الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ . . . . "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - بِقَوْلِهِ : مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ مَا يُصِيبُكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ رَخَاءٍ وَنِعْمَةٍ وَعَافِيَةٍ وَسَلَامَةٍ فَمِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْكَ ، يَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْكَ إِحْسَانًا مِنْهُ إِلَيْكَ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ يَعْنِي : وَمَا أَصَابَكَ مِنْ شِدَّةٍ وَمَشَقَّةٍ وَأَذًى وَمَكْرُوهٍ فَمِنْ نَفْسِكَ يَعْنِي : بِذَنْبٍ اسْتَوْجَبَتْهَا بِهِ ، اكْتَسَبَتْهُ نَفْسُكَ ، كَمَا : - 9968 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ أَمَّا مِنْ نَفْسِكَ فَيَقُولُ : مِنْ ذَنْبِكَ . 9969 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ عُقُوبَةٌ يَا ابْنَ آدَمَ بِذَنْبِكَ . قَالَ : وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى - اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَقُولُ : لَا يُصِيبُ رَجُلًا خَدْشُ عُودٍ ، وَلَا عَثْرَةُ قَدَمٍ ، وَلَا اخْتِلَاجُ عِرْقٍ إِلَّا بِذَنْبٍ ، وَمَا يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أَكْثَرُ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا وَجْهُ دُخُولِ مِنْ فِي قَوْلِهِ : مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ وَمِنْ سَيِّئَةٍ ؟ قِيلَ : اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ . فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْبَصْرَةِ : أُدْخِلَتْ مِنْ ؛ لِأَنَّ مِنْ تَحْسُنُ مَعَ النَّفْيِ ، مِثْلُ : مَا جَاءَنِي مِنْ أَحَدٍ . قَالَ : وَدُخُولُ الْخَبَرِ بِالْفَاءِ ؛ لِأَنَّ مَا بِمَنْزِلَةِ مِنْ .
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْكُوفَةِ : أُدْخِلَتْ مِنْ مَعَ مَا كَمَا تَدْخُلُ عَلَى إِنْ فِي الْجَزَاءِ ؛ لِأَنَّهُمَا حَرَفَا جَزَاءٍ . وَكَذَلِكَ تَدْخُلُ مَعَ مِنْ إِذَا كَانَتْ جَزَاءً ، فَتَقُولُ الْعَرَبُ : مَنْ يَزُرْكَ مِنْ أَحَدٍ فَتُكْرِمْهُ ، كَمَا تَقُولُ : إِنْ يَزُرْكَ مِنْ أَحَدٍ فَتُكْرِمْهُ . قَالَ : وَأَدْخَلُوهَا مَعَ مَا وَمِنْ ؛ لِيُعْلَمَ بِدُخُولِهَا مَعَهُمَا أَنَّهُمَا جَزَاءٌ .
قَالُوا : وَإِذَا دَخَلَتْ مَعَهُمَا لَمْ تُحْذَفْ ؛ لِأَنَّهَا إِذَا حُذِفَتْ صَارَ الْفِعْلُ رَافِعًا شَيْئَيْنِ ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا فِي قَوْلِهِ : مَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةِ رُفِعَ بِقَوْلِهِ : أَصَابَكَ فَلَوْ حُذِفَتْ مِنْ رَفَعَ قَوْلُهُ : أَصَابَكَ السَّيِّئَةَ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ : إِنْ تُصِبْكَ سَيِّئَةٌ ، فَلَمْ يَجُزْ حَذْفُ مِنْ لِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي هُوَ عَلَى فَعَلَ أَوْ يَفْعَلُ لَا يَرْفَعُ شَيْئَيْنِ . وَجَازَ ذَلِكَ مَعَ مِنْ ؛ لِأَنَّهَا تَشْتَبِهُ بِالصِّفَاتِ ، وَهِيَ فِي مَوْضِعِ اسْمٍ . فَأَمَّا إِنْ فَإِنَّ مِنْ تَدْخُلُ مَعَهَا وَتَخْرُجُ ، وَلَا تَخْرُجُ مَعَ أَيٍّ ؛ لِأَنَّهَا تُعْرَبُ فَيَبِينُ فِيهَا الْإِعْرَابُ ، وَدَخَلَتْ مَعَ مَا ؛ لِأَنَّ الْإِعْرَابَ لَا يَظْهَرُ فِيهَا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ( 79 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولا ، إِنَّمَا جَعَلْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ رَسُولًا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْخُلُقِ ، تُبَلِّغُهُمْ مَا أَرْسَلْنَاكَ بِهِ مِنْ رِسَالَةٍ ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ غَيْرُ الْبَلَاغِ وَأَدَاءُ الرِّسَالَةِ إِلَى مَنْ أُرْسِلْتَ ، فَإِنْ قَبِلُوا مَا أُرْسِلْتَ بِهِ فَلِأَنْفُسِهِمْ ، وَإِنْ رَدُّوا فَعَلَيْهَا . وَكَفَى بِاللَّهِ عَلَيْكَ وَعَلَيْهِمْ شَهِيدًا يَقُولُ : حَسْبُكَ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - شَاهِدًا عَلَيْكَ فِي بَلَاغِكَ مَا أَمَرْتُكَ بِبَلَاغِهِ مِنْ رِسَالَتِهِ وَوَحْيِهِ ، وَعَلَى مَنْ أُرْسِلْتَ إِلَيْهِ فِي قَبُولِهِمْ مِنْكَ مَا أُرْسِلْتَ بِهِ إِلَيْهِمْ ، فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَمْرُكَ وَأَمْرُهُمْ ، وَهُوَ مُجَازِيكَ بِبَلَاغِكَ مَا وَعَدَكَ ، وَمُجَازِيهِمْ مَا عَمِلُوا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ ، جَزَاءَ الْمُحْسِنِ بِإِحْسَانِهِ ، وَالْمُسِيءِ بِإِسَاءَتِهِ .