الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَتَجِدَنَّ ، يَا مُحَمَّدُ ، أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينِ صَدَّقُوكَ وَاتَّبَعُوكَ وَصَدَّقُوا بِمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ، يَعْنِي : عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْأَوْثَانَ آلِهَةً يَعْبُدُونَهَا مَنْ دُونِ اللَّهِ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينِ آمَنُوا ، يَقُولُ : وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَ النَّاسِ مَوَدَّةً وَمَحَبَّةً . وَ الْمَوَدَّةُ الْمَفَعْلَةُ ، مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ : وَدِدْتُ كَذَا أَوَدُّهُ وُدًّا ، وَوِدًّا ، وَوَدًّا وَمَوَدَّةً ، إِذَا أَحْبَبْتُهُ . لِلَّذِينِ آمَنُوا ، يَقُولُ : لِلَّذِينِ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ، عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ وَاتِّبَاعِهِ وَالْإِذْعَانِ بِهِ .
وَقِيلَ : إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ وَالَّتِي بَعْدَهَا نَزَلَتْ فِي نَفَرٍ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَصَارَى الْحَبَشَةِ ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ أَسْلَمُوا وَاتَّبَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقِيلَ : إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ وَأَصْحَابٍ لَهُ أَسْلَمُوا مَعَهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 12315 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي الشَّوَارِبِ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا خُصَيْفٌ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : بَعَثَ النَّجَاشِيُّ وَفْدًا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمُوا .
قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ : لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ، إِلَى آخِرِ الْآيَةِ . قَالَ : فَرَجَعُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ فَأَخْبَرُوهُ ، فَأَسْلَمَ النَّجَاشِيُّ ، فَلَمْ يَزَلْ مُسْلِمًا حَتَّى مَاتَ . قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَخَاكُمُ النَّجَاشِيَّ قَدْ مَاتَ ، فَصَلُّوا عَلَيْهِ! فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ ، وَالنَّجَاشِيُّ ثَمَّ .
12316 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ : وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ، قَالَ : هُمُ الْوَفْدُ الَّذِينَ جَاءُوا مَعَ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ . 12317 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِمَكَّةَ خَافَ عَلَى أَصْحَابِهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، فَبَعَثَ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَابْنَ مَسْعُودٍ وَعُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ ، فِي رَهْطٍ مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ . فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ ، بَعَثُوا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فِي رَهْطٍ مِنْهُمْ ، ذُكِرَ أَنَّهُمْ سَبَقُوا أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى النَّجَاشِيِّ ، فَقَالُوا ، إِنَّهُ خَرَجَ فِينَا رَجُلٌ سَفَّهَ عُقُولَ قُرَيْشٍ وَأَحْلَامَهَا ، زَعَمَ أَنَّهُ نَبِيٌّ! وَإِنَّهُ بَعَثَ إِلَيْكَ رَهْطًا لِيُفْسِدُوا عَلَيْكَ قَوْمَكَ ، فَأَحْبَبْنَا أَنْ نَأْتِيَكَ وَنُخْبِرَكَ خَبَرَهُمْ .
قَالَ : إِنْ جَاءُونِي نَظَرْتُ فِيمَا يَقُولُونَ! فَقَدِمَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَمُّوا بَابَ النَّجَاشِيِّ ، فَقَالُوا : اسْتَأْذِنْ لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ! فَقَالَ ، ائْذَنْ لَهُمْ ، فَمَرْحَبًا بِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ! فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ سَلَّمُوا ، فَقَالَ لَهُ الرَّهْطُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ : أَلَّا تَرَى أَيُّهَا الْمَلِكُ أَنَّا صَدَقْنَاكَ؟ لَمْ يُحَيُّوكَ بِتَحِيَّتِكَ الَّتِي تُحَيَّا بِهَا! فَقَالَ لَهُمْ : مَا مَنَعَكُمْ أَنْ تُحَيُّونِي بِتَحِيَّتِي ؟ فَقَالُوا : إِنَّا حَيَّيْنَاكَ بِتَحِيَّةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَتَحِيَّةِ الْمَلَائِكَةِ! قَالَ لَهُمْ : مَا يَقُولُ صَاحِبُكُمْ فِي عِيسَى وَأُمِّهِ؟ قَالَ يَقُولُ : هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَكَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ، وَيَقُولُ فِي مَرْيَمَ : إِنَّهَا الْعَذْرَاءُ الْبَتُولُ . قَالَ : فَأَخَذَ عُودًا مِنَ الْأَرْضِ فَقَالَ : مَا زَادَ عِيسَى وَأُمُّهُ عَلَى مَا قَالَ صَاحِبُكُمْ قَدْرَ هَذَا الْعُودِ! فَكَرِهَ الْمُشْرِكُونَ قَوْلَهُ ، وَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُهُمْ . قَالَ لَهُمْ : هَلْ تَعْرِفُونَ شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ؟ قَالُوا : نَعَمْ! قَالَ : اقْرَءُوا ! فَقَرَءُوا ، وَهُنَالِكَ مِنْهُمْ قِسِّيسُونَ وَرُهْبَانٌ وَسَائِرُ النَّصَارَى ، فَعَرَفَتْ كُلَّ مَا قَرَءُوا وَانْحَدَرَتْ دُمُوعُهُمْ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْـزِلَ إِلَى الرَّسُولِ الْآيَةَ . 12318 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ، الْآيَةَ . قَالَ : بَعَثَ النَّجَاشِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اثَّنَى عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْحَبَشَةِ ، سَبْعَةً قِسِّيسِينَ وَخَمْسَةً رُهْبَانًا ، يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَيَسْأَلُونَهُ .
فَلَمَّا لَقُوهُ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَكَوْا وَآمَنُوا ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِيهِمْ : ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْـزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾ ، فَآمَنُوا ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ ، فَهَاجَرَ النَّجَاشِيُّ مَعَهُمْ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ وَاسْتَغْفَرُوا لَهُ . 12319 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ ، قَالَ عَطَاءٌ فِي قَوْلِهِ : وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى الْآيَةَ ، هُمْ نَاسٌ مِنَ الْحَبَشَةِ آمَنُوا ، إِذْ جَاءَتْهُمْ مُهَاجِرَةُ الْمُؤْمِنِينَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هَذِهِ صِفَةُ قَوْمٍ كَانُوا عَلَى شَرِيعَةِ عِيسَى مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمَنُوا بِهِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 12320 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا ، فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ كَانُوا عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْحَقِّ مِمَّا جَاءَ بِهِ عِيسَى ، يُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَنْتَهُونَ إِلَيْهِ . فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، صَدَّقُوا بِهِ وَآمَنُوا بِهِ ، وَعَرَفُوا الَّذِي جَاءَ بِهِ أَنَّهُ الْحَقُّ ، فَأَثْنَى عَلَيْهِمْ ما تَسْمَعُونَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدِي : أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ صِفَةَ قَوْمٍ قَالُوا : إِنَّا نَصَارَى ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجِدُهُمْ أَقْرَبَ النَّاسِ وِدَادًا لِأَهْلِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَلَمْ يُسَمِّ لَنَا أَسْمَاءَهُمْ .
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أُرِيدُ بِذَلِكَ أَصْحَابُ النَّجَاشِيِّ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أُرِيدُ بِهِ قَوْمٌ كَانُوا عَلَى شَرِيعَةِ عِيسَى ، فَأَدْرَكَهُمُ الْإِسْلَامُ فَأَسْلَمُوا لَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ وَعَرَفُوا أَنَّهُ الْحَقُّ ، وَلَمْ يَسْتَكْبِرُوا عَنْهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى : ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا ، فَإِنَّهُ يَقُولُ : قَرُبَتْ مَوَدَّةُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّهُ صِفَتَهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا . وَ الْقِسِّيسُونَ جَمْعُ قِسِّيسٍ .
وَقَدْ يَجْمَعُ الْقِسِّيسُ ، قُسُوسًا ، لِأَنَّ الْقَسَّ وَ الْقِسِّيسَ ، بِمَعْنًى وَاحِدٍ . وَكَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَقُولُ فِي الْقِسِّيسِ بِمَا : - 12321 - حَدَّثَنَا يُونُسُ قَالَ ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : الْقِسِّيسُ ، عُبَّادُهُمْ . وَأَمَّا الرُّهْبَانُ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعًا .
فَأَمَّا إِذَا كَانَ جَمْعًا ، فَإِنَّ وَاحِدَهُمْ يَكُونُ رَاهِبًا ، وَيَكُونُ الرَّاهِبُ ، حِينَئِذٍ فَاعِلًا مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : رَهِبَ اللَّهَ فُلَانٌ ، بِمَعْنَى خَافَهُ ، يَرْهَبُهُ رَهَبًا وَرَهْبًا ، ثُمَّ يُجْمَعُ الرَّاهِبُ ، رُهْبَانٌ مِثْلَ رَاكِبٍ وَ رُكْبَانٍ ، وَ فَارِسٍ وَ فُرْسَانٍ . وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عِنْدَ الْعَرَبِ جَمْعًا قَوْلُ الشَّاعِرِ : رُهْبَانُ مَدْيَنَ لَوْ رَأَوْكَ تَنَزَّلُوا وَالْعُصْمُ مِنْ شَعَفِ الْعَقُولِ الْفَادِرِ وَقَدْ يَكُونُ الرُّهْبَانُ وَاحِدًا . وَإِذَا كَانَ وَاحِدًا كَانَ جَمْعُهُ رَهَابِينَ مِثْلَ قُرْبَانٍ وَ قَرَابِينَ ، وَ جُرْدَانٍ .
وَ جَرَادِينَ . وَيَجُوزُ جَمْعُهُ أَيْضًا رَهَابِنَةٌ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ . وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ عِنْدَ الْعَرَبِ وَاحِدًا قَوْلُ الشَّاعِرِ : لَوْ عَايَنَتْ رُهْبَانَ دَيْرٍ فِي الْقُلَلْ لَانْحَدَرَ الرُّهْبَانُ يَمْشِي وَنَزَلْ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِقَوْلِهِ : ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عُنِيَ بِذَلِكَ قَوْمٌ كَانُوا اسْتَجَابُوا لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ حِينَ دَعَاهُمْ ، وَاتَّبَعُوهُ عَلَى شَرِيعَتِهِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 12321 م - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ، عَنْ حُصَيْنٍ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا ، قَالَ : كَانُوا نَوَاتِيَّ فِي الْبَحْرِ يَعْنِي : مَلَّاحِينَ قَالَ : فَمَرَّ بِهِمْ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَجَابُوهُ : قَالَ : فَذَلِكَ قَوْلُهُ : قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ ، الْقَوْمُ الَّذِينَ كَانَ النَّجَاشِيُّ بَعَثَهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 12322 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَنْبَسَةُ ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ فِي قَوْلِهِ : ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا ، قَالَ : سِتَّةٌ وَسِتُّونَ ، أَوْ سَبْعَةٌ وَسِتُّونَ ، أَوْ ثَمَانٍ وَسِتُّونَ مِنَ الْحَبَشَةِ ، كُلُّهُمْ صَاحِبُ صَوْمَعَةٍ ، عَلَيْهِمْ ثِيَابُ الصُّوفِ . 12323 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا ، قَالَ : بَعَثَ النَّجَاشِيُّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسِينَ أَوْ سَبْعِينَ مِنْ خِيَارِهِمْ ، فَجَعَلُوا يَبْكُونَ ، فَقَالَ : هُمْ هَؤُلَاءِ ! 12324 - حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ ، حَدَّثَنَا قَيْسٌ ، عَنْ سَالِمٍ الْأَفْطَسِ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا ، قَالَ : هُمْ رُسُلُ النَّجَاشِيِّ الَّذِينَ أَرْسَلَ بِإِسْلَامِهِ وَإِسْلَامِ قَوْمِهِ ، كَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا اخْتَارَهُمُ الْخَيِّرَ فَالْخَيِّرَ ، فَدَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ : يس وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ [ سُورَةُ يس : 1 ، 2 ] ، فَبَكَوْا وَعَرَفُوا الْحَقَّ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ : ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ ، وَأَنْزَلَ فِيهِمْ : ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ إِلَى قَوْلِهِ : يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا [ سُورَةُ الْقَصَصِ : 53 ، 54 ] . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنِ النَّفَرِ الَّذِينَ أَثْنَى عَلَيْهِمْ مِنَ النَّصَارَى بِقُرْبِ مَوَدَّتِهِمْ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ، أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ مِنْهُمْ لِأَنَّ مِنْهُمْ أَهْلَ اجْتِهَادٍ فِي الْعِبَادَةِ ، وَتَرَهُّبٍ فِي الدِّيَارَاتِ وَالصَّوَامِعِ ، وَأَنَّ مِنْهُمْ عُلَمَاءَ بِكُتُبِهِمْ وَأَهْلَ تِلَاوَةٍ لَهَا ، فَهُمْ لَا يَبْعُدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِتَوَاضُعِهِمْ لِلْحَقِّ إِذَا عَرَفُوهُ ، وَلَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ قَبُولِهِ إِذَا تَبَيَّنُوهُ ، لِأَنَّهُمْ أَهْلُ دِينٍ وَاجْتِهَادٍ فِيهِ ، وَنَصِيحَةٍ لِأَنْفُسِهِمْ فِي ذَاتِ اللَّهِ ، وَلَيْسُوا كَالْيَهُودِ الَّذِينَ قَدْ دَرِبُوا بِقَتْلِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ ، وَمُعَانِدَةِ اللَّهِ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ، وَتَحْرِيفِ تَنْزِيلِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ فِي كُتُبِهِ .