الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : أَلَمْ تَرَ بِقَلْبِكَ يَا مُحَمَّدُ إِلَى الَّذِينَ أُعْطَوْا حَظًّا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَعَلِمُوهُ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ يَعْنِي : يُصَدِّقُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ، وَيَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الْإِيمَانَ بِهِمَا كُفْرٌ ، وَالتَّصْدِيقَ بِهِمَا شِرْكٌ . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُمَا صَنَمَانِ كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَهُمَا مِنْ دُونِ اللَّهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9764 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَيُّوبُ ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ : الْجِبْتُ وَالطَّاغُوتُ صَنَمَانِ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْجِبْتُ : الْأَصْنَامُ ، وَالطَّاغُوتُ : تَرَاجِمَةُ الْأَصْنَامِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9765 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ .
الْجِبْتُ : الْأَصْنَامُ ، وَالطَّاغُوتُ : الَّذِينَ يَكُونُونَ بَيْنَ أَيْدِي الْأَصْنَامِ يُعَبِّرُونَ عَنْهَا الْكَذِبَ لِيُضِلُّوا النَّاسَ . وَزَعَمَ رِجَالٌ أَنَّ الْجِبْتَ : الْكَاهِنُ ، وَالطَّاغُوتَ : رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ يُدْعَى كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ ، وَكَانَ سَيِّدَ الْيَهُودِ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْجِبْتُ : السِّحْرُ ، وَالطَّاغُوتُ : الشَّيْطَانُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : الْجِبْتُ : السَّاحِرُ ، وَالطَّاغُوتُ : الشَّيْطَانُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9772 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : كَانَ أَبِي يَقُولُ : الْجِبْتُ : السَّاحِرُ ، وَالطَّاغُوتُ : الشَّيْطَانُ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْجِبْتُ : السَّاحِرُ ، وَالطَّاغُوتُ : الْكَاهِنُ .
9776 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ فِي قَوْلِهِ : الْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ قَالَ : أَحَدُهُمَا السِّحْرُ ، وَالْآخَرُ الشَّيْطَانُ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْجِبْتُ : الشَّيْطَانُ ، وَالطَّاغُوتُ : الْكَاهِنُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9777 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّ الْجِبْتَ شَيْطَانٌ ، وَالطَّاغُوتَ الْكَاهِنُ .
9778 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ مِثْلَهُ . 9779 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : الْجِبْتُ : الشَّيْطَانُ ، وَالطَّاغُوتُ : الْكَاهِنُ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْجِبْتُ : الْكَاهِنُ ، وَالطَّاغُوتُ : السَّاحِرُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9780 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ رَجُلٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : الْجِبْتُ : الْكَاهِنُ ، وَالطَّاغُوتُ : السَّاحِرُ . 9781 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَوْفٌ ، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ فِي الْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ، قَالَ : الْجِبْتُ : الْكَاهِنُ ، وَالْآخَرُ : السَّاحِرُ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْجِبْتُ : حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ ، وَالطَّاغُوتُ : كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : الْجِبْتُ : كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ ، وَالطَّاغُوتُ : الشَّيْطَانُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9785 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ لَيْثٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : الْجِبْتُ : كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ ، وَالطَّاغُوتُ : الشَّيْطَانُ ، كَانَ فِي صُورَةِ إِنْسَانٍ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ : يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ أَنْ يُقَالَ : يُصَدِّقُونَ بِمَعْبُودَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، يَعْبُدُونَهُمَا مِنْ دُونِ اللَّهِ ، وَيَتَّخِذُونَهُمَا إِلَهَيْنِ .
