الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَقَدْ نَـزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ ، يَقُولُ : أَخْبِرْ مَنِ اتَّخَذَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الْكُفَّارَ أَنْصَارًا وَأَوْلِيَاءَ بَعْدَ مَا نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ ، أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ، يَعْنِي : بَعْدَ مَا عَلِمُوا نَهْيَ اللَّهِ عَنْ مُجَالَسَةِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِحُجَجِ اللَّهِ وَآيِ كِتَابِهِ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهَا حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ، يَعْنِي بِقَوْلِهِ : يَخُوضُوا ، يَتَحَدَّثُوا حَدِيثًا غَيْرَهُ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا . وَقَوْلُهُ : إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ، يَعْنِي : وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ أَنَّكُمْ إِنْ جَالَسْتُمْ مَنْ يَكْفُرُ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَسْتَهْزِئُ بِهَا وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ ، فَأَنْتُمْ مِثْلُهُ يَعْنِي : فَأَنْتُمْ إِنْ لَمْ تَقُومُوا عَنْهُمْ فِي تِلْكَ الْحَالِ ، مِثْلُهُمْ فِي فِعْلِهِمْ ، لِأَنَّكُمْ قَدْ عَصَيْتُمُ اللَّهَ بِجُلُوسِكُمْ مَعَهُمْ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا ، كَمَا عَصَوْهُ بِاسْتِهْزَائِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ . فَقَدْ أَتَيْتُمْ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ نَحْوَ الَّذِي أَتَوْهُ مِنْهَا ، فَأَنْتُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ فِي رُكُوبِكُمْ مَعْصِيَةَ اللَّهِ ، وَإِتْيَانِكُمْ مَا نَهَاكُمُ اللَّهُ عَنْهُ .
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ ، الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ مُجَالَسَةِ أَهْلِ الْبَاطِلِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ ، مِنَ الْمُبْتَدَعَةِ وَالْفَسَقَةِ ، عِنْدَ خَوْضِهِمْ فِي بَاطِلِهِمْ . وَبِنَحْوِ ذَلِكَ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَاضِينَ يَقُولُونَ ، تَأَوُّلًا مِنْهُمْ هَذِهِ الْآيَةَ أَنَّهُ مُرَادٌ بِهَا النَّهْيَ عَنْ مُشَاهَدَةِ كُلِّ بَاطِلٍ عِنْدَ خَوْضِ أَهْلِهِ فِيهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10708 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، قَالَ : إِنَّ الرَّجُلَ لِيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ فِي الْمَجْلِسِ مِنَ الْكَذِبِ لِيُضْحِكَ بِهَا جُلَسَاءَهُ ، فَيَسْخَطُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ .
قَالَ : فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخْعِيِّ ، فَقَالَ : صَدَقَ أَبُو وَائِلٍ ، أَوْ لَيْسَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ : أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ؟ 10709 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمِنْهَالِ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ : أَخَذَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَوْمًا عَلَى شَرَابٍ فَضَرَبَهُمْ ، وَفِيهِمْ صَائِمٌ ، فَقَالُوا : إِنَّ هَذَا صَائِمٌ! فَتَلَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ . 10710 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا ، وَقَوْلُهُ : وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ، [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 153 ] ، وَقَوْلُهُ : أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ [ سُورَةُ الشُّورَى : 13 ] ، وَنَحْوَ هَذَا مِنَ الْقُرْآنِ . قَالَ : أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَمَاعَةِ ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الِاخْتِلَافِ وَالْفُرْقَةِ ، وَأَخْبَرَهُمْ : إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْمِرَاءِ وَالْخُصُومَاتِ فِي دِينِ اللَّهِ .
وَقَوْلُهُ : إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ، يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ فِي الْقِيَامَةِ فِي النَّارِ ، فَمُوَفِّقٌ بَيْنَهُمْ فِي عِقَابِهِ فِي جَهَنَّمَ وَأَلِيمِ عَذَابِهِ ، كَمَا اتَّفَقُوا فِي الدُّنْيَا فَاجْتَمَعُوا عَلَى عَدَاوَةِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَتَوَازَرُوا عَلَى التَّخْذِيلِ عَنْ دِينِ اللَّهِ وَعَنِ الَّذِي ارْتَضَاهُ وَأَمَرَ بِهِ وَأَهْلِهِ . وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : وَقَدْ نَـزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ . فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ الْقَرَأَةِ بِضَمِّ النُّونِ وَتَثْقِيلِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِهَا ، عَلَى وَجْهِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ .
وَقَرَأَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ ، عَلَى مَعْنَى : وَقَدْ نَزَّلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ . وَقَرَأَ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ : ( وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْكُمْ ) بِفَتْحِ النُّونِ ، وَتَخْفِيفِ الزَّايِ ، بِمَعْنَى : وَقَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ الثَّلَاثِ وَجْهٌ يَبْعُدُ مَعْنَاهُ مِمَّا يَحْتَمِلُهُ الْكَلَامُ .
غَيْرَ أَنَّ الَّذِي أَخْتَارُ الْقِرَاءَةَ بِهِ ، قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ : ( وَقَدْ نُزِّلَ ) بِضَمِّ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ ، عَلَى وَجْهِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ . لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ فِيهِ التَّقْدِيمُ عَلَى مَا وَصَفَتُ قَبْلُ ، عَلَى مَعْنَى : الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَقَدْ نَـزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا إِلَى قَوْلِهِ : حَدِيثٍ غَيْرِهِ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ . فَقَوْلُهُ : فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ، يَعْنِي التَّأْخِيرَ ، فَلِذَلِكَ كَانَ ضَمُّ النُّونِ مِنْ قَوْلِهِ : نُزِّلَ أَصْوَبَ عِنْدَنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَـزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْـزَلَ مِنْ قَبْلُ . فَقَرَأَهُ بِفَتْحِ ( نَزَلَ ) وَ ( أَنْزَلَ ) أَكْثَرُ الْقَرَأَةِ ، بِمَعْنَى : وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ ، وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قَرَأَةِ الْبَصْرَةِ بِضَمِّهِ فِي الْحَرْفَيْنِ كِلَيْهِمَا ، بِمَعْنَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ .
وَهُمَا مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى . غَيْرَ أَنَّ الْفَتْحَ فِي ذَلِكَ أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنَ الضَّمِّ ، لِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ قَدْ جَرَى قَبْلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ .