الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ . . . . "
) ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنْ كَانَ عَظُمَ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ إِعْرَاضُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ عَنْكَ ، وَانْصِرَافُهُمْ عَنْ تَصْدِيقِكَ فِيمَا جِئْتَهُمْ بِهِ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي بَعَثْتُكَ بِهِ ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْكَ ، وَلَمْ تَصْبِرْ لِمَكْرُوهِ مَا يَنَالُكَ مِنْهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ يَقُولُ : فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَتَّخِذَ سَرَبًا فِي الْأَرْضِ مِثْلَ نَافِقَاءِ الْيَرْبُوعِ ، وَهِيَ إِحْدَى جِحَرَتِهِ فَتَذْهَبَ فِيهِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ يَقُولُ : أَوْ مِصْعَدًا تَصْعَدُ فِيهِ ، كَالدَّرَجِ وَمَا أَشْبَهَهَا ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : لَا تُحْرِزُ الْمَرْءَ أَحْجَاءُ الْبِلَادِ وَلَا يُبْنَى لَهُ فِي السَّمَاوَاتِ السَّلَالِيمُ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ مِنْهَا يَعْنِي بِعَلَامَةٍ وَبُرْهَانٍ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِكَ غَيْرَ الَّذِي أَتَيْتُكَ فَافْعَلْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13201 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ وَ النَّفَقُ السَّرَبُ ، فَتَذْهَبَ فِيهِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ أَوْ تَجْعَلَ لَكَ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ ، فَتَصْعَدَ عَلَيْهِ ، فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ أَفْضَلَ مِمَّا أَتَيْنَاهُمْ بِهِ ، فَافْعَلْ .
13202 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ قَالَ : سَرَبًا أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ قَالَ : يَعْنِي الدَّرَجَ . 13203 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ أَمَّا النَّفَقُ فَالسَّرَبُ ، وَأَمَّا السُّلَّمُ فَالْمِصْعَدُ . 13204 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : نَفَقًا فِي الأَرْضِ قَالَ : سَرَبًا .
وَتُرِكَ جَوَابُ الْجَزَاءِ فَلَمْ يُذْكَرْ لِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَيْهِ ، وَمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِمَعْنَاهُ . وَقَدْ تَفْعَلُ الْعَرَبُ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ يُفْهَمُ مَعْنَاهُ عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ بِهِ ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لِلرَّجُلِ : إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَنْهَضَ مَعَنَا فِي حَاجَتِنَا ، إِنْ قَدَرْتَ عَلَى مَعُونَتِنَا وَيَحْذِفُ الْجَوَابَ ، وَهُوَ يُرِيدُ : إِنْ قَدَرْتَ عَلَى مَعُونَتِنَا فَافْعَلْ . فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَعْرِفِ الْمُخَاطَبُ وَالسَّامِعُ مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَّا بِإِظْهَارِ الْجَوَابِ لَمْ يَحْذِفُوهُ .
لَا يُقَالُ : إِنْ تَقُمْ فَتَسْكُتُ وَتَحْذِفُ الْجَوَابَ ؛ لِأَنَّ الْمَقُولَ ذَلِكَ لَهُ لَا يَعْرِفُ جَوَابَهُ إِلَّا بِإِظْهَارِهِ ، حَتَّى يُقَالَ : إِنْ تَقُمْ تُصِبْ خَيْرًا أَوْ : إِنْ تَقُمْ فَحَسَنٌ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَنَظِيرُ مَا فِي الْآيَةِ مِمَّا حُذِفَ جَوَابُهُ وَهُوَ مُرَادٌ لِفَهْمِ الْمُخَاطَبِ لِمَعْنَى الْكَلَامِ قَوْلُ الشَّاعِرِ : فَبِحَظٍّ مِمَّا نَعِيشُ وَلَا تَذْ هَبْ بِكِ التُّرَّهَاتُ فِي الْأَهْوَالِ وَالْمَعْنَى : فَبِحَظٍّ مِمَّا نَعِيشُ فَعِيشِي . الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ( 35 ) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : إِنَّ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَكَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ يَا مُحَمَّدُ - فَيَحْزُنُكَ تَكْذِيبُهُمْ إِيَّاكَ - لَوْ أَشَاءُ أَنْ أَجْمَعَهُمْ عَلَى اسْتِقَامَةٍ مِنَ الدِّينِ ، وَصَوَابٍ مِنْ مَحَجَّةِ الْإِسْلَامِ - حَتَّى تَكُونَ كَلِمَةُ جَمِيعِكُمْ وَاحِدَةً ، وَمِلَّتُكُمْ وَمِلَّتُهُمْ وَاحِدَةً - لَجَمَعْتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ يَكُنْ بَعِيدًا عَلَيَّ ؛ لِأَنِّي الْقَادِرُ عَلَى ذَلِكَ بِلُطْفِي ، وَلَكِنِّي لَمْ أَفْعَلْ ذَلِكَ لِسَابِقِ عِلْمِي فِي خَلْقِي ، وَنَافِذِ قَضَائِي فِيهِمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ أَخْلُقَهُمْ وَأُصَوِّرَ أَجْسَامَهُمْ فَلَا تَكُونُنَّ يَا مُحَمَّدُ مِنَ الْجَاهِلِينَ يَقُولُ : فَلَا تَكُونُنَّ مِمَّنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ لَوْ شَاءَ لَجَمَعَ عَلَى الْهُدَى جَمِيعَ خَلْقِهِ بِلُطْفِهِ ، وَأَنَّ مَنْ يَكْفُرُ بِهِ مِنْ خَلْقِهِ إِنَّمَا يَكْفُرُ بِهِ لِسَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ فِيهِ ، وَنَافِذِ قَضَائِهِ بِأَنَّهُ كَائِنٌ مِنَ الْكَافِرِينَ بِهِ اخْتِيَارًا لَا اضْطِرَارًا ، فَإِنَّكَ إِذَا عَلِمْتَ صِحَّةَ ذَلِكَ لَمْ يَكْبُرْ عَلَيْكَ إِعْرَاضُ مَنْ أَعْرَضَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَمَّا تَدْعُوهُ إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ ، وَتَكْذِيبُ مَنْ كَذَّبَكَ مِنْهُمْ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13205 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : لَوْ شِئْتُ لَجَمَعْتُهُمْ عَلَى الْهُدَى أَجْمَعِينَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَفِي هَذَا الْخَبَرِ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى خَطَأِ مَا قَالَ أَهْلُ التَّفْوِيضِ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ الْمُنْكِرُونَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ لِطَائِفُ لِمَنْ شَاءَ تَوْفِيقَهُ مِنْ خَلْقِهِ ، يَلْطُفُ بِهَا لَهُ حَتَّى يَهْتَدِيَ لِلْحَقِّ ، فَيَنْقَادَ لَهُ ، وَيُنِيبَ إِلَى الرَّشَادِ فَيُذْعِنَ بِهِ وَيُؤْثِرَهُ عَلَى الضَّلَالِ وَالْكُفْرِ بِاللَّهِ .
وَذَلِكَ أَنَّهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَخْبَرَ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ الْهِدَايَةَ لِجَمِيعِ مَنْ كَفَرَ بِهِ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عَلَى الْهُدَى فَعَلَ . وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ كَانُوا مُهْتَدِينَ لَا ضُلَّالًا . وَهُمْ لَوْ كَانُوا مُهْتَدِينَ كَانَ - لَا شَكَّ أَنَّ كَوْنَهُمْ مُهْتَدِينَ كَانَ - خَيْرًا لَهُمْ .
وَفِي تَرْكِهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - أَنْ يَجْمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى تَرْكٌ مِنْهُ أَنْ يَفْعَلَ بِهِمْ فِي دِينِهِمْ بَعْضَ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ فِيهِ ، مِمَّا هُوَ قَادِرٌ عَلَى فِعْلِهِ بِهِمْ ، وَقَدْ تَرَكَ فِعْلَهُ بِهِمْ . وَفِي تَرْكِهِ فِعْلُ ذَلِكَ بِهِمْ أَوْضَحُ الدَّلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يُعْطِهِمْ كُلَّ الْأَسْبَابِ الَّتِي بِهَا يَصِلُونَ إِلَى الْهِدَايَةِ ، وَيَتَسَبَّبُونَ بِهَا إِلَى الْإِيمَانِ .