَّا زَادَهُ شِدَّةً . قَالَ : وَلَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ .
قَالَ : وَقَدْ أَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ . 9297 - حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ ، قَامَ خَطِيبًا فِي النَّاسِ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، مَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَمْ يَزِدْهُ إِلَّا شَدَّةً ، وَلَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ . 9298 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوَهُ .
9299 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ : حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مُخَلَّدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَحْوَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِذْ كَانَ مَا ذَكَرَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَحِيحًا ، وَكَانَتِ الْآيَةُ إِذَا اخْتُلِفَ فِي حُكْمِهَا : مَنْسُوخٌ هُوَ أَمْ غَيْرُ مَنْسُوخٍ - غَيْرُ جَائِزٍ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ - مَعَ اخْتِلَافِ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهِ ، وَلِوُجُوبِ حُكْمِهَا وَنَفْيِ النَّسْخِ عَنْهُ وَجْهٌ صَحِيحٌ - إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا ، لِمَا قَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كُتُبِنَا الدَّلَالَةَ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِذَلِكَ - فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ الصَّحِيحُ مِنَ الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ هُوَ مَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّأْوِيلِ ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ : عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنَ الْحِلْفِ ، وَقَوْلُهُ : فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ مِنَ النُّصْرَةِ وَالْمَعُونَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَالرَّأْيِ ، عَلَى مَا أَمَرَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ - رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْأَخْبَارِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْهُ دُونَ قَوْلِ مَنْ قَالَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ، مِنَ الْمِيرَاثِ وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ حُكْمًا ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ : وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَدُونَ مَا سِوَى الْقَوْلِ الَّذِي قُلْنَاهُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ . وَإِذْ صَحَّ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ ، وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ مُحْكَمَةً لَا مَنْسُوخَةً .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا ( 33 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : فَآتُوا الَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ نَصِيبَهُمْ مِنَ النُّصْرَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَالرَّأْيِ ، فَإِنَّ اللَّهَ شَاهِدٌ عَلَى مَا تَفْعَلُونَ مِنْ ذَلِكَ ، وَعَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَفْعَالِكُمْ ، مُرَاعٍ لِكُلِّ ذَلِكَ ، حَافِظٌ ، حَتَّى يُجَازِيَ جَمِيعَكُمْ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ جَزَاءَهُ ، أَمَّا الْمُحْسِنُ مِنْكُمُ الْمُتَّبِعُ أَمْرِي وَطَاعَتِي فَبِالْحُسْنَى ، وَأَمَّا الْمُسِيءُ مِنْكُمُ الْمُخَالِفُ أَمْرِي وَنَهْيِي فَبِالسُّوأَى . وَمَعْنَى قَوْلِهِ : شَهِيدًا ذُو شَهَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ .