الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ وَكَذَلِكَ اخْتَبَرْنَا وَابْتَلَيْنَا ، كَالَّذِي : - 13289 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ، عَنْ مَعْمَرٍ وَحَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ : وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ يَقُولُ : ابْتَلَيْنَا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عَلَى مَعْنَى الْفِتْنَةِ وَأَنَّهَا الِاخْتِبَارُ وَالِابْتِلَاءُ ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَإِنَّمَا فِتْنَةُ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بَعْضَ خَلْقِهِ بِبَعْضٍ ، مُخَالَفَتُهُ بَيْنَهُمْ فِيمَا قَسَّمَ لَهُمْ مِنَ الْأَرْزَاقِ وَالْأَخْلَاقِ ، فَجَعَلَ بَعْضًا غَنِيًّا وَبَعْضًا فَقِيرًا ، وَبَعْضًا قَوِيًّا ، وَبَعْضًا ضَعِيفًا ، فَأَحْوَجَ بَعْضَهُمْ إِلَى بَعْضٍ ، اخْتِبَارًا مِنْهُ لَهُمْ بِذَلِكَ .
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13290 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلَهُ : وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ يَعْنِي أَنَّهُ جَعَلَ بَعْضَهُمْ أَغْنِيَاءَ وَبَعْضَهُمْ فَقُرَاءَ ، فَقَالَ الْأَغْنِيَاءُ لِلْفُقَرَاءِ : أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا يَعْنِي : هَدَاهُمُ اللَّهُ . وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ اسْتِهْزَاءً وَسُخْرِيًّا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا يَقُولُ تَعَالَى : اخْتَبَرْنَا النَّاسَ بِالْغِنَى وَالْفَقْرِ ، وَالْعِزِّ وَالذُّلِّ ، وَالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ ، وَالْهُدَى وَالضَّلَالِ ، كَيْ يَقُولَ مَنْ أَضَلَّهُ اللَّهُ وَأَعْمَاهُ عَنْ سَبِيلِ الْحَقِّ ، لِلَّذِينِ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَوَفَّقَهُمْ : أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالْهُدَى وَالرُّشْدِ ، وَهُمْ فُقَرَاءُ ضُعَفَاءُ أَذِلَّاءُ مِنْ بَيْنِنَا وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ أَقْوِيَاءُ ؟ اسْتِهْزَاءً بِهِمْ ، وَمُعَادَاةً لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ . يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ وَهَذَا مِنْهُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - إِجَابَةً لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ هَدَى أَهَلَ الْمَسْكَنَةِ وَالضَّعْفِ لِلْحَقِّ ، وَخَذَلَهُمْ عَنْهُ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ وَتَقْرِيرٌ لَهُمْ : أَنَا أَعْلَمُ بِمَنْ كَانَ مِنْ خَلْقِي شَاكِرًا نِعْمَتِي ، مِمَّنْ هُوَ لَهَا كَافِرٌ . فَمَنِّي عَلَى مَنْ مَنَنْتُ عَلَيْهِ مِنْهُمْ بِالْهِدَايَةِ ؛ جَزَاءَ شُكْرِهِ إِيَّايَ عَلَى نِعْمَتِي ، وَتَخْذِيلِي مَنْ خَذَلْتُ مِنْهُمْ عَنْ سَبِيلِ الرَّشَادِ ؛ عُقُوبَةَ كُفْرَانِهِ إِيَّايَ نِعْمَتِي ، لَا لِغِنَى الْغَنِيِّ مِنْهُمْ وَلَا لِفَقْرِ الْفَقِيرِ ؛ لِأَنَّ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ لَا يَسْتَحِقُّهُ أَحَدٌ إِلَّا جَزَاءً عَلَى عَمَلِهِ الَّذِي اكْتَسَبَهُ ، لَا عَلَى غِنَاهُ وَفَقْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْغِنَى وَالْفَقْرَ وَالْعَجْزَ وَالْقُوَّةَ لَيْسَ مِنْ أَفْعَالِ خَلْقِي .