الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَإِذَا سَمِعَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالُوا : إِنَّا نَصَارَى الَّذِينَ وَصَفْتُ لَكَ ، يَا مُحَمَّدُ ، صِفَتَهُمْ أَنَّكَ تَجِدُهُمْ أَقْرَبَ النَّاسِ مَوَدَّةً لِلَّذِينِ آمَنُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ يُتْلَى تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ . وَ فَيْضُ الْعَيْنِ مِنَ الدَّمْعِ ، امْتِلَاؤُهَا مِنْهُ ، ثُمَّ سَيَلَانُهُ مِنْهَا ، كَفَيْضِ النَّهْرِ مِنَ الْمَاءِ ، وَفَيْضِ الْإِنَاءِ ، وَذَلِكَ سَيَلَانُهُ عَنْ شِدَّةِ امْتِلَائِهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى : فَفَاضَتْ دُمُوعِي ، فَظَلَّ الشُّئُونُ : إِمَّا وَكِيفًا ، وَإِمَّا انْحِدَارَا وَقَوْلُهُ : مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ، يَقُولُ : فَيْضُ دُمُوعِهِمْ ، لِمَعْرِفَتِهِمْ بِأَنَّ الَّذِي يُتْلَى عَلَيْهِمْ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ حَقٌّ ، كَمَا : - 12325 - حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسْبَاطُ بْنُ نَصْرٍ الْهَمْدَانِيُّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : بَعَثَ النَّجَاشِيُّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اثَّنَى عَشَرَ رَجُلًا يَسْأَلُونَهُ وَيَأْتُونَهُ بِخَبَرِهِ ، فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ ، فَبَكَوْا . وَكَانَ مِنْهُمْ سَبْعَةُ رُهْبَانٍ وَخَمْسَةُ قِسِّيسِينَ أَوْ : خَمْسَةُ رُهْبَانٍ ، وَسَبْعَةُ قِسِّيسِينَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ : وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْـزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ ، إِلَى آخِرِ الْآيَةِ .
12326 - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُقَدَّمٍ قَالَ ، سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ يُحَدِّثُ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ : نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيِّ وَأَصْحَابِهِ : وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْـزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ . 12327 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ فِي قَوْلِهِ : تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ، قَالَ : ذَلِكَ فِي النَّجَاشِيِّ . 12328 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ وَابْنُ وَكِيعٍ قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي النَّجَاشِيِّ : وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْـزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ .
12329 - حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ عَنِ الْآيَاتِ : ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْـزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ الْآيَةَ ، وَقَوْلُهُ : وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا [ سُورَةُ الْفُرْقَانِ : 63 ] . قَالَ : مَا زِلْتُ أَسْمَعُ عُلَمَاءَنَا يَقُولُونَ : نَزَلَتْ فِي النَّجَاشِيِّ وَأَصْحَابِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : يَقُولُونَ ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ بِلَفْظِ اسْمٍ ، كَانَ نَصْبًا عَلَى الْحَالِ ، لَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ، قَائِلِينَ : رَبَّنَا آمَنَّا .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا ، أَنَّهُمْ يَقُولُونَ : يَا رَبَّنَا ، صَدَّقْنَا لَمَّا سَمِعْنَا مَا أَنْزَلْتَهُ إِلَى نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ كِتَابِكَ ، وَأَقْرَرْنَا بِهِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِكَ ، وَأَنَّهُ الْحَقُّ لَا شَكَّ فِيهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ فِي تَأْوِيلِهِ ، مَا : - 12330 - حَدَّثَنَا بِهِ هَنَّادٌ قَالَ ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَبِي وَابْنُ نُمَيْرٍ جَمِيعًا ، عَنْ إِسْرَائِيلَ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : اكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ، قَالَ : أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 12331 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ ، حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ ، حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ، مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
12332 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ، يَعْنُونَ بِ الشَّاهِدِينَ ، مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتَهُ . 12333 - حَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ قَالَ ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ، قَالَ : مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتُهُ ، إِنَّهُمْ شَهِدُوا أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ ، وَشَهِدُوا أَنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتْ . 12334 - حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ قَالَ ، حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى قَالَ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا قَالَ ، حَدَّثَنِي إِسْرَائِيلُ ، عَنْ سِمَاكٍ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، مِثْلَ حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : وَشَهِدُوا لِلرُّسُلِ أَنَّهُمْ قَدْ بَلَّغُوا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : فَكَأَنَّ مُتَأَوَّلَ هَذَا التَّأْوِيلِ ، قَصَدَ بِتَأْوِيلِهِ هَذَا إِلَى مَعْنَى قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [ سُورَةُ الْبَقَرَةِ : 143 ] . فَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِلَى أَنَّ الشَّاهِدِينَ ، هُمُ الشُّهَدَاءُ فِي قَوْلِهِ : لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ، وَهُمْ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَإِذَا كَانَ التَّأْوِيلُ ذَلِكَ ، كَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ : يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ، الَّذِينَ يَشْهَدُونَ لِأَنْبِيَائِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، أَنَّهُمْ قَدْ بَلَّغُوا أُمَمَهُمْ رِسَالَاتِكَ .
وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ : مَعْنَى ذَلِكَ : فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ، الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ مَا أَنْزَلْتَهُ إِلَى رَسُولِكَ مِنَ الْكُتُبِ حَقٌّ كَانَ صَوَابًا . لِأَنَّ ذَلِكَ خَاتِمَةُ قَوْلِهِ : ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْـزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾ ، وَذَلِكَ صِفَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَهُمْ بِإِيمَانِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، فَتَكُونُ مَسْأَلَتُهُمْ أَيْضًا اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَهُمْ مِمَّنْ صَحَّتْ عِنْدَهُ شَهَادَتُهُمْ بِذَلِكَ ، وَيُلْحِقُهُمْ فِي الثَّوَابِ وَالْجَزَاءِ مَنَازِلَهُمْ . وَمَعْنَى الْكِتَابِ ، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ : الْجَعْلُ .
يَقُولُ : فَاجْعَلْنَا مَعَ الشَّاهِدَيْنِ ، وَأَثْبِتْنَا مَعَهُمْ فِي عِدَادِهِمْ .