الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ الرِّجَالُ أَهْلُ قِيَامٍ عَلَى نِسَائِهِمْ ، فِي تَأْدِيبِهِنَّ وَالْأَخْذِ عَلَى أَيْدِيهِنَّ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ لِلَّهِ وَلِأَنْفُسِهِمْ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَعْنِي : بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ الرِّجَالَ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ مِنْ سَوْقِهِمْ إِلَيْهِنَّ مُهُورَهُنَّ ، وَإِنْفَاقِهِمْ عَلَيْهِنَّ أَمْوَالَهُمْ ، وَكِفَايَتِهِمْ إِيَّاهُنَّ مُؤَنَهُنَّ . وَذَلِكَ تَفْضِيلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِيَّاهُمْ عَلَيْهِنَّ ، وَلِذَلِكَ صَارُوا قُوَّامًا عَلَيْهِنَّ ، نَافِذِي الْأَمْرِ عَلَيْهِنَّ فِيمَا جَعَلَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ مِنْ أُمُورِهِنَّ . وَبِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9300 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ يَعْنِي : أُمَرَاءُ ، عَلَيْهَا أَنْ تُطِيعَهُ فِيمَا أَمَرَهَا اللَّهُ بِهِ مِنْ طَاعَتِهِ ، وَطَاعَتُهُ : أَنْ تَكُونَ مُحْسِنَةً إِلَى أَهْلِهِ ، حَافِظَةً لِمَالِهِ . وَفَضَّلَهُ عَلَيْهَا بِنَفَقَتِهِ وَسَعْيِهِ . 9301 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو زُهَيْرٍ ، عَنْ جُوَيْبِرٍ ، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ : الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَقُولُ : الرَّجُلُ قَائِمٌ عَلَى الْمَرْأَةِ ، يَأْمُرُهَا بِطَاعَةِ اللَّهِ ، فَإِنْ أَبَتْ فَلَهُ أَنْ يَضْرِبَهَا ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ ، وَلَهُ عَلَيْهَا الْفَضْلُ بِنَفَقَتِهِ وَسَعْيِهِ .
9302 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ قَالَ : يَأْخُذُونَ عَلَى أَيْدِيهِنَّ وَيُؤَدِّبُونَهُنَّ . 9303 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ قَالَ : بِتَفْضِيلِ اللَّهِ الرِّجَالَ عَلَى النِّسَاءِ . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ لَطَمَ امْرَأَتَهُ ، فَخُوصِمَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ ، فَقَضَى لَهَا بِالْقِصَاصِ .
فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ ، نَزَلَتِ الْآيَةُ . 9309 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : أَمَّا الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ فَإِنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ كَلَامٌ فَلَطَمَهَا ، فَانْطَلَقَ أَهْلُهَا ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَخْبَرَهُمُ : الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ الْآيَةَ . وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يَقُولُ : لَيْسَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ قِصَاصٌ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ .
9313 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ : وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِمَا سَاقُوا مِنَ الْمَهْرِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إذًا : الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى نِسَائِهِمْ ، بِتَفْضِيلِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَلَيْهِنَّ ، وَبِإِنْفَاقِهِمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ أَمْوَالِهِمْ . وَ مَا الَّتِي فِي قَوْلِهِ : بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ وَالَّتِي فِي قَوْلِهِ : وَبِمَا أَنْفَقُوا فِي مَعْنَى الْمَصْدَرِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْقُنُوتِ فِيمَا مَضَى ، وَأَنَّهُ الطَّاعَةُ ، وَدَلَّلْنَا عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ مِنَ الشَّوَاهِدِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ فَإِنَّهُ يَعْنِي : حَافِظَاتٌ لِأَنْفُسِهِنَّ عِنْدَ غَيْبَةِ أَزْوَاجِهِنَّ عَنْهُنَّ ، فِي فُرُوجِهِنَّ وَأَمْوَالِهِمْ ، وَلِلْوَاجِبِ عَلَيْهِنَّ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ كَمَا : 9323 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ يَقُولُ : حَافِظَاتٌ لِمَا اسْتَوْدَعَهُنَّ اللَّهُ مِنْ حَقِّهِ ، وَحَافِظَاتٌ لِغَيْبِ أَزْوَاجِهِنَّ . 9324 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ يَقُولُ : تَحَفَظُ عَلَى زَوْجِهَا مَالَهُ وَفَرْجَهَا حَتَّى يَرْجِعَ ، كَمَا أَمَرَهَا اللَّهُ .
9328 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : خَيْرُ النِّسَاءِ امْرَأَةٌ إِذَا نَظَرْتَ إِلَيْهَا سَرَّتْكَ ، وَإِذَا أَمَرْتَهَا أَطَاعَتْكَ ، وَإِذَا غِبْتَ عَنْهَا حَفِظَتْكَ فِي نَفْسِهَا وَمَالِكَ . قَالَ : ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ الْآيَةَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ : صَالِحَاتٌ فِي أَدْيَانِهِنَّ ، مُطِيعَاتٌ لِأَزْوَاجِهِنَّ ، حَافِظَاتٌ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِنَّ وَأَمْوَالِهِمْ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : بِمَا حَفِظَ اللَّهُ فَإِنَّ الْقَرَأَةَ اخْتَلَفَتْ فِي قِرَاءَتِهِ . فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ الْقَرَأَةِ فِي جَمِيعِ أَمْصَارِ الْإِسْلَامِ : بِمَا حَفِظَ اللَّهُ بِرَفْعِ اسْمِ اللَّهِ عَلَى مَعْنَى : بِحِفْظِ اللَّهِ إِيَّاهُنَّ إِذْ صَيَّرَهُنَّ كَذَلِكَ ، كَمَا : 9329 - حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ سَأَلْتُ عَطَاءً عَنْ قَوْلِهِ : بِمَا حَفِظَ اللَّهُ قَالَ : يَقُولُ : حَفِظَهُنَّ اللَّهُ . 9330 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ : سَمِعْتُ سُفْيَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ : بِمَا حَفِظَ اللَّهُ قَالَ : بِحِفْظِ اللَّهِ إِيَّاهَ أَنَّهُ جَعَلَهَا كَذَلِكَ .
وَقَرَأَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَرٍ يَزِيدُ بْنُ الْقَعْقَاعِ الْمَدَنِيُّ بِمَا حَفِظَ اللَّهَ يَعْنِي : بِحِفْظِهِنَّ اللَّهَ فِي طَاعَتِهِ وَأَدَاءِ حَقِّهِ بِمَا أَمَرَهُنَّ مِنْ حِفْظِ غَيْبِ أَزْوَاجِهِنَّ ، كَقَوْلِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ : مَا حَفِظْتَ اللَّهَ فِي كَذَا وَكَذَا بِمَعْنَى : مَا رَاقَبْتَهُ وَلَا خِفْتَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ - مَا جَاءَتْ بِهِ قَرَأَةُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْقِرَاءَةِ مَجِيئًا يَقْطَعُ عُذْرَ مَنْ بَلَغَهُ وَيُثَبِّتُ عَلَيْهُ حُجَّتَهُ ، دُونَ مَا انْفَرَدَ بِهِ أَبُو جَعْفَرٍ فَشَذَّ عَنْهُمْ . وَتِلْكَ الْقِرَاءَةُ تَرْفَعُ اسْمَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : بِمَا حَفِظَ اللَّهُ مَعَ صِحَّةِ ذَلِكَ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ ، وَقُبْحِ نَصْبِهِ فِي الْعَرَبِيَّةِ ؛ لِخُرُوجِهِ عَنِ الْمَعْرُوفِ مِنْ مَنْطِقِ الْعَرَبِ .
وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَحْذِفُ الْفَاعِلَ مَعَ الْمَصَادِرِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْفَاعِلَ إِذَا حُذِفَ مَعَهَا لَمْ يَكُنْ لِلْفِعْلِ صَاحِبٌ مَعْرُوفٌ . وَفِي الْكَلَامِ مَتْرُوكٌ ، اسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ الظَّاهِرِ مِنَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ مِنْ ذِكْرِهِ ، وَمَعْنَاهُ : فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ، فَأَحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ وَأَصْلِحُوا . وَكَذَلِكَ هُوَ فِيمَا ذُكِرَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ .
