الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي . . . . "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ( ﴿وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾( 13 )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : لَا يُؤْمِنُ هَؤُلَاءِ الْعَادِلُونَ بِاللَّهِ الْأَوْثَانَ ، فَيُخْلِصُوا لَهُ التَّوْحِيدَ ، وَيُفْرِدُوا لَهُ الطَّاعَةَ ، وَيُقِرُّوا بِالْأُلُوهِيَّةِ ، جَهِلًا " وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ " يَقُولُ : وَلَهُ مُلْكُ كُلِّ شَيْءٍ ، لِأَنَّهُ لَا شَيْءَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ إِلَّا وَهُوَ سَاكِنٌ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ . فَمَعْلُومٌ بِذَلِكَ أَنَّ مَعْنَاهُ مَا وَصَفْنَا " وَهُوَ السَّمِيعُ " يَقُولُ : وَهُوَ السَّمِيعُ مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ فِيهِ ، مِنَ ادِّعَائِهِمْ لَهُ شَرِيكًا ، وَمَا يَقُولُ غَيْرُهُمْ مِنْ خَلْقِهِ ، " الْعَلِيمُ " بِمَا يُضْمِرُونَهُ فِي أَنْفُسِهِمْ ، وَمَا يُظْهِرُونَهُ بِجَوَارِحِهِمْ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، فَهُوَ يُحْصِيهِ عَلَيْهِمْ ، لِيُوَفِّيَ كُلَّ
إِنْسَانٍ ثَوَابَ مَا اكْتَسَبَ ، وَجَزَاءَ مَا عَمِلَ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : " سَكَنَ " قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ :
13109 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ " يَقُولُ : مَا اسْتَقَرَّ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ( قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ )
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " قُلْ " يَا مُحَمَّدُ ، لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ ، وَالْمُنْكِرِينَ عَلَيْكَ إِخْلَاصَ التَّوْحِيدِ لِرَبِّكَ ، الدَّاعِينَ إِلَى عِبَادَةِ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ : أَشَيْئًا غَيْرَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : " أَتَّخِذُ وَلِيًّا " أَسْتَنْصِرُهُ وَأَسْتَعِينُهُ عَلَى النَّوَائِبِ وَالْحَوَادِثِ ، كَمَا : -
13110 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا " قَالَ : أَمَّا " الْوَلِيُّ " فَالَّذِي يَتَوَلَّوْنَهُ وَيُقِرُّونَ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ .
" فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ " يَقُولُ : أَشَيْئًا غَيْرَ اللَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا؟ فَ " فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ " مِنْ نَعْتِ " اللَّهِ " وَصِفَتِهُ ، وَلِذَلِكَ خُفِضَ .
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : " فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ " مُبْتَدِعَهُمَا وَمُبْتَدِئَهِمَا وَخَالِقَهُمَا ، كَالَّذِي : -
13111 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، عَنْ سُفْيَانَ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : كُنْتُ لَا أَدْرِي مَا " فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ " حَتَّى أَتَانِي أَعْرَابِيَّانِ يَخْتَصِمَانِ فِي بِئْرٍ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : " أَنَا فَطَرْتُهَا " يَقُولُ : أَنَا ابْتَدَأْتُهَا .
13112 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ " قَالَ : خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .
13113 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : " فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ " قَالَ : خَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ .
يُقَالُ مِنْ ذَلِكَ : " فَطَرَهَا اللَّهُ يَفْطُرُهَا وَيَفْطِرُهَا فَطْرًا وَفُطُورًا " وَمِنْهُ قَوْلُهُ : هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ [ سُورَةُ الْمُلْكِ : 3 ] ، يَعْنِي : شُقُوقًا وَصُدُوعًا . يُقَالُ : " سَيْفٌ فُطَارٌ " إِذَا كَثُرَ فِيهِ التَّشَقُّقُ ، وَهُوَ عَيْبٌ فِيهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَنْتَرَةَ :
وَسَيْفِي كَالْعَقِيقَةِ فَهْوَ كِمْعِي ، سِلَاحِي ، لَا أَفَلَّ وَلَا فُطَارَا
وَمِنْهُ يُقَالُ : " فَطَرَ نَابُ الْجَمَلِ " إِذَا تَشَقَّقَ اللَّحْمُ فَخَرَجَ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ : تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ [ سُورَةُ الشُّورَى : 5 ] ، أَيْ : يَتَشَقَّقْنَ ، وَيَتَصَدَّعْنَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : " وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ " فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَهُوَ يَرْزُقُ خَلْقَهُ وَلَا يُرْزَقُ ، كَمَا : -
13114 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : " وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ " قَالَ : يَرْزُقُ ، وَلَا يُرْزَقُ .
وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ ذَلِكَ : " وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يَطْعَمُ " أَيْ : أَنَّهُ يُطْعِمُ خَلْقَهُ ، وَلَا يَأْكُلُ هُوَ وَلَا مَعْنَى لِذَلِكَ ، لِقِلَّةِ الْقَرَأَةِ بِهِ .