الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ . وَقِيلَ : إِنَّ اللَّهَ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ لِعِيسَى حِينَ رَفَعَهُ إِلَيْهِ فِي الدُّنْيَا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13028 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ : لَمَّا رَفَعَ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ إِلَيْهِ ، قَالَتْ النَّصَارَى مَا قَالَتْ ، وَزَعَمُوا أَنَّ عِيسَى أَمْرَهُمْ بِذَلِكَ ، فَسَأَلَهُ عَنْ قَوْلِهِ فَقَالَ : سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ إِلَى قَوْلِهِ : وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - عَنْ أَنَّهُ يَقُولُ لِعِيسَى ذَلِكَ فِي الْقِيَامَةِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13029 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ : وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ : وَالنَّاسُ يَسْمَعُونَ ، فَرَاجَعَهُ بِمَا قَدْ رَأَيْتُ ، وَأَقَرَّ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ عَلَى نَفْسِهِ ، فَعَلِمَ مَنْ كَانَ يَقُولُ فِي عِيسَى مَا يَقُولُ : أَنَّهُ إِنَّمَا كَانَ يَقُولُ بَاطِلًا . 13030 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا جَرِيرٌ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنْ مَيْسَرَةَ قَالَ : قَالَ اللَّهُ : يَا عِيسَى ، أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ فَأُرْعِدَتْ مَفَاصِلُهُ ، وَخَشِيَ أَنْ يَكُونَ قَدْ قَالَ : فَقَالَ : سُبْحَانَكَ ، إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ الْآيَةَ .
13031 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَتَى يَكُونُ ذَلِكَ؟ قَالَ : يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، أَلَّا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ : هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ؟ فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الَّذِي تَأَوَّلَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ ، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ وَإِذْ بِمَعْنَى : وَ إِذَا كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا [ سُورَةُ سَبَأٍ : 51 ] ، بِمَعْنَى : يَفْزَعُونَ ، وَكَمَا قَالَ أَبُو النَّجْمِ : ثُمَّ جَزَاهُ اللَّهُ عَنَّا إِذْ جَزَى جَنَّاتِ عَدْنٍ فِي الْعَلَالِيِّ الْعُلَا وَالْمَعْنَى : إِذَا جَزَى ، وَكَمَا قَالَ الْأَسْوَدُ : فَالْآنَ ، إِذْ هَازَلْتُهُنَّ ، فَإِنَّمَا يَقُلْنَ : أَلَا لَمْ يَذْهَبِ الشَّيْخُ مَذْهَبَا !! بِمَعْنَى : إِذَا هَازَلْتُهُنَّ . وَكَأَنَّ مَنْ قَالَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ ابْنِ جُرَيْجٍ هَذَا ، وَجَّهَ تَأْوِيلَ الْآيَةِ إِلَى : فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ فِي الدُّنْيَا وَأُعَذِّبُهُ أَيْضًا فِي الْآخِرَةِ : وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ ، قَوْلُ مَنْ قَالَ بِقَوْلِ السُّدِّيِّ ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - قَالَ ذَلِكَ لِعِيسَى حِينَ رَفَعَهُ إِلَيْهِ ، وَأَنَّ الْخَبَرَ خَبَرٌ عَمَّا مَضَى ، لِعِلَّتَيْنِ : إِحْدَاهُمَا : أَنَّ إِذْ إِنَّمَا تُصَاحِبُ فِي الْأَغْلَبِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ الْمُسْتَعْمَلِ بَيْنَهَا الْمَاضِيَ مِنَ الْفِعْلِ ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَدْخُلُهَا أَحْيَانًا فِي مَوْضِعِ الْخَبَرِ عَمَّا يَحْدُثُ ، إِذَا عَرَفَ السَّامِعُونَ مَعْنَاهَا .
