الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَأَنْذِرْ ، يَا مُحَمَّدُ ، بِالْقُرْآنِ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ الْقَوْمَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ ، عِلْمًا مِنْهُمْ بِأَنَّ ذَلِكَ كَائِنٌ ، فَهُمْ مُصَدِّقُونَ بِوَعْدِ اللَّهِ وَوَعِيدِهِ ، عَامِلُونَ بِمَا يُرْضِي اللَّهَ ، دَائِبُونَ فِي السَّعْيِ ، فِيمَا يُنْقِذُهُمْ فِي مَعَادِهِمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ أَيْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ إِنْ عَذَّبَهُمْ ، وَلِيٌّ يَنْصُرُهُمْ فَيَسْتَنْقِذُهُمْ مِنْهُ ، وَلَا شَفِيعٌ يَشْفَعُ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - فَيُخَلِّصُهُمْ مِنْ عِقَابِهِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ يَقُولُ : أَنْذِرْهُمْ كَيْ يَتَّقُوا اللَّهَ فِي أَنْفُسِهِمْ ، فَيُطِيعُوا رَبَّهُمْ ، وَيَعْمَلُوا لِمَعَادِهِمْ ، وَيَحْذَرُوا سَخَطَهُ بِاجْتِنَابِ مَعَاصِيهِ . وَقِيلَ : وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا وَمَعْنَاهُ : يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ يُحْشُرُونَ ، فَوُضِعَتِ الْمَخَافَةُ مَوْضِعَ الْعِلْمِ لِأَنَّ خَوْفَهُمْ كَانَ مِنْ أَجْلِ عِلْمِهِمْ بِوُقُوعِ ذَلِكَ وَوُجُودِهِ مِنْ غَيْرِ شَكِّ مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ . وَهَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَعْلِيمِ أَصْحَابِهِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ مِنْ وَحْيِهِ ، وَتَذْكِيرِهِمْ ، وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِمْ بِالْإِنْذَارِ ، وَصَدَّ عَنْهُ الْمُشْرِكُونَ بِهِ ، بَعْدَ الْإِعْذَارِ إِلَيْهِمْ ، وَبَعْدَ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ ، حَتَّى يَكُونَ اللَّهَ هُوَ الْحَاكِمُ فِي أَمْرِهِمْ بِمَا يَشَاءُ مِنَ الْحُكْمِ فِيهِمْ .