الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : اخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ . فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْأَمْصَارِ بِضَمِّ الظَّاءِ . وَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ : ( إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ) ، بِفَتْحِ الظَّاءِ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ بِضَمِّ الظَّاءِ فِي تَأْوِيلِهِ . فَقَالَ بَعْضُهُمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَا يُحِبُّ اللَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَنْ يَجْهَرَ أَحَدُنَا بِالدُّعَاءِ عَلَى أَحَدٍ ، وَذَلِكَ عِنْدَهُمْ هُوَ الْجَهْرُ بِالسُّوءِ إِلَّا مِنْ ظُلِمَ ، يَقُولُ : إِلَّا مِنْ ظُلِمَ فَيَدْعُوَ عَلَى ظَالِمِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَا يَكَرَهُ لَهُ ذَلِكَ ، لِأَنَّهُ قَدْ رَخَّصَ لَهُ فِي ذَلِكَ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10749 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ ، يَقُولُ : لَا يُحِبُّ اللَّهُ أَنْ يَدْعُوَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَظْلُومًا ، فَإِنَّهُ قَدْ أَرْخَصَ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ، وَإِنْ صَبَرَ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ .
10750 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيٍّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ ، فَإِنَّهُ يُحِبُّ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ . 10751 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ﴾ ، عَذَرَ اللَّهُ الْمَظْلُومَ كَمَا تَسْمَعُونَ : أَنْ يَدْعُوَ . 10752 - حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَبِيدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ يُونُسَ ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ : هُوَ الرَّجُلُ يَظْلِمُ الرَّجُلَ فَلَا يَدْعُ عَلَيْهِ ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ : اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِ ، اللَّهُمَّ اسْتَخْرِجْ لِي حَقِّي ، اللَّهُمَّ حُلْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا يُرِيدُ ، وَنَحْوَهُ مِنَ الدُّعَاءِ .
فَ مَنْ ، عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا ، فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ . لِأَنَّهُ وَجَّهَهُ إِلَى أَنَّ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ فِي مَعْنَى الدُّعَاءِ ، وَاسْتَثْنَى الْمَظْلُومَ مِنْهُ . فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ : لَا يُحِبُّ اللَّهُ أَنْ يُجْهِرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ ، إِلَّا الْمَظْلُومَ ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي الْجَهْرِ بِهِ .
وَهَذَا مَذْهَبٌ يَرَاهُ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ خَطَأً فِي الْعَرَبِيَّةِ . وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَفْعًا عِنْدَهُمْ بِ الْجَهْرِ ، لِأَنَّهَا فِي صِلَةِ أَنْ وَلَمْ يَنَلْهُ الْجَحْدُ ، فَلَا يَجُوزُ الْعَطْفُ عَلَيْهِ . مِنْ خَطَأٍ عِنْدَهُمْ أَنْ يُقَالَ : لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَقُومَ إِلَّا زَيْدٌ .
وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَنْ نَصْبًا ، عَلَى تَأْوِيلِ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ ، كَلَامًا تَامًّا ، ثُمَّ قِيلَ : إِلَّا مِنْ ظُلِمَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ ، فَيَكُونُ مَنْ اسْتِثْنَاءً مِنَ الْفِعْلِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَبْلَ الِاسْتِثْنَاءِ شَيْءٌ ظَاهِرٌ يُسْتَثْنَى مِنْهُ ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ﴿إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ﴾ ، [ سُورَةُ الْغَاشِيَةِ : 22 - 23 ] ، وَكَقَوْلِهِمْ : إِنِّي لَأَكْرَهُ الْخُصُومَةَ وَالْمِرَاءَ ، اللَّهُمَّ إِلَّا رَجُلًا يُرِيدُ اللَّهَ بِذَلِكَ ، وَلَمْ يُذْكَرْ قَبْلَهُ شَيْءٌ مِنَ الْأَسْمَاءِ . وَ مَنْ ، عَلَى قَوْلِ الْحَسَنِ هَذَا ، نَصْبٌ ، عَلَى أَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْ مَعْنَى الْكَلَامِ ، لَا مِنَ الِاسْمِ ، كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، إِذَا وُجِّهَ مَنْ ، إِلَى النَّصْبِ ، وَكَقَوْلِ الْقَائِلِ : كَانَ مِنَ الْأَمْرِ كَذَا وَكَذَا ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنَّ فُلَانًا جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَعَلَ كَذَا وَكَذَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ ، إِلَّا مِنْ ظُلِمَ فَيُخْبِرُ بِمَا نِيلَ مِنْهُ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10753 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : هُوَ الرَّجُلُ يَنْزِلُ بِالرَّجُلِ فَلَا يُحْسِنُ ضِيَافَتَهُ ، فَيَخْرُجُ مِنْ عِنْدِهِ فَيَقُولُ : أَسَاءَ ضِيَافَتِي وَلَمْ يُحْسِنْ! 10754 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : إِلا مَنْ ظُلِمَ ، قَالَ : إِلَّا مِنْ أَثَرِ مَا قِيلَ لَهُ . 10755 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ ، قَالَ : هُوَ الضَّيْفُ الْمُحَوِّلُ رَحْلَهُ ، فَإِنَّهُ يَجْهَرُ لِصَاحِبِهِ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ ، الرَّجُلَ يَنْزِلُ بِالرَّجُلِ فَلَا يَقْرِيهِ ، فَيَنَالُ مِنَ الَّذِي لَمَّ يَقْرِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10756 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : إِلا مَنْ ظُلِمَ ، قَالَ : إِلَّا مِنْ ظُلِمَ فَانْتَصَرَ ، يَجْهَرُ بِالسُّوءِ . 10757 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، مِثْلَهُ . 10758 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ ، قَالَ : هُوَ الرَّجُلُ يَنْزِلُ بِالرَّجُلِ فَلَا يُحْسِنُ إِلَيْهِ ، فَقَدْ رَخَّصَ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَقُولَ فِيهِ .
10759 - وَحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَمَّادٍ الدُّولَابِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ ، قَالَ : هُوَ فِي الضِّيَافَةِ ، يَأْتِي الرَّجُلُ الْقَوْمَ ، فَيَنْزِلُ عَلَيْهِمْ ، فَلَا يُضِيفُونَهُ . رَخَّصَ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَقُولَ فِيهِمْ . 10760 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا الْمُثَنَّى بْنُ الصَّبَّاحِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ الْآيَةَ ، قَالَ : ضَافَ رَجُلٌ رَجُلًا فَلَمْ يُؤَدِّ إِلَيْهِ حَقَّ ضِيَافَتِهِ ، فَلَمَّا خَرَجَ أَخْبَرَ النَّاسَ ، فَقَالَ : ضِفْتُ فُلَانًا فَلَمْ يُؤَدِّ حَقَّ ضِيَافَتِي ! فَذَلِكَ جَهْرٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مِنْ ظُلْمَ ، حِينَ لَمْ يُؤَدِّ إِلَيْهِ ضِيَافَتَهُ .
10761 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ قَالَ : قَالَ ابْنِ جُرَيْجٍ ، قَالَ مُجَاهِدٌ : إِلَّا مَنْ ظُلْمَ فَانْتَصَرَ ، يَجْهَرُ بِسُوءٍ . قَالَ مُجَاهِدٌ : نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ ضَافَ رَجُلًا بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ فَلَمْ يُضِفْهُ ، فَنَزَلَتْ : إِلَّا مَنْ ظُلْمَ ، ذُكِرَ أَنَّهُ لَمْ يُضِفْهُ ، لَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : إِلَّا مَنْ ظُلْمَ فَانْتَصَرَ مِنْ ظَالِمِهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10762 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ ، يَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ ، وَلَكِنْ مَنْ ظُلْمَ فَانْتَصَرَ بِمِثْلِ مَا ظُلِمَ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ جَنَاحٌ . فَ مَنْ ، عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا ، سِوَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى انْقِطَاعِهِ مِنَ الْأَوَّلِ . وَالْعَرَبُ مِنْ شَأْنِهَا أَنْ تَنْصِبَ مَا بَعْدَ إِلَّا فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ .
فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ ، سِوَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ ، وَلَكِنْ مَنْ ظُلْمَ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا نِيلَ مِنْهُ ، أَوْ يَنْتَصِرَ مِمَّنْ ظَلَمَهُ . وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ بِفَتْحِ الظَّاءِ : ( إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ) ، وَتَأَوَّلُوهُ : لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ ، إِلَّا مَنْ ظَلَمَ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُجْهِرَ لَهُ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10763 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : كَانَ أَبِي يَقْرَأُ : ( لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ) ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : يَقُولُ : إِلَّا مَنْ أَقَامَ عَلَى ذَلِكَ النِّفَاقِ ، فَيُجْهِرُ لَهُ بِالسُّوءِ حَتَّى يَنْزِعَ .
