الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - فَمِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - آمِنُوا بِمَا نَـزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا مَنْ آمَنَ بِهِ يَقُولُ : مَنْ صَدَّقَ بِمَا أَنْزَلْنَا عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَعْرَضَ عَنِ التَّصْدِيقِ بِهِ كَمَا : - 9831 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ ، عَنْ عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ قَالَ : بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ مِنْ يَهُودَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ . 9832 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الَّذِينَ صَدُّوا عَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا حَوَالَيْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا رُفِعَ عَنْهُمْ وَعِيدُ اللَّهِ الَّذِي تَوَعَّدَهُمْ بِهِ فِي قَوْلِهِ : آمِنُوا بِمَا نَـزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا فِي الدُّنْيَا ، وَأُخِّرَتْ عُقُوبَتُهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ؛ لِإِيمَانِ مَنْ آمَنُ مِنْهُمْ ، وَأَنَّ الْوَعِيدَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ بِتَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ فِي الدُّنْيَا إِنَّمَا كَانَ عَلَى مَقَامِ جَمِيعِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ بِمَا أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا آمَنَ بَعْضُهُمْ خَرَجُوا مِنَ الْوَعِيدِ الَّذِي تَوَعَّدَهُ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا ، وَأُخِّرَتْ عُقُوبَةُ الْمُقِيمِينَ عَلَى التَّكْذِيبِ إِلَى الْآخِرَةِ ، فَقَالَ لَهُمْ : كَفَاكُمْ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا وَحَسْبَكُمْ أَيُّهَا الْمُكَذِّبُونَ بِمَا أَنْزَلْتُ عَلَى مُحَمَّدٍ نَبِيِّي وَرَسُولِي بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا يَعْنِي : بِنَارِ جَهَنَّمَ تُسْعَرُ عَلَيْكُمْ أَيْ : تُوقَدُ عَلَيْكُمْ . وَقِيلَ : سَعِيرًا أَصْلُهُ مَسْعُورًا مَنْ سُعِرَتْ تُسْعَرُ فَهِيَ مَسْعُورَةٌ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ : ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ ﴾ [ سُورَةُ التَّكْوِيرِ : 12 ] ، وَلَكِنَّهَا صُرِفَتْ إِلَى فَعِيلٍ كَمَا قِيلَ : كَفٌّ خَضِيبٌ ، وَلِحْيَةٌ دَهِينٌ ، بِمَعْنَى : مَخْضُوبَةٌ وَمَدْهُونَةٌ - وَالسَّعِيرُ : الْوَقُودُ .