الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ ، وَلَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَفَضَّلَ عَلَيْكَ ، يَا مُحَمَّدُ ، فَعَصَمَكَ بِتَوْفِيقِهِ وَتِبْيَانِهِ لَكَ أَمْرَ هَذَا الْخَائِنِ ، فَكَفَفْتَ لِذَلِكَ عَنِ الْجِدَالِ عَنْهُ ، وَمُدَافَعَةِ أَهْلِ الْحَقِّ عَنْ حَقِّهِمْ قِبَلَهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَقُولُ : لَهَمَّتْ فِرْقَةٌ مِنْهُمْ ، يَعْنِي مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ يَقُولُ : يُزِلُّوكَ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ ، وَذَلِكَ لِتَلْبِيسِهِمْ أَمْرَ الْخَائِنِ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَشَهَادَتِهِمْ لِلْخَائِنِ عِنْدَهُ بِأَنَّهُ بَرِيءٌ مِمَّا ادُّعِيَ عَلَيْهِ ، وَمَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاهُ أَنْ يَعْذُرَهُ وَيَقُومَ بِمَعْذِرَتِهِ فِي أَصْحَابِهِ ، فَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَمَا يُضِلُّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَمُّوا بِأَنْ يُضِلُّوكَ عَنِ الْوَاجِبِ مِنَ الْحُكْمِ فِي أَمْرِ هَذَا الْخَائِنِ دِرْعَ جَارِهِ ، إِلا أَنْفُسَهُمْ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : مَا كَانَ وَجْهُ إِضْلَالِهِمْ أَنْفُسَهُمْ؟ قِيلَ : وَجْهُ إِضْلَالِهِمْ أَنْفُسَهُمْ : أَخْذُهُمْ بِهَا فِي غَيْرِ مَا أَبَاحَ اللَّهُ لَهُمُ الْأَخْذَ بِهَا فِيهِ مِنْ سُبُلِهِ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ كَانَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ فِيمَا تَقَدَّمَ فِي كِتَابِهِ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ إِلَى خَلْقِهِ ، بِالنَّهْيِ عَنْ أَنْ يَتَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ، وَالْأَمْرِ بِالتَّعَاوُنِ عَلَى الْحَقِّ . فَكَانَ مِنَ الْوَاجِبِ لِلَّهِ فِيمَنْ سَعَى فِي أَمْرِ الْخَائِنِينَ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّهُ أَمْرَهُمْ بِقَوْلِهِ : وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ، مُعَاوَنَةُ مَنْ ظَلَمُوهُ ، دُونَ مَنْ خَاصَمَهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَلَبِ حَقِّهِ مِنْهُمْ .
فَكَانَ سَعْيُهُمْ فِي مَعُونَتِهِمْ ، دُونَ مَعُونَةِ مَنْ ظَلَمُوهُ ، أَخْذًا مِنْهُمْ فِي غَيْرِ سَبِيلِ اللَّهِ . وَذَلِكَ هُوَ إِضْلَالُهُمْ أَنْفُسَهُمُ الَّذِي وَصَفَهُ اللَّهُ فَقَالَ : وَمَا يُضِلُّونَ إِلا أَنْفُسَهُمْ . وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ ، وَمَا يَضُرُّكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَمُّوا لَكَ أَنْ يُزِلُّوكَ عَنِ الْحَقِّ فِي أَمْرِ هَذَا الْخَائِنِ مِنْ قَوْمِهِ وَعَشِيرَتِهِ مِنْ شَيْءٍ لِأَنَّ اللَّهَ مُثَبِّتُكَ وَمُسَدِّدُكَ فِي أُمُورِكَ ، وَمُبَيِّنٌ لَكَ أَمْرَ مَنْ سَعَوْا فِي إِضْلَالِكَ عَنِ الْحَقِّ فِي أَمْرِهِ وَأَمْرِهِمْ ، فَفَاضِحُهُ وَإِيَّاهُمْ .
وَقَوْلُهُ : وَأَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ، يَقُولُ : وَمِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْكَ ، يَا مُحَمَّدُ ، مَعَ سَائِرِ مَا تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْكَ مِنْ نِعَمِهِ ، أَنَّهُ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَهُوَ الْقُرْآنُ الَّذِي فِيهِ بَيَانُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ وَالْحِكْمَةَ يَعْنِي : وَأَنْزَلَ عَلَيْكَ مَعَ الْكِتَابِ الْحِكْمَةَ ، وَهِيَ مَا كَانَ فِي الْكِتَابِ مُجْمَلًا ذِكْرُهُ ، مِنْ حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ ، وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ، وَأَحْكَامِهِ ، وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ مِنْ خَبَرِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ، وَمَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ ، فَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْكَ ، يَا مُحَمَّدُ ، مُذْ خَلَقَكَ ، فَاشْكُرْهُ عَلَى مَا أَوْلَاكَ مِنْ إِحْسَانِهِ إِلَيْكَ ، بِالتَّمَسُّكِ بِطَاعَتِهِ ، وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى رِضَاهُ وَمَحَبَّتِهِ ، وَلُزُومِ الْعَمَلِ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ فِي كِتَابِهِ وَحِكْمَتِهِ ، وَمُخَالَفَةِ مَنْ حَاوَلَ إِضْلَالَكَ عَنْ طَرِيقِهِ وَمِنْهَاجِ دِينِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّاكَ بِفَضْلِهِ ، وَيَكْفِيكَ غَائِلَةَ مَنْ أَرَادَكَ بِسُوءٍ وَحَاوَلَ صَدَّكَ عَنْ سَبِيلِهِ ، كَمَا كَفَاكَ أَمْرَ الطَّائِفَةِ الَّتِي هَمَّتْ أَنْ تُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِهِ فِي أَمْرِ هَذَا الْخَائِنِ . وَلَا أَحَدَ دُونَهُ يُنْقِذُكَ مِنْ سُوءٍ إِنْ أَرَادَ بِكَ ، إِنْ أَنْتَ خَالَفْتَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ، وَاتَّبَعْتَ هَوَى مَنْ حَاوَلَ صَدَّكَ عَنْ سَبِيلِهِ . وَهَذِهِ الْآيَةُ تَنْبِيهٌ مِنَ اللَّهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَوْضِعِ خَطَئِهِ ، وَتَذْكِيرٌ مِنْهُ لَهُ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ مِنْ حَقِّهِ .