الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَعْنِي - تَعَالَى ذِكْرُهُ - بِقَوْلِهِ : وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَكَمَا فَصَّلْنَا لَكَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ - مِنَ ابْتِدَائِهَا وَفَاتِحَتِهَا ، يَا مُحَمَّدُ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ - حُجَّتَنَا عَلَى الْمُشْرِكِينَ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ ، وَأَدِلَّتَنَا ، وَمَيَّزْنَاهَا لَكَ وَبَيَّنَّاهَا ، كَذَلِكَ نُفَصِّلُ لَكَ أَعْلَامَنَا وَأَدِلَّتَنَا فِي كُلِّ حَقٍّ يُنْكِرُهُ أَهْلُ الْبَاطِلِ مِنْ سَائِرِ أَهْلِ الْمِلَلِ غَيْرُهُمْ ، فَنُبَيِّنُهَا لَكَ ، حَتَّى يُبَيَّنَ حَقُّهُ مِنْ بَاطِلِهِ ، وَصَحِيحُهُ مِنْ سَقِيمِهِ . وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ . فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ : ( وَلِتَسْتَبِينَ ) بِالتَّاءِ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ بِنَصْبِ السَّبِيلِ عَلَى أَنَّ تَسْتَبِينَ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، كَأَنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ : وَلِتَسْتَبِينَ ، أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ ، سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ .
وَكَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَتَأَوَّلُ ذَلِكَ : وَلِتَسْتَبِينَ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ ، سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ الَّذِينَ سَأَلُوكَ طَرْدَ النَّفَرِ الَّذِينَ سَأَلُوهُ طَرْدَهُمْ عَنْهُ مِنْ أَصْحَابِهِ . 13299 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ الْمُجْرِمِينَ قَالَ : الَّذِينَ يَأْمُرُونَكَ بِطَرْدِ هَؤُلَاءِ . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ : ( وَلِتَسْتَبِينَ ) بِالتَّاءِ ( سَبِيلُ الْمُجِرمِينَ ) بِرَفْعِ السَّبِيلِ عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ لِلسَّبِيلِ ، وَلَكِنَّهُ يُؤَنِّثُهَا وَكَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ عِنْدَهُمْ : وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ ، وَلِتَتَّضِحَ لَكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ طَرِيقُ الْمُجْرِمِينَ .
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ : ( وَلِيَسْتَبِينَ ) بِالْيَاءِ ( سَبِيلُ الْمُجِرمِينَ ) بِرَفْعِ السَّبِيلِ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ لِلسَّبِيلِ ، وَلَكِنَّهُمْ يُذَكِّرُونَهُ وَمَعْنَى هَؤُلَاءِ فِي هَذَا الْكَلَامِ ، وَمَعْنَى مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ بِالتَّاءِ فِي : وَلِتَسْتَبِينَ وَرَفَعَ السَّبِيلَ وَاحِدٌ ، وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي تَذْكِيرِ السَّبِيلِ وَتَأْنِيثِهَا . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ عِنْدِي فِي السَّبِيلِ الرَّفْعُ ، لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - فَصَّلَ آيَاتِهِ فِي كِتَابِهِ وَتَنْزِيلِهِ ، لِيَتَبَيَّنَ الْحَقَّ بِهَا مِنَ الْبَاطِلِ جَمِيعُ مَنْ خُوطِبَ بِهَا ، لَا بَعْضٌ دُونَ بَعْضٍ . وَمَنْ قَرَأَ السَّبِيلَ بِالنَّصْبِ ، فَإِنَّمَا جَعَلَ تَبْيِينَ ذَلِكَ مَحْصُورًا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - .
وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فِي قَوْلِهِ : وَلِتَسْتَبِينَ فَسَوَاءٌ قُرِئَتْ بِالتَّاءِ أَوْ بِالْيَاءِ ، لِأَنَّ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يُذَكِّرُ السَّبِيلَ وَهُمْ تَمِيمٌ وَأَهْلُ نَجْدٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤَنِّثُ السَّبِيلَ وَهُمْ أَهْلُ الْحِجَازِ . وَهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قَرَأَةِ الْأَمْصَارِ ، وَلُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ مِنْ لُغَاتِ الْعَرَبِ ، وَلَيْسَ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ بِإِحْدَاهُمَا خِلَافٌ لِقِرَاءَتِهِ بِالْأُخْرَى ، وَلَا وَجْهَ لِاخْتِيَارِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى بَعْدَ أَنْ يَرْفَعَ السَّبِيلَ لِلْعِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْنَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ : نُفَصِّلُ الْآيَاتِ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
13300 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ نُبَيِّنُ الْآيَاتِ . 13301 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي : نُفَصِّلُ الْآيَاتِ نُبَيِّنُ .