وَذَلِكَ غَيْرُ فَاشٍ ، وَلَا فَصِيحٍ فِي كَلَامِهِمْ ، وَتَوْجِيهُ مَعَانِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَى الْأَشْهُرِ الْأَعْرَفِ مَا وُجِدَ إِلَيْهِ السَّبِيلُ ، أُولَى مِنْ تَوْجِيهِهَا إِلَى الْأَجْهَلِ الْأَنْكَرِ . وَالْأُخْرَى : أَنْ عِيسَى لَمْ يَشُكْ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، أَنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ لِمُشْرِكٍ مَاتَ عَلَى شِرْكِهِ ، فَيَجُوزُ أَنْ يُتَوَهَّمَ عَلَى عِيسَى أَنْ يَقُولَ فِي الْآخِرَةِ مُجِيبًا لِرَبِّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنْ تُعَذِّبْ مَنِ اتَّخَذَنِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِكَ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَمَا كَانَ وَجْهُ سُؤَالِ اللَّهِ عِيسَى : أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهُوَ الْعَالِمُ بِأَنَّ عِيسَى لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ؟ قِيلَ : يَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَجْهَيْنِ مِنَ التَّأْوِيلِ : أَحَدُهُمَا : تَحْذِيرُ عِيسَى عَنْ قِيلِ ذَلِكَ وَنَهْيُهُ ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ لِآخَرَ : أَفَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا ؟ مِمَّا يَعْلَمُ الْمَقُولُ لَهُ ذَلِكَ أَنَّ الْقَائِلَ يَسْتَعْظِمُ فِعْلَ مَا قَالَ لَهُ : أَفَعَلْتَهُ عَلَى وَجْهِ النَّهْيِ عَنْ فِعْلِهِ ، وَالتَّهْدِيدِ لَهُ فِيهِ .
وَالْآخَرُ : إِعْلَامُهُ أَنَّ قَوْمَهُ الَّذِينَ فَارَقَهُمْ قَدْ خَالَفُوا عَهْدَهُ ، وَبَدَّلُوا دِينَهُمْ بَعْدَهُ . فَيَكُونُ بِذَلِكَ جَامِعًا إِعْلَامَهُ حَالَهُمْ بَعْدَهُ ، وَتَحْذِيرًا لَهُ قِيلِهِ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَمَّا تَأْوِيلُ الْكَلَامِ ، فَإِنَّهُ : أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ أَيْ : مَعْبُودِينَ تَعْبُدُونَهُمَا مِنْ دُونِ اللَّهِ .
قَالَ عِيسَى : تَنْزِيهًا لَكَ يَا رَبِّ وَتَعْظِيمًا أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ أَوْ أَتَكَلَّمَ بِهِ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ يَقُولُ : لَيْسَ لِي أَنْ أَقُولَ ذَلِكَ ، لِأَنِّي عَبْدٌ مَخْلُوقٌ ، وَأُمِّي أَمَةٌ لَكَ ، وَكَيْفَ يَكُونُ لِلْعَبْدِ وَالْأَمَةِ ادِّعَاءُ رُبُوبِيَّةٍ؟ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ يَقُولُ : إِنَّكَ لَا يَخْفَى عَلَيْكَ شَيْءٌ ، وَأَنْتَ عَالِمٌ أَنِّي لَمْ أَقَلْ ذَلِكَ وَلَمْ آمُرْهُمْ بِهِ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ ( 116 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - ، مُخْبِرًا عَنْ نَبِيِّهِ عِيسَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَنَّهُ يَبْرَأُ إِلَيْهِ مِمَّا قَالَتْ فِيهِ وَفِي أُمِّهِ الْكَفَرَةُ مِنْ النَّصَارَى ، أَنْ يَكُونَ دَعَاهُمْ إِلَيْهِ أَوْ أَمَرَهُمْ بِهِ ، فَقَالَ : سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ . ثُمَّ قَالَ : تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي يَقُولُ : إِنَّكَ ، يَا رَبِّ ، لَا يَخْفَى عَلَيْكَ مَا أَضْمَرَتْهُ نَفْسِي مِمَّا لَمَّ أَنْطِقْ بِهِ وَلَمْ أَظْهِرْهُ بِجَوَارِحِي ، فَكَيْفَ بِمَا قَدْ نَطَقْتُ بِهِ وَأَظْهَرْتُهُ بِجَوَارِحِي؟ يَقُولُ : لَوْ كُنْتُ قَدْ قُلْتُ لِلنَّاسِ : اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ كُنْتُ قَدْ عَلِمْتَهُ ، لِأَنَّكَ تَعْلَمُ ضَمَائِرَ النُّفُوسِ مِمَّا لَمْ تَنْطِقُ بِهِ ، فَكَيْفَ بِمَا قَدْ نَطَقَتْ بِهِ؟ وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ يَقُولُ : وَلَا أَعْلَمُ أَنَا مَا أَخْفَيْتُهُ عَنِّي فَلَمْ تُطْلِعْنِي عَلَيْهِ ، لِأَنِّي إِنَّمَا أَعْلَمُ مِنَ الْأَشْيَاءِ مَا أَعْلَمْتَنِيهِ إِنَّكَ أَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ يَقُولُ : إِنَّكَ أَنْتَ الْعَالِمُ بِخَفِيَّاتِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا سِوَاكَ ، وَلَا يَعْلَمُهَا غَيْرُكُ .