الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَى النَّاسِ جَمِيعًا إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ وَ الْمَعْرُوفُ ، هُوَ كُلُّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَوْ نَدَبَ إِلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَالْخَيْرِ ، أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ، وَهُوَ الْإِصْلَاحُ بَيْنَ الْمُتَبَايِنَيْنِ أَوِ الْمُخْتَصِمَيْنِ ، بِمَا أَبَاحَ اللَّهُ الْإِصْلَاحَ بَيْنَهُمَا ، لِيَتَرَاجَعَا إِلَى مَا فِيهِ الْأُلْفَةُ وَاجْتِمَاعُ الْكَلِمَةِ ، عَلَى مَا أَذِنَ اللَّهُ وَأَمَرَ بِهِ . ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِمَا وَعَدَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَالَ : وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ، يَقُولُ : وَمَنْ يَأْمُرْ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ مِنَ الْأَمْرِ ، أَوْ يُصْلِحْ بَيْنَ النَّاسِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ، يَعْنِي : طَلَبَ رِضَا اللَّهِ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ، يَقُولُ : فَسَوْفَ نُعْطِيهِ جَزَاءً لِمَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ عَظِيمًا ، وَلَا حَدَّ لِمَبْلَغِ مَا سَمَّى اللَّهُ عَظِيمًا يَعْلَمُهُ سِوَاهُ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ : لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ .
فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْبَصْرَةِ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ ، إِلَّا فِي نَجْوَى مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ ، كَأَنَّهُ عَطَفَ بِ مَنْ عَلَى الْهَاءِ وَالْمِيمِ الَّتِي فِي نَجْوَاهُمْ . وَذَلِكَ خَطَأٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ، لِأَنَّ إِلَّا لَا تُعْطَفُ عَلَى الْهَاءِ وَالْمِيمِ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَنَلْهُ الْجَحْدُ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْكُوفَةِ : قَدْ تَكُونُ مَنْ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ وَنَصْبٍ .
أَمَّا الْخَفْضُ ، فَعَلَى قَوْلِكَ : لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا فِيمَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ . فَتَكُونُ النَّجْوَى عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ، هُمُ الرِّجَالُ الْمُنَاجُونَ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ [ سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ : 7 ] ، وَكَمَا قَالَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى [ سُورَةُ الْإِسْرَاءِ : 47 ] . وَأَمَّا النَّصْبُ ، فَعَلَى أَنْ تَجْعَلَ النَّجْوَى فِعْلًا فَيَكُونُ نَصْبًا ، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ اسْتِثْنَاءً مُنْقَطِعًا ، لِأَنَّ مَنْ خِلَافُ النَّجْوَى ، فَيَكُونُ ذَلِكَ نَظِيرَ قَوْلِ الشَّاعِرِ .
وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ إِلَّا أَوَارِيَّ لَأْيًا مَا أُبَيِّنُهَا . وَقَدْ يَحْتَمِلُ مَنْ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَنْ يَكُونَ رَفْعًا ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : وَبَلْدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسُ إِلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ ، أَنْ تُجْعَلَ مَنْ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ ، بِالرَّدِّ عَلَى النَّجْوَى وَتَكُونُ النَّجْوَى بِمَعْنَى جَمْعِ الْمُتَنَاجِينَ ، خَرَجَ مَخْرَجَ السَّكْرَى وَ الْجَرْحَى وَ الْمَرْضَى . وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ أَظْهَرُ مَعَانِيهِ .
فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ : لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَنَاجِينَ ، يَا مُحَمَّدُ ، مِنَ النَّاسِ ، إِلَّا فِيمَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ، فَإِنَّ أُولَئِكَ فِيهِمُ الْخَيْرُ .