قَالَ : وَهَذِهِ مِثْلُ : وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ ، أَنْ تُسَمِّيَهُ بِالْفِسْقِ ( بَعْدَ الْإِيمَانِ ) ، بَعْدَ إِذْ كَانَ مُؤْمِنًا ( وَمَنْ لَمْ يَتُبْ ) ، مِنْ ذَلِكَ الْعَمَلِ الَّذِي قِيلَ لَهُ ( فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ، [ سُورَةُ الْحُجُرَاتِ : 11 ] ، قَالَ : هُوَ شَرٌّ مِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ . 10764 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ ، فَقَرَأَ : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ حَتَّى بَلَغَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا . ثُمَّ قَالَ بَعْدَ مَا قَالَ : هُمْ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾) ، ( لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ ، قَالَ : لَا يُحِبُّ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ لِهَذَا : أَلَسْتَ نَافَقْتَ ؟ أَلَسْتَ الْمُنَافِقَ الَّذِي ظَلَمْتَ وَفَعَلْتَ وَفَعَلْتَ ؟ ، مِنْ بَعْدِ مَا تَابَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ، إِلَّا مَنْ أَقَامَ عَلَى النِّفَاقِ .
قَالَ : وَكَأَنَ أَبِي يَقُولُ ذَلِكَ لَهُ ، وَيَقْرَأَهَا : ( إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ) . فَ مَنْ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ نُصِبَ لِتَعَلُّقِهِ بِ الْجَهْرِ . وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ ، عَلَى قَوْلِ قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ : لَا يُحِبُّ اللَّهُ أَنْ يَجْهَرَ أَحَدٌ لِأَحَدٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ ، إِلَّا مَنْ ظَلَمَ مِنْهُمْ فَأَقَامَ عَلَى نِفَاقِهِ ، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْجَهْرِ لَهُ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : إِلا مَنْ ظُلِمَ بِضَمِّ الظَّاءِ ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقَرَأَةِ وَأَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى صِحَّتِهَا ، وَشُذُوذِ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِالْفَتْحِ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ ، فَالصَّوَابُ فِي تَأْوِيلٍ ذَلِكَ : لَا يُحِبُّ اللَّهُ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، أَنْ يَجْهَرَ أَحَدٌ لِأَحَدٍ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ، بِمَعْنَى : إِلَّا مَنْ ظُلِمَ ، فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ أَنْ يُخْبِرَ بِمَا أُسِيءُ عَلَيْهِ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ ، دَخَلَ فِيهِ إِخْبَارُ مَنْ لَمْ يُقْرَ ، أَوْ أُسِيءَ قِرَاهُ ، أَوْ نِيلَ بِظُلْمٍ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالْهِ غَيْرَهُ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ .
وَكَذَلِكَ دُعَاؤُهُ عَلَى مَنْ نَالَهُ بِظُلْمٍ أَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ ، لِأَنَّ فِي دُعَائِهِ عَلَيْهِ إِعْلَامًا مِنْهُ لِمَنْ سَمِعَ دُعَاءَهُ عَلَيْهِ بِالسُّوءِ لَهُ . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَ مَنْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ ، لِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ ، وَأَنَّهُ لَا أَسْمَاءَ قَبْلَهُ يُسْتَثْنَى مِنْهَا ، فَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ : لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ﴿إِلا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ﴾ [ سُورَةُ الْغَاشِيَةِ : 22 - 23 ] . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا ، فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا ، لِمَا تَجْهَرُونَ بِهِ مِنْ سُوءِ الْقَوْلِ لِمَنْ تَجْهَرُونَ لَهُ بِهِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَصْوَاتِكُمْ وَكَلَامِكُمْ عَلِيمًا ، بِمَا تُخْفُونَ مِنْ سُوءِ قَوْلِكُمْ وَكَلَامِكُمْ لِمَنْ تُخْفُونَ لَهُ بِهِ فَلَا تَجْهَرُونَ لَهُ بِهِ ، مَحَّصٍ كُلَّ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ ، حَتَّى يُجَازِيَكُمْ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ جَزَاءَكُمْ ، الْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ ، وَالْمُحْسِنَ بِإِحْسَانِهِ .