وَذَلِكَ أَنَّ الْجِبْتَ وَالطَّاغُوتَ اسْمَانِ لِكُلِّ مُعَظَّمٍ بِعِبَادَةٍ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، أَوْ طَاعَةٍ ، أَوْ خُضُوعٍ لَهُ كَائِنًا مَا كَانَ ذَلِكَ الْمُعَظَّمُ ، مِنْ حَجَرٍ أَوْ إِنْسَانٍ أَوْ شَيْطَانٍ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَكَانَتِ الْأَصْنَامُ الَّتِي كَانَتِ الْجَاهِلِيَّةُ تَعْبُدُهَا كَانَتْ مُعَظَّمَةً بِالْعِبَادَةِ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ كَانَتْ جُبُوتًا وَطَوَاغِيتَ . وَكَذَلِكَ الشَّيَاطِينُ الَّتِي كَانَتِ الْكُفَّارُ تُطِيعُهَا فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ ، وَكَذَلِكَ السَّاحِرُ وَالْكَاهِنُ اللَّذَانِ كَانَ مَقْبُولًا مِنْهُمَا مَا قَالَا فِي أَهْلِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ .
وَكَذَلِكَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ وَكَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ ؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا مُطَاعَيْنِ فِي أَهْلِ مِلَّتِهِمَا مِنَ الْيَهُودِ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَالْكَفْرِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ ، فَكَانَا جِبْتَيْنِ وَطَاغُوتَيْنِ . وَقَدْ بَيَّنْتُ الْأَصْلَ الَّذِي مِنْهُ قِيلَ لِلطَّاغُوتِ : طَاغُوتٌ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا ( 51 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ جَحَدُوا وَحْدَانِيَّةَ اللَّهِ وَرِسَالَةَ رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : هَؤُلَاءِ يَعْنِي بِذَلِكَ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِالْكُفْرِ أَهْدَى يَعْنِي : أَقْوَمُ وَأَعْدَلُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَعْنِي : مِنَ الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَأَقَرُّوا بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبِيلًا يَعْنِي : طَرِيقًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَإِنَّمَا ذَلِكَ مَثَلٌ . وَمَعْنَى الْكَلَامِ : أَنَّ اللَّهَ وَصَفَ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ بِتَعْظِيمِهِمْ غَيْرَ اللَّهِ بِالْعِبَادَةِ وَالْإِذْعَانِ لَهُ بِالطَّاعَةِ فِي الْكُفْرِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَعْصِيَتِهِمَا بِأَنَّهُمْ قَالُوا : إِنَّ أَهْلَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ ، وَأَنَّ دِينَ أَهْلِ التَّكْذِيبِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ أَعْدَلُ وَأَصْوَبُ مِنْ دِينِ أَهْلِ التَّصْدِيقِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ . وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَأَنَّهُ قَائِلُ ذَلِكَ .
ذِكْرُ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ بِمَا قُلْنَا : 9786 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمَثْنَى قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَمَّا قَدِمَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ مَكَّةَ قَالَتْ لَهُ قُرَيْشٌ : أَنْتَ حَبْرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَسَيِّدُهُمْ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالُوا : أَلَا تَرَى إِلَى هَذَا الصُّنْبُورِ الْمُنْبَتِرِ مِنْ قَوْمِهِ يَزْعُمُ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنَّا ، وَنَحْنُ أَهْلُ الْحَجِيجِ وَأَهْلُ السِّدَانَةِ وَأَهْلُ السِّقَايَةِ ؟ ! قَالَ : أَنْتُمْ خَيْرٌ مِنْهُ . قَالَ : فَأُنْزِلَتْ : ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ ﴾ [ سُورَةُ الْكَوْثَرِ : 3 ] ، وَأُنْزِلَتْ : أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ إِلَى قَوْلِهِ : فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا .
فَقَالُوا : إِنَّكُمْ أَهْلُ كِتَابٍ ، وَهُوَ صَاحِبُ كِتَابٍ ، وَلَا نَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَكْرًا مِنْكُمْ ، فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ نَخْرُجَ مَعَكَ فَاسْجُدْ لِهَذَيْنِ الصَّنَمَيْنِ وَآمِنْ بِهِمَا . فَفَعَلَ . ثُمَّ قَالُوا : نَحْنُ أَهْدَى أَمْ مُحَمَّدٍ ؟ فَنَحْنُ نَنْحَرُ الْكَوْمَاءَ ، وَنَسْقِي اللَّبَنَ عَلَى الْمَاءِ ، وَنَصِلُ الرَّحِمَ ، وَنُقْرِي الضَّيْفَ ، وَنَطُوفُ بِهَذَا الْبَيْتِ ، وَمُحَمَّدٌ قَطَعَ رَحِمَهُ ، وَخَرَجَ مِنْ بَلَدِهِ ؟ قَالَ : بَلْ أَنْتُمْ خَيْرٌ وَأَهْدَى ، فَنَزَلَتْ فِيهِ : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا ﴾.
