حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
تفسير الطبري

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ "

) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الْحَمْدُ الْكَامِلُ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ دُونَ جَمِيعِ الْأَنْدَادِ وَالْآلِهَةِ ، وَدُونَ مَا سِوَاهُ مِمَّا تَعْبُدُهُ كَفَرَةُ خَلْقِهِ مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ . وَهَذَا كَلَامٌ مَخْرَجُهُ مَخْرَجُ الْخَبَرِ يُنْحَى بِهِ نَحْوَ الْأَمْرِ . يَقُولُ : أَخْلِصُوا الْحَمْدَ وَالشُّكْرَ لِلَّذِي خَلَقَكُمْ ، أَيُّهَا النَّاسُ ، وَخَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَلَا تُشْرِكُوا مَعَهُ فِي ذَلِكَ أَحَدًا أَوْ شَيْئًا ، فَإِنَّهُ الْمُسْتَوْجِبُ عَلَيْكُمُ الْحَمْدَ بِأَيَادِيهِ عِنْدَكُمْ وَنِعَمِهِ عَلَيْكُمْ ، لَا مَنْ تَعْبُدُونَهُ مَنْ دُونِهِ ، وَتَجْعَلُونَهُ لَهُ شَرِيكًا مِنْ خَلْقِهِ .

وَقَدْ بَيَّنَّا الْفَصْلَ بَيْنَ مَعْنَى الْحَمْدِ وَ الشُّكْرِ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، وَأَظْلَمَ اللَّيْلَ ، وَأَنَارَ النَّهَارَ ، كَمَا : - 13040 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ قَالَ : الظُّلُمَاتُ ظُلْمَةُ اللَّيْلِ ، وَالنُّورُ نُورُ النَّهَارِ . 13041 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : أَمَّا قَوْلُهُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ فَإِنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ قَبْلَ الْأَرْضِ ، وَالظُّلْمَةَ قَبْلَ النُّورِ ، وَالْجَنَّةَ قَبْلَ النَّارِ .

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ إِذًا : جَعَلَ . قِيلَ : إِنِ الْعَرَبَ تَجْعَلُهَا ظَرْفًا لِلْخَبَرِ وَالْفِعْلِ فَتَقُولُ : جَعَلْتُ أَفْعَلُ كَذَا وَ جَعَلْتُ أَقُومُ وَأَقْعُدُ تَدُلُّ بِقَوْلِهَا جَعَلْتُ عَلَى اتِّصَالِ الْفِعْلِ ، كَمَا تَقُولُ عُلِّقْتُ أَفْعَلُ كَذَا لَا أَنَّهَا فِي نَفْسِهَا فِعْلٌ . يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الْقَائِلِ : جَعَلْتُ أَقُومُ وَأَنَّهُ لَا جَعْلَ هُنَاكَ سِوَى الْقِيَامِ ، وَإِنَّمَا دَلَّ بِقَوْلِهِ : جَعَلْتُ عَلَى اتِّصَالِ الْفِعْلِ وَدَوَامِهِ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ : وَزَعَمْتَ أَنَّكَ سَوْفَ تَسْلُكُ فَارِدًا وَالْمَوْتُ مُكْتَنِعٌ طَرِيقَيْ قَادِرِ فَاجْعَلْ تَحَلَّلْ مِنْ يَمِينِكَ إِنَّمَا حِنْثُ الْيَمِينِ عَلَى الْأَثِيمِ الْفَاجِرِ يَقُولُ : فَاجْعَلْ تَحَلَّلْ بِمَعْنَى : تَحَلَّلْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ لَا أَنَّ هُنَاكَ جَعْلًا مِنْ غَيْرِ التَّحْلِيلِ .

فَكَذَلِكَ كَلُّ جَعْلٍ فِي الْكَلَامِ ، إِنَّمَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَى فِعْلٍ لَهُ اتِّصَالٌ ، لَا أَنَّ لَهُ حَظًّا فِي مَعْنَى الْفِعْلِ . فَقَوْلُهُ : وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ إِنَّمَا هُوَ : أَظْلَمَ لَيْلَهُمَا ، وَأَنَارَ نَهَارَهُمَا . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ( 1 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - ، مُعَجِّبًا خَلْقَهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ كَفَرَةِ عِبَادِهِ ، وَمُحْتَجًّا عَلَى الْكَافِرِينَ : إِنَّ الْإِلَهَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْكُمْ - أَيُّهَا النَّاسُ - حَمْدُهُ ، هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، الَّذِي جَعَلَ مِنْهُمَا مَعَايِشَكُمْ وَأَقْوَاتَكُمْ ، وَأَقْوَاتَ أَنْعَامِكُمُ الَّتِي بِهَا حَيَاتُكُمْ .

