حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ . . . . "

) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنْ تَبْدُوَا أَيُّهَا النَّاسُ خَيْرًا ، يَقُولُ : إِنْ تَقُولُوا جَمِيلًا مِنَ الْقَوْلِ لِمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكُمْ ، فَتُظْهِرُوا ذَلِكَ شُكْرًا مِنْكُمْ لَهُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ مَنْ حُسْنِ إِلَيْكُمْ ، أَوْ تُخْفُوهُ ، يَقُولُ : أَوْ تَتْرُكُوا إِظْهَارَ ذَلِكَ فَلَا تُبْدُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ ، يَقُولُ : أَوْ تَصْفَحُوا لِمَنْ أَسَاءَ إِلَيْكُمْ عَنْ إِسَاءَتِهِ ، فَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ الَّذِي قَدْ أَذِنْتُ لَكُمْ أَنْ تَجْهَرُوا لَهُ بِهِ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا ، يَقُولُ : لَمْ يَزَلْ ذَا عَفْوٍ عَنْ خَلْقِهِ ، يَصْفَحُ عَمَّنْ عَصَاهُ وَخَالَفَ أَمْرَهُ قَدِيرًا ، يَقُولُ : ذَا قُدْرَةٍ عَلَى الِانْتِقَامِ مِنْهُمْ . وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ ذَا عَفْوٍ عَنْ عِبَادِهِ ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى عِقَابِهِمْ عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ . يَقُولُ : فَاعْفُوَا ، أَنْتُمْ أَيْضًا ، أَيُّهَا النَّاسُ ، عَمَّنْ أَتَى إِلَيْكُمْ ظُلْمًا ، وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ ، وَإِنْ قَدَرْتُمْ عَلَى الْإِسَاءَةِ إِلَيْهِ ، كَمَا يَعْفُو عَنْكُمْ رَبُّكُمْ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى عِقَابِكُمْ ، وَأَنْتُمْ تَعْصُونَهُ وَتُخَالِفُونَ أَمْرَهُ .

وَفِي قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا ، الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى أَنَّ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ ، بِخِلَافِ التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، فِي زَعْمِهِ أَنَّ مَعْنَاهُ : لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ لِأَهْلِ النِّفَاقِ ، إِلَّا مَنْ أَقَامَ عَلَى نِفَاقِهِ ، فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْجَهْرِ لَهُ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ . وَذَلِكَ أَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ عَقِيبَ ذَلِكَ : إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ ، وَمَعْقُولٌ أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يَأْمُرِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْعَفْوِ عَنِ الْمُنَافِقِينَ عَلَى نِفَاقِهِمْ ، وَلَا نَهَاهُمْ أَنْ يُسَمُّوا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ مُعْلِنَ النِّفَاقِ مُنَافِقًا . بَلِ الْعَفْوُ عَنْ ذَلِكَ ، مِمَّا لَا وَجْهَ لَهُ مَعْقُولٌ .

لِأَنَّ الْعَفْوَ الْمَفْهُومَ ، إِنَّمَا هُوَ صَفْحُ الْمَرْءِ عَمَّا لَهُ قِبَلَ غَيْرِهِ مِنْ حَقٍّ . وَتَسْمِيَةُ الْمُنَافِقِ بِاسْمِهِ لَيْسَ بِحَقٍّ لِأَحَدٍ قِبَلَهُ ، فَيُؤْمَرُ بِعَفْوِهِ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ اسْمٌ لَهُ . وَغَيْرُ مَفْهُومٍ الْأَمْرُ بِالْعَفْوِ عَنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِمَا هُوَ اسْمُهُ .

موقع حَـدِيث