9334 - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ يَعْنِي : إِذَا كُنَّ هَكَذَا ، فَأَصْلِحُوا إِلَيْهِنَّ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَاهُ : وَاللَّاتِي تَعْلَمُونَ نُشُوزَهُنَّ . وَوَجْهُ صَرْفِ الْخَوْفِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِلَى الْعِلْمِ فِي قَوْلِ هَؤُلَاءِ - نَظِيرُ صَرْفِ الظَّنِّ إِلَى الْعِلْمِ ؛ لِتَقَارُبِ مَعْنَيَيْهِمَا ، إِذْ كَانَ الظَّنُّ شَكًّا ، وَكَانَ الْخَوْفُ مَقْرُونًا بِرَجَاءٍ ، وَكَانَا جَمِيعًا مِنْ فِعْلِ الْمَرْءِ بِقَلْبِهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : وَلَا تَدْفِنَنِّي فِي الْفَلَاةِ فَإِنَّنِي أَخَافُ إِذَا مَا مِتُّ أَنْ لَا أَذُوقَهَا مَعْنَاهُ : فَإِنَّنِي أَعْلَمُ ، وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ : أَتَانِي كَلَامٌ عَنْ نُصَيْبٍ يَقُولُهُ وَمَا خِفْتُ يَا سَلَّامُ أَنَّكَ عَائِبِي بِمَعْنَى : وَمَا ظَنَنْتُ .
وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ : مَعْنَى الْخَوْفِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ - الْخَوْفُ الَّذِي هُوَ خِلَافُ الرَّجَاءِ . قَالُوا : مَعْنَى ذَلِكَ : إِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُنَّ مَا تَخَافُونَ أَنْ يَنْشُزْنَ عَلَيْكُمْ مِنْ نَظَرٍ إِلَى مَا لَا يَنْبَغِي لَهُنَّ أَنْ يَنْظُرْنَ إِلَيْهِ ، وَيَدْخُلْنَ وَيَخْرُجْنَ ، وَاسْتَرَبْتُمْ بِأَمْرِهِنَّ ، فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : نُشُوزَهُنَّ فَإِنَّهُ يَعْنِي : اسْتِعْلَاءَهُنَّ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ ، وَارْتِفَاعَهُنَّ عَنْ فُرُشِهِمْ بِالْمَعْصِيَةِ مِنْهُنَّ ، وَالْخِلَافَ عَلَيْهِمْ فِيمَا لَزِمَهُنَّ طَاعَتُهُمْ فِيهِ ، بُغْضًا مِنْهُنَّ وَإِعْرَاضًا عَنْهُمْ . وَأَصْلُ النُّشُوزِ الِارْتِفَاعُ . وَمِنْهُ قِيلَ لِلْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ مِنَ الْأَرْضِ : نَشْزٌ وَ نَشَازٌ .
فَعِظُوهُنَّ يَقُولُ : ذَكِّرُوهُنَّ اللَّهَ ، وَخَوِّفُوهُنَّ وَعِيدَهُ فِي رُكُوبِهَا مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهَا مِنْ مَعْصِيَةِ زَوْجِهَا فِيمَا أَوْجَبَ عَلَيْهَا طَاعَتَهُ فِيهِ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ : النُّشُوزُ الْبُغْضُ وَمَعْصِيَةُ الزَّوْجِ .
9335 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ قَالَ : بُغْضَهُنَّ . 9336 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ قَالَ : الَّتِي تَخَافُ مَعْصِيَتَهَا . قَالَ : النُّشُوزُ مَعْصِيَتُهُ وَخِلَافُهُ .
9337 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ تِلْكَ الْمَرْأَةُ تَنْشُزُ ، وَتَسْتَخِفُّ بِحَقِّ زَوْجِهَا وَلَا تُطِيعُ أَمْرَهُ . 9338 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا رَوْحٌ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ عَطَاءٌ : النُّشُوزُ أَنْ تُحِبَّ فِرَاقَهُ ، وَالرَّجُلُ كَذَلِكَ . ذِكْرُ الرِّوَايَةِ عَمَّنْ قَالَ مَا قُلْنَا فِي قَوْلِهِ : فَعِظُوهُنَّ .
9339 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَعِظُوهُنَّ يَعْنِي : عِظُوهُنَّ بِكِتَابِ اللَّهِ . قَالَ : أَمَرَهُ اللَّهُ إِذَا نَشَزَتْ أَنْ يَعِظَهَا وَيُذَكِّرَهَا اللَّهَ ، وَيُعَظِّمَ حَقَّهُ عَلَيْهَا . 9340 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ قَالَ : إِذَا نَشَزَتِ الْمَرْأَةُ عَنْ فِرَاشِ زَوْجِهَا يَقُولُ لَهَا : اتَّقِي اللَّهَ وَارْجِعِي إِلَى فِرَاشِكِ ! فَإِنْ أَطَاعَتْهُ ، فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا .
9341 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : إِذَا نَشَزَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا فَلْيَعِظْهَا بِلِسَانِهِ . يَقُولُ : يَأْمُرُهَا بِتَقْوَى اللَّهِ وَطَاعَتِهِ . 9342 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ : إِذَا رَأَى الرَّجُلُ خِفَّةً فِي بَصَرِهَا وَمَدْخَلِهَا وَمَخْرَجِهَا قَالَ : يَقُولُ لَهَا بِلِسَانِهِ : قَدْ رَأَيْتُ مِنْكِ كَذَا وَكَذَا فَانْتَهِي .
فَإِنْ أَعْتَبَتْ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا . وَإِنْ أَبَتْ هَجَرَ مَضْجَعَهَا . 9343 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ : أَخْبَرَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : فَعِظُوهُنَّ قَالَ : إِذَا نَشَزَتِ الْمَرْأَةُ عَنْ فِرَاشِ زَوْجِهَا فَإِنَّهُ يَقُولُ لَهَا : اتَّقِي اللَّهَ وَارْجِعِي .
وَمِنْهُ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ رَمَى فَأَخْطَأَ وَالْأَقْدَارُ غَالِبَةٌ فَانْصَعْنَ وَالْوَيْلُ هِجِّيرَاهُ وَالْحَرَبُ وَالثَّالِثُ هَجْرُ الْبَعِيرِ إِذَا رَبَطَهُ صَاحِبُهُ بِ الْهِجَارِ وَهُوَ حَبْلٌ يُرْبَطُ فِي حَقْوَيْهَا وَرُسْغِهَا وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ رَأَتْ هَلَكًا بِنِجَافِ الْغَبِيطِ فَكَادَتْ تَجِدُّ لِذَاكَ الْهِجَارَا فَأَمَّا الْقَوْلُ الَّذِي فِيهِ الْغِلْظَةُ وَالْأَذَى فَإِنَّمَا هُوَ الْإِهْجَارُ وَيُقَالُ مِنْهُ أَهْجَرَ فُلَانٌ فِي مَنْطِقِهِ إِذَا قَالَ الْهُجْرَ وَهُوَ الْفُحْشُ مِنَ الْكَلَامِ يُهْجِرُ إِهْجَارًا وَهُجْرًا . فَإِذْ كَانَ لَا وَجْهَ لِ الْهَجْرِ فِي الْكَلَامِ إِلَّا أَحَدُ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ ، وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ الْمُخَوَّفُ نُشُوزُهَا إِنَّمَا أُمِرَ زَوْجُهَا بِوَعْظِهَا لِتُنِيبَ إِلَى طَاعَتِهِ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهَا لَهُ مِنْ مُوَافَاتِهِ عِنْدَ دُعَائِهِ إِيَّاهَا إِلَى فِرَاشِهِ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تَكُونَ عِظَتُهُ لِذَلِكَ حَتَّى تَفِيءَ الْمَرْأَةُ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ وَطَاعَةِ زَوْجِهَا فِي ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ الزَّوْجُ مَأْمُورًا بِهَجْرِهَا فِي الْأَمْرِ الَّذِي كَانَتْ عِظَتُهُ إِيَّاهَا عَلَيْهِ وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ بَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاهْجُرُوا جِمَاعَهُنَّ . أَوْ يَكُونُ - إِذْ بَطَلَ هَذَا الْمَعْنَى - بِمَعْنَى وَاهْجُرُوا كَلَامَهُنَّ بِسَبَبِ هَجْرِهِنَّ مَضَاجِعَكُمْ وَذَلِكَ أَيْضًا لَا وَجْهَ لَهُ مَفْهُومٌ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ أَخْبَرَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ .
عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ حَلَالًا لَمْ يَكُنْ لِهَجْرِهَا فِي الْكَلَامِ مَعْنًى مَفْهُومٌ لِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ عَنْهُ مُنْصَرِفَةً وَعَلَيْهِ نَاشِزًا فَمِنْ سُرُورِهَا أَنْ لَا يُكَلِّمَهَا وَلَا يَرَاهَا وَلَا تَرَاهُ فَكَيْفَ يُؤْمَرُ الرَّجُلُ فِي حَالِ بُغْضِ امْرَأَتِهِ إِيَّاهُ وَانْصِرَافِهَا عَنْهُ بِتَرْكِ مَا فِي تَرْكِهِ سُرُورُهَا مِنْ تَرْكِ جِمَاعِهَا وَمُحَادَثَتِهَا وَتَكْلِيمِهَا وَهُوَ يُؤْمَرُ بِضَرْبِهَا لِتَرْتَدِعَ عَمَّا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ تَرْكِ طَاعَتِهِ ، إِذَا دَعَاهَا إِلَى فِرَاشِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَلْزَمُهَا طَاعَتُهُ فِيهِ . أَوْ يَكُونُ - إِذْ فَسَدَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ - يَكُونُ مَعْنَاهُ وَاهْجُرُوا فِي قَوْلِكُمْ لَهُنَّ بِمَعْنَى رَدِّدُوا عَلَيْهِنَّ كَلَامَكُمْ إِذَا كَلَّمْتُمُوهُنَّ بِالتَّغْلِيظِ لَهُنَّ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ فَلَا وَجْهَ لِإِعْمَالِ الْهَجْرِ فِي كِنَايَةِ أَسْمَاءِ النِّسَاءِ النَّاشِزَاتِ أَعْنِي فِي الْهَاءِ وَالنُّونِ مِنْ قَوْلِهِ وَاهْجُرُوهُنَّ لِأَنَّهُ إِذَا أُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى كَانَ الْفِعْلُ غَيْرَ وَاقِعٍ إِنَّمَا يُقَالُ هَجَرَ فُلَانٌ فِي كَلَامِهِ وَلَا يُقَالُ هَجَرَ فُلَانٌ فُلَانًا فَإِذْ كَانَ فِي كُلِّ هَذِهِ الْمَعَانِي مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْخَلَلِ اللَّاحِقِ فَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وَاهْجُرُوهُنَّ مُوَجَّهًا مَعْنَاهُ إِلَى مَعْنَى الرَّبْطِ بِالْهِجَارِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قِيلِ الْعَرَبِ لِلْبَعِيرِ إِذَا رَبَطَهُ صَاحِبُهُ بِحَبْلٍ عَلَى مَا وَصَفْنَا هَجَرَهُ فَهُوَ يَهْجُرُهُ هَجْرًا . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ كَانَ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ فِي نُشُوزِهِنَّ عَلَيْكُمْ فَإِنِ اتَّعَظْنَ فَلَا سَبِيلَ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ وَإِنْ أَبَيْنَ الْأَوْبَةَ مِنْ نُشُوزِهِنَّ فَاسْتَوْثِقُوا مِنْهُنَّ رِبَاطًا فِي مَضَاجِعِهِنَّ يَعْنِي فِي مَنَازِلِهِنَّ وَبُيُوتِهِنَّ الَّتِي يَضْطَجِعْنَ فِيهَا وَيُضَاجِعْنَ فِيهَا أَزْوَاجَهُنَّ كَمَا 9372 - حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ عَنْ شِبْلٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا قَزْعَةَ يُحَدِّثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ قَالَ يُطْعِمُهَا ، وَيَكْسُوهَا وَلَا يَضْرِبُ الْوَجْهَ وَلَا يُقَبِّحُ ، وَلَا يَهْجُرُ إِلَّا فِي الْبَيْتِ .
9377 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا حِبَّانُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ بِشْرٍ : أَنَّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اضْرِبُوهُنَّ إِذَا عَصَيْنَكُمْ فِي الْمَعْرُوفِ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكُلُّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرْنَا قَوْلَهُمْ لَمْ يُوجِبُوا لِلْهَجْرِ مَعْنًى غَيْرَ الضَّرْبِ وَلَمْ يُوجِبُوا هَجْرًا إِذَا كَانَ هَيْئَةً مِنَ الْهَيْئَاتِ الَّتِي تَكُونُ بِهَا الْمَضْرُوبَةُ عِنْدَ الضَّرْبِ مَعَ دَلَالَةِ الْخَبَرِ الَّذِي رَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمَرَ بِضَرْبِهِنَّ إِذَا عَصَيْنَ أَزْوَاجَهُنَّ فِي الْمَعْرُوفِ مِنْ غَيْرِ أَمْرٍ مِنْهُ أَزْوَاجَهُنَّ بِهَجْرِهِنَّ لِمَا وَصَفْنَا مِنَ الْعِلَّةِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ الْخَبَرِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي رَوَاهُ عِكْرِمَةُ لَيْسَ كَمَا قُلْنَا وَصَحَّ أَنَّ تَرْكَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَ الرَّجُلِ بِهَجْرِ زَوْجَتِهِ إِذَا عَصَتْهُ فِي الْمَعْرُوفِ وَأَمْرَهُ بِضَرْبِهَا قَبْلَ الْهَجْرِ لَوْ كَانَ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ مَعْنَى الْهَجْرِ هُوَ مَا بَيَّنَّاهُ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَا مَعْنَى لِأَمْرِ اللَّهِ زَوْجَهَا أَنْ يَعِظَهَا إِذَا هِيَ نَشَزَتْ إِذْ كَانَ لَا ذِكْرَ لِلْعِظَةِ فِي خَبَرِ عِكْرِمَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَإِنَّ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا ظَنَّ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا عَصَيْنَكُمْ فِي الْمَعْرُوفِ دَلَالَةٌ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ لَمْ يُبِحْ لِلرَّجُلِ ضَرْبَ زَوْجَتِهِ إِلَّا بَعْدَ عِظَتِهَا مِنْ نُشُوزِهَا وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا تَكُونُ لَهُ عَاصِيَةً إِلَّا وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْهُ لَهَا أَمْرٌ أَوْ عِظَةٌ بِالْمَعْرُوفِ عَلَى مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ .
9395 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ حَدَّثَنَا حِبَّانُ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ رَجُلٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ غَيْرَ مُؤَثِّرٍ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَإِنْ أَطْعَنْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ نِسَاؤُكُمُ اللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ عِنْدَ وَعْظِكُمْ إِيَّاهُنَّ فَلَا تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ فَإِنْ لَمْ يُطِعْنَكُمْ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ رَاجَعْنَ طَاعَتَكُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَفِئْنَ إِلَى الْوَاجِبِ عَلَيْهِنَّ فَلَا تَطْلُبُوا طَرِيقًا إِلَى أَذَاهُنَّ وَمَكْرُوهِهِنَّ وَلَا تَلْتَمِسُوا سَبِيلًا إِلَى مَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ مِنْ أَبْدَانِهِنَّ وَأَمْوَالِهِنَّ بِالْعِلَلِ وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ أَحَدُكُمْ لِإِحْدَاهُنَّ وَهِيَ لَهُ مُطِيعَةٌ إِنَّكِ لَسْتِ تُحِبِّينِي وَأَنْتِ لِي مُبْغِضَةٌ فَيَضْرِبُهَا عَلَى ذَلِكَ أَوْ يُؤْذِيهَا . فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلرِّجَالِ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ أَيْ عَلَى بُغْضِهِنَّ لَكُمْ فَلَا تَجَنَّوْا عَلَيْهِنَّ وَلَا تُكَلِّفُوهُنَّ مَحَبَّتَكُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِأَيْدِيهِنَّ فَتَضْرِبُوهُنَّ أَوْ تُؤْذُوهُنَّ عَلَيْهِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ( 34 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ ذُو عُلُوٍّ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فَلَا تَبْغُوا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَى أَزْوَاجِكُمْ إِذَا أَطَعْنَكُمْ فِيمَا أَلْزَمَهُنَّ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ حَقٍّ سَبِيلًا لِعُلُوِّ أَيْدِيكُمْ عَلَى أَيْدِيهِنَّ فَإِنَّ اللَّهَ أَعْلَى مِنْكُمْ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ عَلَيْكُمْ مِنْكُمْ عَلَيْهِنَّ ، وَأَكْبَرُ مِنْكُمْ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَأَنْتُمْ فِي يَدِهِ وَقَبَضَتِهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ أَنْ تَظْلِمُوهُنَّ وَتَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا وَهُنَّ لَكُمْ مُطِيعَاتٍ فَيَنْتَصِرَ لَهُنَّ مِنْكُمْ رَبُّكُمُ الَّذِي هُوَ أَعْلَى مِنْكُمْ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَأَكْبَرُ مِنْكُمْ وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ .