الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذَا بَيَانٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلَّذِينِ حَرَّمُوا عَلَى أَنْفُسِهِمُ النِّسَاءَ وَالنَّوْمَ وَاللَّحْمَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، تَشَبُّهًا مِنْهُمْ بِالْقِسِّيسِينَ وَالرُّهْبَانِ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِتَابَهُ يَنْهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ، [ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 87 ] . فَنَهَاهُمْ بِذَلِكَ عَنْ تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ . ثُمَّ قَالَ : وَلَا تَعْتَدُوا أَيْضًا فِي حُدُودِي ، فَتُحِلُّوا مَا حَرَّمْتُ عَلَيْكُمْ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَكُمْ غَيْرُ جَائِزٍ ، كَمَا غَيْرُ جَائِزٍ لَكُمْ تَحْرِيمُ مَا حَلَّلْتُ ، وَإِنِّي لَا أُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ .
ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ عَنِ الَّذِي حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مِمَّا إِذَا اسْتَحَلُّوهُ وَتَقَدَّمُوا عَلَيْهِ ، كَانُوا مِنَ الْمُعْتَدِينَ فِي حُدُودِهِ فَقَالَ لَهُمْ : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، إِنَّ الْخَمْرَ الَّتِي تَشْرَبُونَهَا ، وَالْمَيْسِرَ الَّذِي تَتَيَاسَرُونَهُ ، وَالْأَنْصَابَ الَّتِي تَذْبَحُونَ عِنْدَهَا ، وَالْأَزْلَامَ الَّتِي تَسْتَقْسِمُونَ بِهَا رِجْسٌ ، يَقُولُ : إِثْمٌ وَنَتَنٌ سَخِطَهُ اللَّهُ وَكَرِهَهُ لَكُمْ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ، يَقُولُ : شُرْبُكُمُ الْخَمْرَ ، وَقِمَارُكُمْ عَلَى الْجُزُرِ ، وَذَبْحُكُمْ لِلْأَنْصَابِ ، وَاسْتِقْسَامُكُمْ بِالْأَزْلَامِ ، مِنْ تَزْيِينِ الشَّيْطَانِ لَكُمْ ، وَدُعَائِهِ إِيَّاكُمْ إِلَيْهِ ، وَتَحْسِينِهِ لَكُمْ ، لَا مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي نَدَبَكُمْ إِلَيْهَا رَبُّكُمْ ، وَلَا مِمَّا يَرْضَاهُ لَكُمْ ، بَلْ هُوَ مِمَّا يُسْخِطُهُ لَكُمْ فَاجْتَنِبُوهُ ، يَقُولُ : فَاتْرُكُوهُ وَارْفُضُوهُ وَلَا تَعْمَلُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ، يَقُولُ : لِكَيْ تَنْجَحُوا فَتُدْرِكُوا الْفَلَاحَ عِنْدَ رَبِّكُمْ بِتَرْكِكُمْ ذَلِكَ . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْخَمْرِ ، وَ الْمَيْسِرِ ، وَ الْأَزْلَامِ فِيمَا مَضَى ، فَكَرِهْنَا إِعَادَتَهُ . وَأَمَّا الْأَنْصَابُ ، فَإِنَّهَا جَمْعُ نُصُبٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى النُّصُبِ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى .
وَرَوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي مَعْنَى الرِّجْسِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، مَا : - 12510 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى قَالَ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ، يَقُولُ : سَخَطٌ . وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي ذَلِكَ ، مَا : - 12511 - حَدَّثَنِي بِهِ يُونُسُ قَالَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ ، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ، قَالَ : الرِّجْسُ ، الشَّرُّ .