9790 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : قَالَ : لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْيَهُودِ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ مَا كَانَ حِينَ أَتَاهُمْ يَسْتَعِينُهُمْ فِي دِيَةِ الْعَامِرِيَّيْنِ ، فَهَمُّوا بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلَى مَا هَمُّوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ . وَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى الْمَدِينَةِ فَهَرَبَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ حَتَّى أَتَى مَكَّةَ فَعَاهَدَهُمْ عَلَى مُحَمَّدٍ ، فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ : يَا أَبَا سَعْدٍ ، إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَقْرَأُونَ الْكِتَابَ وَتَعْلَمُونَ ، وَنَحْنُ قَوْمٌ لَا نَعْلَمُ ، فَأَخْبِرْنَا دِينُنَا خَيْرٌ أَمْ دِينُ مُحَمَّدٍ ؟ قَالَ كَعْبٌ : اعْرِضُوا عَلَيَّ دِينَكُمْ ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : نَحْنُ قَوْمٌ نَنْحَرُ الْكَوْمَاءَ ، وَنَسْقِي الْحَجِيجَ الْمَاءَ ، وَنُقْرِي الضَّيْفَ ، وَنَعْمُرُ بَيْتَ رَبِّنَا ، وَنَعْبُدُ آلِهَتَنَا الَّتِي كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا ، وَمُحَمَّدٌ يَأْمُرُنَا أَنْ نَتْرُكَ هَذَا وَنَتَّبِعَهُ قَالَ : دِينُكُمْ خَيْرٌ مِنْ دِينِ مُحَمَّدٍ ، فَاثْبُتُوا عَلَيْهِ ، أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أَنَّهُ بُعِثَ بِالتَّوَاضُعِ ، وَهُوَ يَنْكِحُ مِنَ النِّسَاءِ مَا شَاءَ ، وَمَا نَعْلَمُ مِلْكًا أَعْظَمَ مِنْ مِلْكِ النِّسَاءِ ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا ﴾. 9791 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : نَزَلَتْ فِي كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَكُفَّارِ قُرَيْشٍ .
قَالَ : كُفَّارُ قُرَيْشٍ أَهْدَى مِنْ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - قَالَ ابْنُ جُرَيْجِ : قَدِمَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ فَجَاءَتْهُ قُرَيْشٌ فَسَأَلَتْهُ عَنْ مُحَمَّدٍ ، فَصَغَّرَ أَمْرَهُ وَيَسَّرَهُ ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ ضَالٌّ . قَالَ : ثُمَّ قَالُوا لَهُ : نَنْشُدُكَ اللَّهَ ، نَحْنُ أَهْدَى أَمْ هُوَ ؟ فَإِنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّا نَنْحَرُ الْكُوَمَ ، وَنَسْقِي الْحَجِيجَ ، وَنَعْمُرُ الْبَيْتَ ، وَنُطْعِمُ مَا هَبَّتِ الرِّيحُ ؟ قَالَ : أَنْتُمْ أَهْدَى . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هَذِهِ الصِّفَةُ صِفَةُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْيَهُودِ مِنْهُمْ : حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ ، وَهُمُ الَّذِينَ قَالُوا لِلْمُشْرِكِينَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوهُ لَهُمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصِّحَّةِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : إِنَّ ذَلِكَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْيَهُودِ . وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ كَانَتِ الْجَمَاعَةَ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي الْخَبَرِ الَّذِي رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ سَعِيدٍ ، أَوْ يَكُونُ حُيَيًّا وَآخَرَ مَعَهُ ، إِمَّا كَعْبًا وَإِمَّا غَيْرَهُ .