الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قُلْ يَا مُحَمَّدُ ، لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ ، الدَّاعِينَ لَكَ إِلَى الْإِشْرَاكِ بِرَبِّكَ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي أَيْ إِنِّي عَلَى بَيَانٍ قَدْ تَبَيَّنْتُهُ ، وَبُرْهَانٍ قَدْ وَضَحَ لِي مَنْ رَبِّي يَقُولُ : مِنْ تَوْحِيدِي ، وَمَا أَنَا عَلَيْهِ مِنْ إِخْلَاصِ عُبُودِيَّتِهِ مِنْ غَيْرِ إِشْرَاكِ شَيْءٍ بِهِ . وَكَذَلِكَ تَقُولُ الْعَرَبُ : فُلَانٌ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ إِذَا كَانَ عَلَى بَيَانٍ مِنْهُ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ : أَبَيِّنَةً تَبْغُونَ بَعْدَ اعْتِرَافِهِ وقَوْلِ سُوَيْدٍ قَدْ كَفَيْتُكُمُ بِشْرَا وَكَذَّبْتُمْ بِهِ يَقُولُ : وَكَذَّبْتُمْ أَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ وَ الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ بِهِ مَنْ ذِكْرِ الرَّبِّ جَلَّ وَعَزَّ مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ يَقُولُ : مَا الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ مِنْ نِقَمِ اللَّهِ وَعَذَابِهِ بِيَدِي ، وَلَا أَنَا عَلَى ذَلِكَ بِقَادِرٍ . وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا حِينَ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَوْحِيدِهِ ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ رَسُولُهُ إِلَيْهِمْ : هَلْ هَذَا إِلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ [ سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ : 3 ] .
وَقَالُوا لِلْقُرْآنِ : هُوَ أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : بَلْ هُوَ اخْتِلَاقٌ اخْتَلَقَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مُحَمَّدٌ شَاعِرٌ ، فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَجِبْهُمْ بِأَنَّ الْآيَاتِ بِيَدِ اللَّهِ لَا بِيَدِكَ ، وَإِنَّمَا أَنْتَ رَسُولٌ ، وَلَيْسَ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ لِمَا أُرْسِلْتَ بِهِ ، وَأَنَّ اللَّهَ يَقْضِي الْحَقَّ فِيهِمْ وَفِيكَ ، وَيَفْصِلُ بِهِ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ ، فَيَتَبَيَّنُ الْمُحِقُّ مِنْكُمْ وَالْمُبْطِلُ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ أَيْ : وَهُوَ خَيْرُ مَنْ بَيَّنَ وَمَيَّزَ بَيْنَ الْمُحِقِّ وَالْمُبْطِلِ وَأَعْدَلُهُمْ ، لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ فِي حُكْمِهِ وَقَضَائِهِ حَيْفٌ إِلَى أَحَدٍ لِوَسِيلَةٍ لَهُ إِلَيْهِ وَلَا لِقَرَابَةٍ وَلَا مُنَاسَبَةٍ ، وَلَا فِي قَضَائِهِ جَوْرٌ ، لِأَنَّهُ لَا يَأْخُذُ الرِّشْوَةَ فِي الْأَحْكَامِ فَيَجُورُ ، فَهُوَ أَعْدَلُ الْحُكَّامِ وَخَيْرُ الْفَاصِلِينَ .
وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : وَهُوَ أَسْرَعُ الْفَاصِلِينَ . 13302 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ : أَنَّهُ قَالَ : فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ : ( يَقْضِي الْحَقَّ وَهُوَ أَسْرَعُ الْفَاصِلِينَ ) . وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : يَقُصُّ الْحَقَّ .
فَقَرَأَهُ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْحِجَازِ وَالْمَدِينَةِ وَبَعْضُ قَرَأَةِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ : إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ بِالصَّادِ ، بِمَعْنَى الْقَصَصِ وَتَأَوَّلُوا فِي ذَلِكَ قَوْلَ اللَّهِ - تَعَالَى ذِكْرُهُ - : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [ سُورَةُ يُوسُفَ : 3 ] . وَذُكِرَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . 13303 - حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ، يَقُصُّ الْحَقَّ وَقَالَ : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ .
وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ قَرَأَةِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ : ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقْضِي الْحَقَّ ) بِالضَّادِ ، مِنْ الْقَضَاءِ بِمَعْنَى الْحُكْمِ وَالْفَصْلِ بِالْقَضَاءِ ، وَاعْتَبَرُوا صِحَّةَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ وَأَنْ الْفَصْلَ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْقَضَاءِ لَا بِالْقَصَصِ . وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ عِنْدَنَا أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ ، لِمَا ذَكَرْنَا لِأَهْلِهَا مِنَ الْعِلَّةِ . فَمَعْنَى الْكَلَامِ إذًا : مَا الْحُكْمُ فِيمَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ ، أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ ، مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَفِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ، إِلَّا لِلَّهِ الَّذِي لَا يَجُوزُ فِي حُكْمِهِ ، وَبِيَدِهِ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ، يَقْضِي الْحَقَّ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ، وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ بَيْنَنَا بِقَضَائِهِ وَحُكْمِهِ .