فَمِنَ السَّمَاوَاتِ يَنْزِلُ عَلَيْكُمُ الْغَيْثُ ، وَفِيهَا تَجْرِي الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِاعْتِقَابٍ وَاخْتِلَافٍ لِمَصَالِحِكُمْ . وَمِنَ الْأَرْضِ يَنْبُتُ الْحَبُّ الَّذِي بِهِ غِذَاؤُكُمْ ، وَالثِّمَارُ الَّتِي فِيهَا مَلَاذُّكُمْ ، مَعَ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي فِيهَا مَصَالِحِكُمْ وَمَنَافِعِكُمْ بِهَا وَالَّذِينَ يَجْحَدُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ خَلْقِ ذَلِكَ لَهُمْ وَلَكُمْ ، أَيُّهَا النَّاسُ بِرَبِّهِمْ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ وَأَحْدَثَهُ يَعْدِلُونَ يَجْعَلُونَ لَهُ شَرِيكًا فِي عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُ ، فَيَعْبُدُونَ مَعَهُ الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ وَالْأَصْنَامَ وَالْأَوْثَانَ ، وَلَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ شَرِكَهُ فِي خَلْقِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا فِي إِنْعَامِهِ عَلَيْهِمْ بِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ ، بَلْ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِذَلِكَ كُلِّهُ ، وَهُمْ يُشْرِكُونَ فِي عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُ غَيْرَهُ . فَسُبْحَانُ اللَّهُ مَا أَبْلَغَهَا مِنْ حُجَّةٍ ، وَأَوْجَزَهَا مِنْ عِظَةٍ ، لِمَنْ فَكَّرَ فِيهَا بِعَقْلٍ ، وَتَدَبَّرَهَا بِفَهْمٍ ! وَلَقَدْ قِيلَ : إِنَّهَا فَاتِحَةُ التَّوْرَاةِ .

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13042 - حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ كَعْبٍ قَالَ : فَاتِحَةُ التَّوْرَاةِ فَاتِحَةُ الْأَنْعَامِ : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ . 13043 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ ، عَنْ كَعْبٍ مِثْلَهُ وَزَادَ فِيهِ : وَخَاتِمَةُ التَّوْرَاةِ خَاتِمَةُ هُودٍ . يُقَالُ مِنْ مُسَاوَاةِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ : عَدَلْتُ هَذَا بِهَذَا إِذَا سَاوَيْتَهُ بِهِ ، عَدْلًا .

وَأَمَّا فِي الْحُكْمِ إِذَا أَنْصَفْتَ فِيهِ ، فَإِنَّكَ تَقُولُ : عَدَلْتُ فِيهِ أَعْدِلُ عَدْلًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : يَعْدِلُونَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13044 - حَدَّثَنِي ابْنُ مُحَمَّدٍ عَمْرٌو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ : يَعْدِلُونَ قَالَ : يُشْرِكُونَ .

ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عُنِيَ بِذَلِكَ : فَقَالَ بَعْضُهُمْ : عُنِيَ بِهِ أَهْلُ الْكِتَابِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13045 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ ، عَنِ ابْنِ أَبْزَى قَالَ : جَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ يَقْرَأُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ قَالَ لَهُ : أَلَيْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ؟ قَالَ : بَلَى ! قَالَ : وَانْصَرَفَ عَنْهُ الرَّجُلُ ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : يَا ابْنَ أَبْزَى ، إِنَّ هَذَا قَدْ أَرَادَ تَفْسِيرَ هَذِهِ غَيْرَ هَذَا! إِنَّهُ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ ! فَقَالَ : رَدُّوهُ عَلَيَّ . فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ : هَلْ تَدْرِي فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ؟ قَالَ : لَا! قَالَ : إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ ، اذْهَبْ ، وَلَا تَضَعْهَا عَلَى غَيْرِ حَدِّهَا .

وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِهَا الْمُشْرِكُونَ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13046 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ قَالَ : هَؤُلَاءِ أَهْلُ صراحيه . 13047 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ قَالَ : هُمُ الْمُشْرِكُونَ .

13048 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ قَالَ : الْآلِهَةُ الَّتِي عَبَدُوهَا ، عَدَلُوهَا بِاللَّهِ . قَالَ : وَلَيْسَ لِلَّهِ عِدْلٌ وَلَا نِدٌ ، وَلَيْسَ مَعَهُ آلِهَةٌ ، وَلَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ : إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَخْبَرَ أَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ، فَعَمَّ بِذَلِكَ جَمِيعَ الْكُفَّارِ ، وَلَمْ يُخَصِّصْ مِنْهُمْ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ .

فَجَمِيعُهُمْ دَاخِلُونَ فِي ذَلِكَ : يَهُودُهُمْ ، وَنَصَارَاهُمْ ، وَمَجُوسُهُمْ ، وَعَبَدَةُ الْأَوْثَانِ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ سَائِرِ أَصْنَافِ الْكُفْرِ .

موقع حَـدِيث