الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى : " فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ - جَلَّ ثَنَاؤُهُ - : فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ : فَجَاهِدْ يَا مُحَمَّدُ أَعْدَاءَ اللَّهِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ بِهِ . فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَعْنِي : فِي دِينِهِ الَّذِي شَرَعَهُ لَكَ ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ ، وَقَاتِلْهُمْ فِيهِ بِنَفْسِكَ . فَأَمَّا قَوْلُهُ : لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ فَإِنَّهُ يَعْنِي : لَا يُكَلِّفُكَ اللَّهُ فِيمَا فَرَضَ عَلَيْكَ مِنْ جِهَادِ عَدُوِّهِ وَعَدُوِّكَ إِلَّا مَا حَمَّلَكَ مِنْ ذَلِكَ دُونَ مَا حَمَّلَ غَيْرَكَ مِنْهُ أَيْ : إِنَّكَ إِنَّمَا تُتَّبَعُ بِمَا اكْتَسَبْتَهُ دُونَ مَا اكْتَسَبَهُ غَيْرُكَ ، وَإِنَّمَا عَلَيْكَ مَا كُلِّفْتَهُ دُونَ مَا كُلِّفَهُ غَيْرُكَ .
ثُمَّ قَالَ لَهُ : وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ يَعْنِي : وَحُضَّهُمْ عَلَى قِتَالِ مَنْ أَمَرْتُكَ بِقِتَالِهِمْ مَعَكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَقُولُ : لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَكُفَّ قِتَالَ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَجَحَدَ وَحْدَانِيَّتَهُ وَأَنْكَرَ رِسَالَتَكَ عَنْكَ وَعَنْهُمْ ، وَنِكَايَتَهُمْ . وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ عَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلا يَقُولُ : وَاللَّهُ أَشَدُّ نِكَايَةً فِي عَدُوِّهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ مِنْهُمْ فِيكَ يَا مُحَمَّدُ وَفِي أَصْحَابِكَ ، فَلَا تَنْكُلَنَّ عَنْ قِتَالِهِمْ ، فَإِنِّي رَاصِدُهُمُ بِالْبَأْسِ وَالنِّكَايَةِ وَالتَّنْكِيلِ وَالْعُقُوبَةِ ؛ لِأُوهِنَ كَيْدَهُمْ ، وَأُضَعِّفَ بَأْسَهُمْ ، وَأُعْلِيَ الْحَقَّ عَلَيْهِمْ .
وَالتَّنْكِيلُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : نَكَّلْتُ بِفُلَانٍ فَأَنَا أُنَكِّلُ بِهِ تَنْكِيلًا : إِذَا أَوْجَعْتُهُ عُقُوبَةً ، كَمَا : - 10014 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلَهُ : وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا : أَيْ عُقُوبَةً .