الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ ، يَسْتَخْفِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ مَا أَتَوْا مِنَ الْخِيَانَةِ ، وَرَكِبُوا مِنَ الْعَارِ وَالْمَعْصِيَةِ مِنَ النَّاسِ الَّذِينَ لَا يَقْدِرُونَ لَهُمْ عَلَى شَيْءٍ ، إِلَّا ذِكْرِهِمْ بِقَبِيحِ مَا أَتَوْا مِنْ فِعْلِهِمْ ، وَشَنِيعِ مَا رَكِبُوا مِنْ جُرْمِهِمْ إِذَا اطَّلَعُوا عَلَيْهِ ، حَيَاءً مِنْهُمْ وَحَذَرًا مِنْ قَبِيحِ الْأُحْدُوثَةِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ الَّذِي هُوَ مُطَّلِعٌ عَلَيْهِمْ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَعْمَالِهِمْ ، وَبِيَدِهِ الْعِقَابُ وَالنَّكَالُ وَتَعْجِيلُ الْعَذَابِ ، وَهُوَ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحَى مِنْهُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَأَوْلَى أَنْ يُعَظَّمَ بِأَنْ لَا يَرَاهُمْ حَيْثُ يَكْرَهُونَ أَنْ يَرَاهُمْ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِهِ وَهُوَ مَعَهُمْ يَعْنِي : وَاللَّهُ شَاهَدَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ ، يَقُولُ : حِينَ يُسَوُّونَ لَيْلًا مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ ، فَيُغَيِّرُونَهُ عَنْ وَجْهِهِ ، وَيَكْذِبُونَ فِيهِ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى التَّبْيِيتِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَأَنَّهُ كُلُّ كَلَامٍ أَوْ أَمْرٍ أُصْلِحَ لَيْلًا . وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الطَّائِيِّينَ أَنَّ التَّبْيِيتَ فِي لُغَتِهِمْ : التَّبْدِيلُ ، وَأُنْشِدَ لِلْأَسْوَدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ جُوَيْنٍ الطَّائِيِّ فِي مُعَاتَبَةِ رَجُلٍ : وَبَيَّتَّ قَوْلِيَ عَبْدَ الْمَلِيكِ قَاتَلَكَ اللَّهُ عَبْدًا كَنُودًا!! بِمَعْنَى : بَدَّلْتَ قَوْلِي .
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي رَزِينٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : يُبَيِّتُونَ ، يُؤَلِّفُونَ . 10419 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ : إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ ، قَالَ : يُؤَلِّفُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ . 10420 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ الْوَاسِطِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى الْحِمَّانِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ بِنَحْوِهِ .
10421 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي رَزِينٍ ، مِثْلَهُ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا الْقَوْلُ شَبِيهُ الْمَعْنَى بِالَّذِي قُلْنَاهُ . وَذَلِكَ أَنَّ التَّأْلِيفَ هُوَ التَّسْوِيَةُ وَالتَّغْيِيرُ عَمَّا هُوَ بِهِ ، وَتَحْوِيلُهُ عَنْ مَعْنَاهُ إِلَى غَيْرِهِ .
وَقَدْ قِيلَ : عَنَى بِقَوْلِهِ : يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ ، الرَّهْطَ الَّذِينَ مَشَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسْأَلَةِ الْمُدَافَعَةِ عَنِ ابْنِ أُبَيْرِقٍ وَالْجِدَالِ عَنْهُ ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ فِيمَا مَضَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ . وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُ هَؤُلَاءِ الْمُسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ ، فِيمَا أَتَوْا مِنْ جُرْمِهِمْ ، حَيَاءً مِنْهُمْ ، مِنْ تَبْيِيتِهِمْ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ ، وَغَيْرِهِ مِنْ أَفْعَالِهِمْ مُحِيطًا مُحْصِيًا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ ، حَافِظًا لِذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، حَتَّى يُجَازِيَهُمْ عَلَيْهِ جَزَاءَهُمْ .