الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا وَإِنْ عَلِمْتُمْ أَيُّهَا النَّاسُ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا وَذَلِكَ مَشَاقَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ وَهُوَ إِتْيَانُهُ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ مِنَ الْأُمُورِ فَأَمَّا مِنَ الْمَرْأَةِ فَالنُّشُوزُ وَتَرْكُهَا أَدَاءَ حَقِّ اللَّهِ عَلَيْهَا الَّذِي أَلْزَمَهَا اللَّهُ لِزَوْجِهَا وَأَمَّا مِنَ الزَّوْجِ فَتَرْكُهُ إِمْسَاكَهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ تَسْرِيحَهَا بِإِحْسَانٍ . وَالشِّقَاقُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ شَاقَّ فُلَانٌ فُلَانًا ، إِذَا أَتَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَى صَاحِبِهِ مَا يَشُقُّ عَلَيْهِ مِنَ الْأُمُورِ فَهُوَ يُشَاقُّهُ مُشَاقَّةً وَشِقَاقًا وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ عَدَاوَةً كَمَا 9403 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ فِي قَوْلِهِ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا قَالَ إِنْ ضَرَبَهَا فَأَبَتْ أَنْ تَرْجِعَ وَشَاقَّتْهُ يَقُولُ عَادَتْهُ . وَإِنَّمَا أُضِيفَ الشِّقَاقُ إِلَى الْبَيْنِ لِأَنَّ الْبَيْنَ قَدْ يَكُونُ اسْمًا كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ 94 ] فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَا يُبْعَثُ لَهُ الْحَكَمَانِ وَمَا الَّذِي يَجُوزُ لِلْحَكَمَيْنِ مِنَ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا وَكَيْفَ وَجْهُ بَعْثِهِمَا بَيْنَهُمَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَبْعَثُهُمَا الزَّوْجَانِ بِتَوْكِيلٍ مِنْهُمَا إِيَّاهُمَا بِالنَّظَرِ بَيْنَهُمَا وَلَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَعْمَلَا شَيْئًا فِي أَمْرِهِمَا إِلَّا مَا وَكَّلَاهُمَا بِهِ أَوْ وَكَّلَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا إِلَيْهِ فَيَعْمَلَانِ بِمَا وَكَّلَهُمَا بِهِ مَنْ وَكَّلَهُمَا مِنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِيمَا يَجُوزُ تَوْكِيلُهُمَا فِيهِ أَوْ تَوْكِيلُ مَنْ وَكَّلَ مِنْهُمَا فِي ذَلِكَ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9407 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبِيدَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ وَامْرَأَتُهُ بَيْنَهُمَا شِقَاقٌ إِلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ثُمَّ قَالَ لِلْحَكَمَيْنِ تَدْرِيَانِ مَا عَلَيْكُمَا ؟ عَلَيْكُمَا إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا أَنْ تَجْمَعَا وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا أَنْ تُفَرِّقَا قَالَتِ الْمَرْأَةُ رَضِيتُ بِكِتَابِ اللَّهِ بِمَا عَلَيَّ فِيهِ وَلِي قَالَ الرَّجُلُ أَمَّا الْفُرْقَةُ فَلَا فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَذَبْتَ وَاللَّهِ لَا تَنْقَلِبُ حَتَّى تُقِرَّ بِمِثْلِ الَّذِي أَقَرَّتْ بِهِ 9408 - حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدٍ : أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَتَاهُ رَجُلٌ وَامْرَأَتُهُ وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ فَأَمَرَهُمَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يَبْعَثَا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ؛ لِيَنْظُرَا فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ الْحَكَمَانِ قَالَ لَهُمَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَتَدْرِيَانِ مَا لَكُمَا ؟ لَكُمَا إِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرِّقَا فَرَّقْتُمَا وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا جَمَعْتُمَا . قَالَ هِشَامٌ فِي حَدِيثِهِ فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ رَضِيتُ بِكِتَابِ اللَّهِ لِي وَعَلَيَّ فَقَالَ الرَّجُلُ أَمَّا الْفُرْقَةُ فَلَا . فَقَالَ عَلِيٌّ : كَذَبْتَ وَاللَّهِ حَتَّى تَرْضَى مِثْلَ مَا رَضِيَتْ بِهِ .
وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ فِي حَدِيثِهِ كَذَبْتَ وَاللَّهِ لَا تَبْرَحُ حَتَّى تَرْضَى بِمِثْلِ مَا رَضِيَتْ بِهِ . 9409 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ وَهِشَامٌ عَنِ ابْنِ سَيْرَيْنِ عَنْ عَبِيدَةَ قَالَ شَهِدْتُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَذَكَرَ مِثْلَهُ 9410 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ إِذَا هَجَرَهَا فِي الْمَضْجَعِ وَضَرَبَهَا فَأَبَتْ أَنْ تَرْجِعَ وَشَاقَّتْهُ فَلْيَبْعَثْ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَتَبْعَثْ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا تَقُولُ الْمَرْأَةُ لِحَكَمِهَا قَدْ وَلَّيْتُكَ أَمْرِي فَإِنْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَرْجِعَ رَجَعْتُ وَإِنْ فَرَّقْتَ تَفَرَّقْنَا وَتُخْبِرُهُ بِأَمْرِهَا إِنْ كَانَتْ تُرِيدُ نَفَقَةً أَوْ كَرِهَتْ شَيْئًا مِنَ الْأَشْيَاءِ وَتَأْمُرُهُ أَنْ يَرْفَعَ ذَلِكَ عَنْهَا وَتَرْجِعَ أَوْ تُخْبِرُهُ أَنَّهَا لَا تُرِيدُ الطَّلَاقَ وَيَبْعَثُ الرَّجُلُ حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ يُوَلِّيهِ أَمْرَهُ وَيُخْبِرُهُ يَقُولُ لَهُ حَاجَتَهُ إِنْ كَانَ يُرِيدُهَا أَوْ لَا يُرِيدُ أَنْ يُطَلِّقَهَا أَعْطَاهَا مَا سَأَلَتْ وَزَادَهَا فِي النَّفَقَةِ وَإِلَّا قَالَ لَهُ خُذْ لِي مِنْهَا مَا لَهَا عَلَيَّ وَطَلِّقْهَا فَيُوَلِّيهِ أَمْرَهُ فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ ثُمَّ يَجْتَمِعُ الْحَكَمَانِ فَيُخْبِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يُرِيدُ لِصَاحِبِهِ وَيَجْهَدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يُرِيدُ لِصَاحِبِهِ فَإِنِ اتَّفَقَ الْحَكَمَانِ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ جَائِزٌ إِنْ طَلَّقَا وَإِنْ أَمْسَكَا فَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَعَثَتِ الْمَرْأَةُ حَكَمًا وَأَبَى الرَّجُلُ أَنْ يَبْعَثَ فَإِنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا حَتَّى يَبْعَثَ حَكَمًا . وَقَالَ آخَرُونَ إِنَّ الَّذِي يَبْعَثُ الْحَكَمَيْنِ هُوَ السُّلْطَانُ غَيْرَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَبْعَثُهُمَا لِيَعْرِفَا الظَّالِمَ مِنَ الْمَظْلُومِ مِنْهُمَا لِيَحْمِلَهُمَا عَلَى الْوَاجِبِ لِكُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِبَلَ صَاحِبِهِ لَا التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا .
9428 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا يَكُونَانِ عَدْلَيْنِ عَلَيْهِمَا وَشَاهِدَيْنِ وَذَلِكَ إِذَا تَدَارَأَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ وَتَنَازَعَا إِلَى السُّلْطَانِ جَعَلَ عَلَيْهِمَا حَكَمَيْنِ حَكَمًا مِنْ أَهْلِ الرَّجُلِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِ الْمَرْأَةِ يَكُونَانِ أَمِينَيْنِ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا وَيَنْظُرَانِ مِنْ أَيِّهِمَا يَكُونُ الْفَسَادُ فَإِنْ كَانَ مِنْ قِبَلِ الْمَرْأَةِ أُجْبِرَتْ عَلَى طَاعَةِ زَوْجِهَا وَأُمِرَ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ وَيُحْسِنَ صُحْبَتَهَا وَيُنْفِقَ عَلَيْهَا بِقَدْرِ مَا آتَاهُ اللَّهُ إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَإِنْ كَانَتِ الْإِسَاءَةُ مِنْ قِبَلِ الرَّجُلِ أُمِرَ بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهَا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ قِيلَ لَهُ أَعْطِهَا حَقَّهَا وَخَلِّ سَبِيلَهَا وَإِنَّمَا يَلِي ذَلِكَ مِنْهُمَا السُّلْطَانُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي قَوْلِهِ فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا أَنَّ اللَّهَ خَاطَبَ الْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ وَأَمَرَهُمْ بِبَعْثَةِ الْحَكَمَيْنِ عِنْدَ خَوْفِ الشِّقَاقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ لِلنَّظَرِ فِي أَمْرِهِمَا وَلَمْ يُخَصِّصْ بِالْأَمْرِ بِذَلِكَ بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ وَقَدْ أَجْمَعَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ بَعْثَةَ الْحَكَمَيْنِ فِي ذَلِكَ لَيْسَتْ لِغَيْرِ الزَّوْجَيْنِ وَغَيْرِ السُّلْطَانِ الَّذِي هُوَ سَائِسُ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ مَنْ أَقَامَهُ فِي ذَلِكَ مَقَامَ نَفْسِهِ وَاخْتَلَفُوا فِي الزَّوْجَيْنِ وَالسُّلْطَانِ وَمَنِ الْمَأْمُورُ بِالْبَعْثَةِ فِي ذَلِكَ الزَّوْجَانِ أَوِ السُّلْطَانُ وَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِذَلِكَ مَخْصُوصٌ بِهِ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ وَلَا أُثِرَ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأُمَّةُ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ وَإِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا فَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا مِنَ الْآيَةِ مَا أَجْمَعَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّهُ مَخْصُوصٌ مِنْهَا وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجَانِ وَالسُّلْطَانُ مِمَّنْ قَدْ شَمِلَهُ حُكْمُ الْآيَةِ وَالْأَمْرُ بِقَوْلِهِ فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِذْ كَانَ مُخْتَلَفًا بَيْنَهُمَا هَلْ هُمَا مَعْنِيَّانِ بِالْأَمْرِ بِذَلِكَ أَمْ لَا ؟ وَكَانَ ظَاهِرُ الْآيَةِ قَدْ عَمَّهُمَا فَالْوَاجِبُ مِنَ الْقَوْلِ إِذْ كَانَ صَحِيحًا مَا وَصَفْنَا ، صَحِيحًا أَنْ يُقَالَ إِنْ بَعَثَ الزَّوْجَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَكَمًا مِنْ قِبَلِهِ لِيَنْظُرَ فِي أَمْرِهِمَا وَكَانَ كُلٌّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا قَدْ بَعَثَهُ مِنْ قِبَلِهِ فِي ذَلِكَ لِمَا لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَلِصَاحِبِهِ عَلَيْهِ فَتَوْكِيلُهُ بِذَلِكَ مَنْ وَكَّلَ جَائِزٌ لَهُ وَعَلَيْهِ وَإِنْ وَكَّلَهُ بِبَعْضٍ وَلَمْ يُوَكِّلْهُ بِالْجَمِيعِ كَانَ مَا فَعَلَهُ الْحَكَمُ مِمَّا وَكَّلَهُ بِهِ صَاحِبُهُ مَاضِيًا جَائِزًا عَلَى مَا وَكَّلَهُ بِهِ وَذَلِكَ أَنْ يُوَكِّلَهُ أَحَدُهُمَا بِمَا لَهُ دُونَ مَا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُوَكِّلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِمَا لَهُ وَعَلَيْهِ أَوْ بِمَا لَهُ أَوْ بِمَا عَلَيْهِ إِلَّا الْحُكْمَيْنِ كِلَيْهِمَا [ لَمْ يَجُزْ ] إِلَّا مَا اجْتَمَعَا عَلَيْهِ دُونَ مَا انْفَرَدَ بِهِ أَحَدُهُمَا وَإِنْ لَمْ يُوَكِّلْهُمَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ وَإِنَّمَا بَعَثَاهُمَا لِلنَّظَرِ بَيْنَهُمَا ، لِيَعْرِفَا الظَّالِمَ مِنَ الْمَظْلُومِ مِنْهُمَا لِيَشْهَدَا عَلَيْهِمَا عِنْدَ السُّلْطَانِ إِنِ احْتَاجَا إِلَى شَهَادَتِهِمَا لَمْ يَكُنْ لَهُمَا أَنْ يُحْدِثَا بَيْنَهُمَا شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَلَمْ يَلْزَمِ الزَّوْجَيْنِ وَلَا وَاحِدًا مِنْهُمَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ وَمَا مَعْنَى الْحَكَمَيْنِ إِذْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْتَ قِيلَ قَدِ اخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى الْحَكَمُ النَّظَرُ الْعَدْلُ كَمَا قَالَ الضَّحَّاكُ بْنُ مُزَاحِمٍ فِي الْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ الَّذِي : 9429 - حَدَّثَنَا بِهِ يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَنْ يَزِيدَ عَنْ جُوَيْبِرٍ عَنْهُ لَا أَنْتُمَا قَاضِيَانِ تَقْضِيَانِ بَيْنَهُمَا عَلَى السَّبِيلِ الَّتِي بَيَّنَّا مِنْ قَوْلِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُمَا الْقَاضِيَانِ يَقْضِيَانِ بَيْنَهُمَا مَا فَوَّضَ إِلَيْهِمَا الزَّوْجَانِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَيُّ الْأَمْرَيْنِ كَانَ فَلَيْسَ لَهُمَا وَلَا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا بِالْفُرْقَةِ وَلَا بِأَخْذِ مَالٍ إِلَّا بِرِضَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَإِلَّا مَا لَزِمَ مِنْ حَقٍّ لِأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فِي حُكْمِ اللَّهِ وَذَلِكَ مَا لَزِمَ الرَّجُلَ لِزَوْجَتِهِ مِنَ النَّفَقَةِ وَالْإِمْسَاكِ بِمَعْرُوفٍ إِنْ كَانَ هُوَ الظَّالِمَ لَهَا فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُمَا وَلَا لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ غَيْرِهِمَا لَا السُّلْطَانِ وَلَا غَيْرِهِ وَذَلِكَ أَنَّ الزَّوْجَ إِنْ كَانَ هُوَ الظَّالِمَ لِلْمَرْأَةِ فَلِلْإِمَامِ السَّبِيلُ إِلَى أَخْذِهِ بِمَا يَجِبُ لَهَا عَلَيْهِ مِنْ حَقٍّ وَإِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ هِيَ الظَّالِمَةَ زَوْجَهَا النَّاشِزَةَ عَلَيْهِ فَقَدْ أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ أَخْذَ الْفِدْيَةَ مِنْهَا وَجَعَلَ إِلَيْهِ طَلَاقَهَا عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَإِذْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ الْفُرْقَةُ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ بِغَيْرِ رِضَى الزَّوْجِ وَلَا أَخْذُ مَالٍ مِنَ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ رِضَاهَا بِإِعْطَائِهِ إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا مِنْ أَصْلٍ أَوْ قِيَاسٍ وَإِنَّ بَعْثَ الْحَكَمَيْنِ السُّلْطَانُ فَلَا يَجُوزُ لَهُمَا أَنْ يَحْكُمَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِفُرْقَةٍ إِلَّا بِتَوْكِيلِ الزَّوْجِ إِيَّاهُمَا بِذَلِكَ وَلَا لَهُمَا أَنْ يَحْكُمَا بِأَخْذِ مَالٍ مِنَ الْمَرْأَةِ إِلَّا بِرِضَى الْمَرْأَةِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا قَدْ بَيَّنَّاهُ قَبْلُ مِنْ فِعْلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِذَلِكَ وَالْقَائِلِينَ بِقَوْلِهِ وَلَكِنْ لَهُمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَيَتَعَرَّفَا الظَّالِمَ مِنْهُمَا مِنَ الْمَظْلُومِ لِيَشْهَدَا عَلَيْهِ إِنِ احْتَاجَ الْمَظْلُومُ مِنْهُمَا إِلَى شَهَادَتِهِمَا وَإِنَّمَا قُلْنَا لَيْسَ لَهُمَا التَّفْرِيقُ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا آنِفًا وَإِنَّمَا يَبْعَثُ السُّلْطَانُ الْحَكَمَيْنِ إِذَا بَعَثَهُمَا إِذَا ارْتَفَعَ إِلَيْهِ الزَّوْجَانِ فَشَكَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحَبَهُ وَأُشْكِلَ عَلَيْهِ الْمُحِقُّ مِنْهُمَا مِنَ الْمُبْطِلِ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُشْكَلِ الْمُحِقُّ مِنَ الْمُبْطِلِ فَلَا وَجْهَ لِبَعْثِهِ الْحَكَمَيْنِ فِي أَمْرٍ قَدْ عُرِفَ الْحُكْمُ فِيهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا إِنْ يُرِدِ الْحَكَمَانِ إِصْلَاحًا بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ أَعْنِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ الْمُخَوَّفِ شِقَاقُ بَيْنِهِمَا يَقُولُ : يُوَفِّقُ اللَّهُ بَيْنَ الْحَكَمَيْنِ فَيَتَّفِقَا عَلَى الْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ إِذَا صَدَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا أَفْضَى إِلَيْهِ مَنْ بُعِثَ لِلنَّظَرِ فِي أَمْرِ الزَّوْجَيْنِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ( 35 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا بِمَا أَرَادَ الْحَكَمَانِ مِنْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وَغَيْرِهِ خَبِيرًا بِذَلِكَ وَبِغَيْرِهِ مِنْ أُمُورِهِمَا وَأُمُورِ غَيْرِهِمَا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ حَافِظٌ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُجَازِيَ كُلًّا مِنْهُمْ جَزَاءَهُ بِالْإِحْسَانِ إِحْسَانًا وَبِالْإِسَاءَةِ غُفْرَانًا أَوْ عِقَابًا .