الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ . . . . "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ قَدْ هَلَكَ وَوُكِسَ ، فِي بَيْعِهِمُ الْإِيمَانَ بِالْكُفْرِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ يَعْنِي : الَّذِينَ أَنْكَرُوا الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَمَاتِ ، وَالثَّوَابَ وَالْعِقَابَ ، وَالْجَنَّةَ وَالنَّارَ ، مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ فِي ذَلِكَ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ يَقُولُ : حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ الَّتِي يَبْعَثُ اللَّهُ فِيهَا الْمَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ . وَإِنَّمَا أُدْخِلَتِ الْأَلِفُ وَاللَّامُ فِي السَّاعَةِ لِأَنَّهَا مَعْرُوفَةُ الْمَعْنَى عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ بِهَا ، وَأَنَّهَا مَقْصُودٌ بِهَا قَصْدُ السَّاعَةِ الَّتِي وُصِفَتْ . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : بَغْتَةً فَجْأَةً ، مِنْ غَيْرِ عِلْمِ مَنْ تَفْجَؤُهُ بِوَقْتِ مُفَاجَأَتِهَا إِيَّاهُ .
يُقَالُ مِنْهُ : بَغَتُّهُ أَبْغَتُهُ بَغْتَةً إِذَا أَخَذْتُهُ كَذَلِكَ : قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وُكِسَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ بِبَيْعِهِمْ مَنَازِلَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ بِمَنَازِلَ مَنِ اشْتَرَوْا مَنَازِلَهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنَ النَّارِ ، فَإِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا إِذَا عَايَنُوا مَا بَاعُوا وَمَا اشْتَرَوْا ، وَتَبَيَّنُوا خَسَارَةَ صَفْقَةِ بَيْعِهِمُ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْهُمْ فِي الدُّنْيَا ، تَنَدُّمًا وَتَلَهُّفًا عَلَى عَظِيمِ الْغَبْنِ الَّذِي غَبَنُوهُ أَنْفُسَهُمْ ، وَجَلِيلِ الْخُسْرَانِ الَّذِي لَا خُسْرَانَ أَجَلَّ مِنْهُ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا يَقُولُ : يَا نَدَامَتَنَا عَلَى مَا ضَيَّعْنَا فِيهَا ، يَعْنِي : صَفْقَتُهُمْ تِلْكَ . وَ الْهَاءُ وَالْأَلِفُ فِي قَوْلِهِ : فِيهَا مِنْ ذِكْرِ الصَّفْقَةِ وَلَكِنِ اكْتَفَى بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ : قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ عَلَيْهَا مِنْ ذِكْرِهَا ، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الْخُسْرَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي صَفْقَةِ بَيْعٍ قَدْ جَرَتْ . وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ : قَدْ وُكِسَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ، بِبَيْعِهِمُ الْإِيمَانَ الَّذِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ مِنَ اللَّهِ رِضْوَانَهُ وَجَنَّتَهُ ، بِالْكُفْرِ الَّذِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهِ مِنْهُ سَخَطَهُ وَعُقُوبَتَهُ ، وَلَا يَشْعُرُونَ مَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْخُسْرَانِ فِي ذَلِكَ ، حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ ، فَإِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً فَرَأَوْا مَا لَحِقَهُمْ مِنَ الْخُسْرَانِ فِي بَيْعِهِمْ ، قَالُوا حِينَئِذٍ ، تَنَدُّمًا : يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13185 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ : يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا أَمَّا يَا حَسْرَتَنَا فَنَدَامَتُنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا فَضَيَّعْنَا مِنْ عَمَلِ الْجَنَّةِ . 13186 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ الْأَسَدِيُّ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي قَوْلِهِ : يَا حَسْرَتَنَا قَالَ : يَرَى أَهْلُ النَّارِ مَنَازِلَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ فَيَقُولُونَ : يَا حَسْرَتنَا .
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ ( 31 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ، يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ . وَقَوْلُهُ : وَهُمْ مَنْ ذَكَرَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارهمْ يَقُولُ : آثَامَهُمْ وَذُنُوبَهُمْ . وَاحِدُهَا وِزْرٌ يُقَالُ مِنْهُ : وَزَرَ الرَّجُلُ يَزِرُ إِذَا أَثِمَ ، قَالَ اللَّهُ : أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ .
فَإِنْ أُرِيدَ أَنَّهُمْ أُثِّمُوا ، قِيلَ : قَدْ وُزِرَ الْقَوْمُ فَهُمْ يُوزَرُونَ ، وَهُمْ مَوْزُورُونَ . قَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْوِزْرَ الثِّقْلُ وَالْحَمْلُ . وَلَسْتُ أَعْرِفُ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي شَاهِدٍ ، وَلَا مِنْ رِوَايَةِ ثِقَةٍ عَنِ الْعَرَبِ .
وَقَالَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : عَلَى ظُهُورِهِمْ لِأَنَّ الْحَمْلَ قَدْ يَكُونُ عَلَى الرَّأْسِ وَالْمَنْكِبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، فَبَيَّنَ مَوْضِعَ حَمْلِهِمْ مَا يَحْمِلُونَ مِنْ ذَلِكَ . وَذَكَرَ أَنَّ حَمْلَهُمْ أَوْزَارَهُمْ يَوْمَئِذٍ عَلَى ظُهُورِهِمْ ، نَحْوَ الَّذِي : - 13187 - حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحَكَمُ بْنُ بَشِيرِ بْنِ سَلْمَانَ قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ قَيْسٍ الْمُلَائِيُّ قَالَ : إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا خَرَجَ مِنْ قَبْرِهِ اسْتَقْبَلَهُ أَحْسَنُ شَيْءٍ صُورَةً وَأَطْيَبُهُ رِيحًا ، فَيَقُولُ لَهُ : هَلْ تَعْرِفُنِي ؟ فَيَقُولُ : لَا ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ قَدْ طَيَّبَ رِيحَكَ وَحَسَّنَ صُورَتَكَ ! فَيَقُولُ : كَذَلِكَ كُنْتَ فِي الدُّنْيَا ، أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ ، طَالَمَا رَكِبْتُكَ فِي الدُّنْيَا ، فَارْكَبْنِي أَنْتَ الْيَوْمَ ! وَتَلَا ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا ﴾[ سُورَةُ مَرْيَمَ : 85 ] . وَإِنَّ الْكَافِرَ يَسْتَقْبِلُهُ أَقْبَحُ شَيْءٍ صُورَةً وَأَنْتَنُهُ رِيحًا ، فَيَقُولُ : هَلْ تَعْرِفُنِي ؟ فَيَقُولُ : لَا ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ قَدْ قَبَّحَ صُورَتَكَ وَأَنْتَنَ رِيحَكَ ! فَيَقُولُ : كَذَلِكَ كُنْتَ فِي الدُّنْيَا ، أَنَا عَمَلُكَ السَّيِّئُ ، طَالَمَا رَكِبْتَنِي فِي الدُّنْيَا ، فَأَنَا الْيَوْمَ أَرْكَبُكَ وَتَلَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ .
13188 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ظَالِمٍ يَمُوتُ فَيَدْخُلُ قَبْرَهُ ، إِلَّا جَاءَ رَجُلٌ قَبِيحُ الْوَجْهِ ، أَسْوَدُ اللَّوْنِ ، مُنْتِنُ الرِّيحِ ، عَلَيْهِ ثِيَابٌ دَنِسَةٌ ، حَتَّى يَدْخُلَ مَعَهُ قَبْرَهُ ، فَإِذَا رَآهُ قَالَ لَهُ : مَا أَقْبَحَ وَجْهَكَ ! قَالَ : كَذَلِكَ كَانَ عَمَلُكَ قَبِيحًا ! قَالَ : مَا أَنْتَنَ رِيحَكَ ! قَالَ : كَذَلِكَ كَانَ عَمَلُكَ مُنْتِنًا ! قَالَ : مَا أَدْنَسَ ثِيَابَكَ ! قَالَ فَيَقُولُ : إِنَّ عَمَلَكَ كَانَ دَنِسًا . قَالَ : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا عَمَلُكَ ! قَالَ : فَيَكُونُ مَعَهُ فِي قَبْرِهِ ، فَإِذَا بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ لَهُ : إِنِّي كُنْتُ أَحْمِلُكَ فِي الدُّنْيَا بِاللَّذَّاتِ وَالشَّهَوَاتِ ، فَأَنْتَ الْيَوْمَ تَحْمِلُنِي . قَالَ : فَيَرْكَبُ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَسُوقُهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ النَّارَ ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ : يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ فَإِنَّهُ يَعْنِي : أَلَا سَاءَ الْوِزْرُ الَّذِي يَزِرُونَ - أَيِ : الْإِثْمُ الَّذِي يَأْثَمُونَهُ بِرَبِّهِمْ ، كَمَا : - 13189 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ قَالَ : سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ .