الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا أَيْضًا احْتِجَاجٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّصَارَى الْقَائِلِينَ فِي الْمَسِيحِ مَا وُصِفَ مِنْ قِيلِهِمْ فِيهِ قَبْلُ . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ ، يَا مُحَمَّدُ ، لِهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةِ مِنَ النَّصَارَى ، الزَّاعِمِينَ أَنَّ الْمَسِيحَ رَبُّهُمْ ، وَالْقَائِلِينَ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ : أَتَعْبُدُونَ سِوَى اللَّهِ الَّذِي يَمْلِكُ ضَرَّكُمْ وَنَفْعَكُمْ ، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ ، وَهُوَ يُحْيِيكُمْ وَيُمِيتُكُمْ شَيْئًا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا؟ يُخْبِرُهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّ الْمَسِيحَ الَّذِي زَعَمَ مَنْ زَعَمَ مِنَ النَّصَارَى أَنَّهُ إِلَهٌ ، وَالَّذِي زَعَمَ مَنْ زَعَمَ مِنْهُمْ أَنَّهُ لِلَّهِ ابْنٌ ، لَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا يَدْفَعُهُ عَنْهُمْ إِنْ أَحَلَّهُ اللَّهُ بِهِمْ ، وَلَا نَفْعًا يَجْلِبُهُ إِلَيْهِمْ إِنْ لَمْ يَقْضِهِ اللَّهُ لَهُمْ . يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَكَيْفَ يَكُونُ رَبًّا وَإِلَهًا مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ؟ بَلِ الرَّبُّ الْمَعْبُودُ : الَّذِي بِيَدِهِ كُلُّ شَيْءٍ ، وَالْقَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ .
فَإِيَّاهُ فَاعْبُدُوا وَأَخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ ، دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْعَجَزَةِ الَّذِينَ لَا يَنْفَعُونَكُمْ وَلَا يَضُرُّونَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ فَإِنَّهُ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ : وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ ، لِاسْتِغْفَارِهِمْ لَوِ اسْتَغْفَرُوهُ مِنْ قِيلِهِمْ مَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَهُ فِي الْمَسِيحِ ، وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَنْطِقِهِمْ وَمَنْطِقِ خَلْقِهِ الْعَلِيمُ ، بِتَوْبَتِهِمْ لَوْ تَابُوا مِنْهُ ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهِمْ .