الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ . . . . "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ( قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ( 12 ) )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " قُلْ " يَا مُحَمَّدُ ، لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ " لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ " يَقُولُ : لِمَنْ مَلَكَ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ؟ ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ ذَلِكَ لِلَّهِ الَّذِي اسْتَعْبَدَ كُلَّ شَيْءٍ ، وَقَهَرَ كُلَّ شَيْءٍ بِمِلْكِهِ وَسُلْطَانِهِ لَا لِلْأَوْثَانِ وَالْأَنْدَادِ ، وَلَا لِمَا يَعْبُدُونَهُ وَيَتَّخِذُونَهُ إِلَهًا مِنَ الْأَصْنَامِ الَّتِي لَا تَمْلِكُ لِأَنْفُسِهَا نَفْعًا وَلَا تَدْفَعُ عَنْهَا ضُرًّا .
وَقَوْلُهُ : " كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ " يَقُولُ : قَضَى أَنَّهُ بِعِبَادِهِ رَحِيمٌ ، لَا يُعَجِّلُ عَلَيْهِمْ بِالْعُقُوبَةِ ، وَيَقْبَلُ مِنْهُمُ الْإِنَابَةَ وَالتَّوْبَةَ .
وَهَذَا مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - اسْتِعْطَافٌ لِلْمُعْرِضِينَ عَنْهُ إِلَى الْإِقْبَالِ إِلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ .
يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنَّ هَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِي ، الْجَاحِدِينَ نُبُوَّتَكَ ، يَا مُحَمَّدُ ، إِنْ تَابُوا وَأَنَابُوا قَبِلْتُ تَوْبَتَهُمْ ، وَإِنِّي قَدْ قَضَيْتُ فِي خَلْقِي أَنَّ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ، كَالَّذِي : -
13096 - حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَدَ قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ ذَكْوَانَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " لَمَّا فَرَغَ اللَّهُ مِنَ الْخَلْقِ ، كَتَبَ كِتَابًا : " إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي " .
13097 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ : حَدَّثَنَا دَاوُدُ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ : إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لَمَّا خَلَقَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ ، خَلَقَ مِائَةَ رَحْمَةٍ ، كُلُّ رَحْمَةٍ مَلْءُ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ . فَعِنْدَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ رَحْمَةً ، وَقَسَّمَ رَحْمَةً بَيْنَ الْخَلَائِقِ . فَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ ، وَبِهَا تَشْرَبُ الْوَحْشُ وَالطَّيْرُ الْمَاءَ . فَإِذَا كَانَ يَوْمُ ذَلِكَ ، قَصَرَهَا اللَّهُ عَلَى الْمُتَّقِينَ ، وَزَادَهُمْ تِسْعًا وَتِسْعِينَ .
13098 - حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ دَاوُدَ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ سَلْمَانَ ، نَحْوَهُ إِلَّا أَنَّ ابْنَ أَبِي عَدِيٍّ لَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِهِ : " وَبِهَا تَشْرَبُ الْوَحْشُ وَالطَّيْرُ الْمَاءَ " .
13099 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ سَلْمَانَ قَالَ : نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ عَطْفَتَيْنِ : أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ، ثُمَّ خَلَقَ مِائَةَ رَحْمَةٍ أَوْ : جَعَلَ مِائَةَ رَحْمَةٍ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْخَلْقَ . ثُمَّ خَلَقَ الْخَلْقَ ، فَوَضَعَ بَيْنَهُمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً ، وَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً . قَالَ : فَبِهَا يَتَرَاحَمُونَ ، وَبِهَا يَتَبَاذَلُونَ ، وَبِهَا يَتَعَاطَفُونَ ، وَبِهَا يَتَزَاوَرُونَ ، وَبِهَا تَحِنُّ النَّاقَةُ ، وَبِهَا تَثُوجُ الْبَقَرَةُ ، وَبِهَا تَيْعَرُ الشَّاةُ ، وَبِهَا تَتَّابَعُ الطَّيْرُ ، وَبِهَا تَتَّابَعُ الْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ . فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ، جَمَعَ اللَّهُ تِلْكَ الرَّحْمَةَ إِلَى مَا عِنْدَهُ . وَرَحْمَتُهُ أَفْضَلُ وَأَوْسَعُ .
13100 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدَيِّ ، عَنْ سَلْمَانَ فِي قَوْلِهِ : " كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ " الْآيَةَ قَالَ : إِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ عَطْفَتَيْنِ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : " وَبِهَا تَتَابُعُ الطَّيْرِ ، وَبِهَا تَتَابُعُ الْحِيتَانِ فِي الْبَحْرِ " .
13101 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ طَاوُسَ ، عَنْ أَبِيهِ : إِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ ، لَمْ يَعْطِفْ شَيْءٌ عَلَى شَيْءٍ ، حَتَّى خَلَقَ مِائَةَ رَحْمَةٍ ، فَوَضَعَ بَيْنَهُمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً ، فَعَطَفَ بَعْضُ الْخَلْقِ عَلَى بَعْضٍ .
13102 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسَ ، عَنْ أَبِيهِ ، بِمِثْلِهِ .
13103 - حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ : وَأَخْبَرَنِي الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، حَسِبْتُهُ أَسْنَدَهُ قَالَ : إِذَا فَرَغَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَ خَلْقِهِ ، أَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ فِيهِ : " إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي ، وَأَنَا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ " قَالَ : فَيُخْرِجُ مِنَ النَّارِ مِثْلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَوْ قَالَ : " مِثْلًا أَهْلَ الْجَنَّةِ " وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ : " مِثْلًا " وَأَمَّا " مِثْلَ " فَلَا أَشُكُّ مَكْتُوبًا هَاهُنَا ، وَأَشَارَ الْحَكَمُ إِلَى نَحْرِهِ ، " عُتَقَاءِ اللَّهِ " فَقَالَ رَجُلٌ لِعِكْرِمَةَ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ : ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾[ سُورَةُ الْمَائِدَةِ : 37 ] ؟ قَالَ : وَيْلَكَ ! أُولَئِكَ أَهْلُهَا الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا .
13104 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، حَسِبْتُ أَنَّهُ أَسْنَدَهُ قَالَ : إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، أَخْرَجَ اللَّهُ كِتَابًا مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ : فَقَالَ رَجُلٌ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ : " يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ " ؟ وَسَائِرُ الْحَدِيثِ مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى .
13105 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " لَمَّا
قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ ، كَتَبَ فِي كِتَابٍ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ : " إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي " .
13106 - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو : أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إِنْ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ ، فَأَهْبَطَ رَحْمَةً إِلَى أَهْلِ الدُّنْيَا ، يَتَرَاحَمُ بِهَا الْجِنُّ وَالْإِنْسُ ، وَطَائِرُ السَّمَاءِ ، وَحِيتَانُ الْمَاءِ ، وَدَوَابُّ الْأَرْضِ وَهَوَامُّهَا . وَمَا بَيْنَ الْهَوَاءِ . وَاخْتَزَنَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، اخْتَلَجَ الرَّحْمَةَ الَّتِي كَانَ أَهْبَطَهَا إِلَى أَهْلِ الدُّنْيَا ، فَحَوَاهَا إِلَى مَا عِنْدَهُ ، فَجَعَلَهَا فِي قُلُوبِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، وَعَلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ .
13107 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو : إِنَّ لِلَّهِ مِائَةَ رَحْمَةٍ ، أَهْبَطَ مِنْهَا إِلَى الْأَرْضِ رَحْمَةً وَاحِدَةٍ ، يَتَرَاحَمُ بِهَا الْجِنُّ وَالْإِنْسُ ، وَالطَّيْرُ وَالْبَهَائِمُ وَهَوَامُّ الْأَرْضِ .
13108 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَوْفٍ قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ الْحَجَّاجِ قَالَ : حَدَّثَنَا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو الْمُخَارِقِ زُهَيْرُ بْنُ سَالِمٍ قَالَ : قَالَ عُمَرُ لِكَعْبٍ : مَا أَوَّلُ شَيْءٍ ابْتَدَأَهُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ؟ فَقَالَ كَعْبٌ : كَتَبَ اللَّهُ كِتَابًا لَمْ يَكْتُبْهُ بِقَلَمٍ وَلَا مِدَادٍ ، وَلَكِنْ كَتَبَهُ بِإِصْبَعِهِ يَتْلُوهَا الزَّبَرْجَدُ وَاللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ " أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا ، سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي " .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَهَذِهِ " اللَّامُ " الَّتِي فِي قَوْلِهِ : " لَيَجْمَعَنَّكُمْ " لَامُ قَسَمٍ .
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي جَالِبِهَا ، فَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ يَقُولُ : إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ " الرَّحْمَةَ " غَايَةَ كَلَامٍ ، ثُمَّ اسْتَأْنَفْتَ بَعْدَهَا : " لَيَجْمَعَنَّكُمْ " . قَالَ : وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَهُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ يَعْنِي : كُتُبٌ لِيَجْمَعْنَكُمْ كَمَا قَالَ : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 54 ] ، يُرِيدُ : كَتَبَ أَنَّهُ مِنْ عَمِلَ مِنْكُمْ قَالَ : وَالْعَرَبُ تَقُولُ فِي الْحُرُوفِ الَّتِي يَصْلُحُ مَعَهَا جَوَابُ كَلَامِ الْأَيْمَانِ بِ " أَنَّ " الْمَفْتُوحَةِ وَبِ " اللَّامِ " فَيَقُولُونَ : " أَرْسَلْتُ إِلَيْهِ أَنْ يَقُومَ " " وَأَرْسَلْتُ إِلَيْهِ لَيَقُومَنَّ " . قَالَ : وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ﴾[ سُورَةُ يُوسُفَ : 35 ] . قَالَ : وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ . أَلَا تَرَى أَنَّكَ لَوْ قُلْتَ : " بَدَا لَهُمْ أَنْ يَسْجُنُوهُ " لَكَانَ صَوَابًا؟
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ : نُصِبَتْ " لَامُ " " لَيَجْمَعَنَّكُمْ " لِأَنَّ مَعْنَى : " كَتَبَ " [ : فَرَضَ ، وَأَوْجَبَ ، وَهُوَ بِمَعْنَى الْقَسَمِ ] ، كَأَنَّهُ قَالَ : وَاللَّهُ لَيَجْمَعَنَّكُمْ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي ، أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : " كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ " غَايَةً ، وَأَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : " لَيَجْمَعَنَّكُمْ " خَبَرَ مُبْتَدَأً وَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ : لَيَجْمَعَنَّكُمُ اللَّهُ ، أَيُّهَا الْعَادِلُونَ بِاللَّهِ ، لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ الَّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ ، لِيَنْتَقِمَ مِنْكُمْ بِكُفْرِكُمْ بِهِ .
وَإِنَّمَا قُلْتُ : هَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ إِعْمَالِ " كَتَبَ " فِي " لَيَجْمَعَنَّكُمْ " لِأَنَّ قَوْلَهُ : " كَتَبَ " قَدْ عَمِلَ فِي الرَّحْمَةِ ، فَغَيْرُ جَائِزٍ ، وَقَدْ عَمِلَ فِي " الرَّحْمَةِ " أَنْ يَعْمَلَ فِي " لَيَجْمَعَنَّكُمْ " لِأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى إِلَى اثْنَيْنِ .
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : فَمَا أَنْتَ قَائِلٌ فِي قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ : كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ . [ سُورَةُ الْأَنْعَامِ : 54 ] بِفَتْحِ " أَنَّ " ؟
قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ إِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ ، فَإِنَّ " أَنَّ " بَيَانٌ عَنِ " الرَّحْمَةِ " وَتَرْجَمَةٌ عَنْهَا . لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ : كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنْ يَرْحَمَ مَنْ تَابَ مِنْ عِبَادِهِ بَعْدَ اقْتِرَافِ السُّوءِ بِجَهَالَةٍ وَيَعْفُو ، وَ " الرَّحْمَةُ " يُتَرْجَمُ عَنْهَا وَيُبَيَّنُ مَعْنَاهَا بِصِفَتِهَا . وَلَيْسَ مِنْ صِفَةِ الرَّحْمَةِ " لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " فَيَكُونُ مُبَيِّنًا بِهِ عَنْهَا . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ تُنْصَبَ بِنِيَّةِ تَكْرِيرِ " كَتَبَ " مَرَّةً أُخْرَى مَعَهُ ، وَلَا ضَرُورَةَ بِالْكَلَامِ إِلَى ذَلِكَ ، فَيُوَجَّهُ إِلَى مَا لَيْسَ بِمَوْجُودٍ فِي ظَاهِرِهِ .
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ : " لَا رَيْبَ فِيهِ " فَإِنَّهُ لَا شَكَّ فِيهِ ، يَقُولُ : فِي أَنَّ اللَّهَ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، فَيَحْشُرُكُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا ، ثُمَّ يُؤْتِي كُلَّ عَامِلٍ مِنْكُمْ أَجْرَ مَا عَمِلَ مِنْ حَسَنٍ أَوْ سَيِّئٍ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ( الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 12 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : " الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ " الْعَادِلِينَ بِهِ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ . يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : لَيَجْمَعَنَّ اللَّهُ " الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ " يَقُولُ : الَّذِينَ أَهْلَكُوا أَنْفُسَهُمْ وَغَبَنُوهَا بِادِّعَائِهِمْ لِلَّهِ النِّدَّ وَالْعَدِيلِ ، فَأَوْبَقُوهَا بِاسْتِيجَابِهِمْ سَخَطَ اللَّهِ وَأَلِيمَ عِقَابِهِ فِي الْمَعَادِ .
وَأَصْلُ " الْخَسَارِ " الْغَبْنُ . يُقَالُ مِنْهُ " : خَسِرَ الرَّجُلُ فِي الْبَيْعِ " إِذَا غُبِنَ ، كَمَا قَالَ الْأَعْشَى :
لَا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ فِي حُكْمِهِ وَلَا يُبَالِي خَسَرَ الْخَاسِرِ
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ .
وَمَوْضِعُ " الَّذِينَ " فِي قَوْلِهِ : " الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ " نَصْبٌ عَلَى الرَّدِّ عَلَى " الْكَافِ وَالْمِيمِ " فِي قَوْلِهِ : " لَيَجْمَعَنَّكُمْ " عَلَى وَجْهِ الْبَيَانِ عَنْهَا . وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ، هُمُ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ : " لَيَجْمَعَنَّكُمْ " .
وَقَوْلُهُ : " فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ " يَقُولُ : " فَهُمْ " لِإِهْلَاكِهِمْ أَنْفُسَهُمْ وَغَبْنِهِمْ إِيَّاهُ حَظَّهَا " لَا يُؤْمِنُونَ " أَيْ لَا يُوَحِّدُونَ اللَّهَ ، وَلَا يُصَدِّقُونَ بِوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ ، وَلَا يُقِرُّونَ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .