الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِيَ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ ، الْمُكَذِّبِينَ بِكَ : أَرَأَيْتُمْ ، أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ غَيْرَهُ ، إِنْ أَصَمَّكُمُ اللَّهُ فَذَهَبَ بِأَسْمَاعِكُمْ ، وَأَعْمَاكُمْ فَذَهَبَ بِأَبْصَارِكُمْ ، وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ فَطَبَعَ عَلَيْهَا ، حَتَّى لَا تَفْقَهُوا قَوْلًا وَلَا تُبْصِرُوا حُجَّةً ، وَلَا تَفْهَمُوا مَفْهُومًا ، أَيُّ إِلَهٍ غَيْرُ اللَّهِ الَّذِي لَهُ عِبَادَةُ كُلِّ عَابِدٍ يَأْتِيكُمْ بِهِ يَقُولُ : يَرُدُّ عَلَيْكُمْ مَا ذَهَبَ اللَّهُ بِهِ مِنْكُمْ مِنَ الْأَسْمَاعِ وَالْأَبْصَارِ وَالْأَفْهَامِ ، فَتَعْبُدُوهُ أَوْ تُشْرِكُوهُ فِي عِبَادَةِ رَبِّكُمُ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى ذَهَابِهِ بِذَلِكَ مِنْكُمْ ، وَعَلَى رَدِّهِ عَلَيْكُمْ إِذَا شَاءَ ؟ وَهَذَا مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - تَعْلِيمٌ نَبِيَّهُ الْحُجَّةَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِهِ ، يَقُولُ لَهُ : قُلْ لَهُمْ : إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ، وَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ عَلَيْكُمْ مَنْ كَانَ بِيَدِهِ الضُّرُّ وَالنَّفْعُ ، وَالْقَبْضُ وَالْبَسْطُ ، الْقَادِرُ عَلَى كُلِّ مَا أَرَادَ ، لَا الْعَاجِزُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ . ثُمَّ قَالَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ يَقُولُ : انْظُرْ كَيْفَ نُتَابِعُ عَلَيْهِمُ الْحُجَجَ ، وَنَضْرِبُ لَهُمُ الْأَمْثَالَ وَالْعِبَرَ ، لِيَعْتَبِرُوا وَيَذْكُرُوا فَيُنِيبُوا ، ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ يَقُولُ : ثُمَّ هُمْ مَعَ مُتَابَعَتِنَا عَلَيْهِمُ الْحُجَجَ ، وَتَنْبِيهِنَا إِيَّاهُمْ بِالْعِبَرِ ، عَنِ الِادِّكَارِ وَالِاعْتِبَارِ يُعْرِضُونَ . يُقَالُ مِنْهُ : صَدَفَ فُلَانٌ عَنِّي بِوَجْهِهِ ، فَهُوَ يَصْدِفُ صُدُوفًا وَصَدَفًا أَيْ : عَدَلَ وَأَعْرَضَ ، وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ الرِّقَاعِ : إِذَا ذَكَرْنَ حَدِيثًا قُلْنَ أَحْسَنَهُ ، وَهُنَّ عَنْ كُلِّ سُوءٍ يُتَّقَى صُدُفُ وَقَالَ لَبِيدٌ : يُرْوِي قَوامِحَ قَبْلَ اللَّيْلِ صَادِفَةً أَشْبَاهَ جِنٍّ ، عَلَيْهَا الرَّيْطُ وَالْأُزُرُ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : وَكَيْفَ قِيلَ : مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ فَوَحَّدَ الْهَاءَ وَقَدْ مَضَى الذِّكْرُ قَبْلُ بِالْجَمْعِ فَقَالَ : أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ ؟ قِيلَ : جَائِزٌ أَنْ تَكُونَ الْهَاءُ عَائِدَةً عَلَى السَّمْعِ فَتَكُونُ مُوَحَّدَةً لِتَوْحِيدِ السَّمْعِ وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ مَعْنِيًّا بِهَا : مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِمَا أُخِذَ مِنْكُمْ مِنَ السَّمْعِ وَالْأَبْصَارِ وَالْأَفْئِدَةِ ، فَتَكُونُ مُوَحَّدَةٌ لِتَوْحِيدِ مَا .
وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ ، إِذَا كَنَّتْ عَنِ الْأَفْعَالِ وَحَّدَتِ الْكِنَايَةَ ، وَإِنْ كَثُرَ مَا يُكَنَّى بِهَا عَنْهُ مِنَ الْأَفَاعِيلِ ، كَقَوْلِهِمْ : إِقْبَالُكَ وَإِدْبَارُكَ يُعْجِبُنِي . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْهَاءَ الَّتِي فِي بِهِ كِنَايَةٌ عَنِ الْهُدَى . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : يَصْدِفُونَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13244 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ : حَدَّثَنَا عِيسَى ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : يَصْدِفُونَ قَالَ : يُعْرِضُونَ . 13245 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْلٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ . 13246 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : يَصْدِفُونَ قَالَ : يَعْدِلُونَ .
13247 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ : نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ قَالَ : يُعْرِضُونَ عَنْهَا . 13248 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ ، عَنِ السُّدِّيِّ : ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ قَالَ : يَصُدُّونَ .