الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّدُ ، آيِسْ مِنْ فَلَاحِ هَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمُ الْأَوْثَانَ وَالْأَصْنَامَ ، الْقَائِلِينَ لَكَ : لَئِنْ جِئْتَنَا بِآيَةٍ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ، فَإِنَّنَا لَوْ نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ حَتَّى يَرَوْهَا عِيَانًا ، وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى بِإِحْيَائِنَا إِيَّاهُمْ حُجَّةً لَكَ ، وَدَلَالَةً عَلَى نُبُوَّتِكَ ، وَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّكَ مُحِقٌّ فِيمَا تَقُولُ ، وَأَنَّ مَا جِئْتَهُمْ بِهِ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ فَجَعَلْنَاهُمْ لَكَ قُبُلًا مَا آمَنُوا وَلَا صَدَّقُوكَ وَلَا اتَّبَعُوكَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ذَلِكَ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ، يَقُولُ : وَلَكِنَّ أَكْثَرَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ يَجْهَلُونَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، يَحْسَبُونَ أَنَّ الْإِيمَانَ إِلَيْهِمْ ، وَالْكُفْرَ بِأَيْدِيهِمْ ، مَتَّى شَاءُوا آمَنُوا ، وَمَتَّى شَاءُوا كَفَرُوا . وَلَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، ذَلِكَ بِيَدِي ، لَا يُؤْمِنُ مِنْهُمْ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ لَهُ فَوَفَّقْتُهُ ، وَلَا يَكْفُرُ إِلَّا مَنْ خَذَلْتُهُ عَنِ الرُّشْدِ فَأَضْلَلْتُهُ . وَقِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ نَزَلَ فِي الْمُسْتَهْزِئِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13755 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : نَزَلَتْ فِي الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْآيَةَ ، فَقَالَ : قُلْ ، يَا مُحَمَّدُ ، إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ ، وَنَزَلَ فِيهِمْ : وَلَوْ أَنَّنَا نَـزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّمَا قِيلَ : ( مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ) ، يُرَادُ بِهِ أَهْلُ الشَّقَاءِ ، وَقِيلَ : ( إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ) ، فَاسْتَثْنَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ : ( لِيُؤْمِنُوا ) ، يُرَادُ بِهِ أَهْلُ الْإِيمَانِ وَالسَّعَادَةِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13756 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : وَلَوْ أَنَّنَا نَـزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ، وَهُمْ أَهْلُ الشَّقَاءِ ثُمَّ قَالَ : ( إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ) ، وَهُمْ أَهْلُ السَّعَادَةِ الَّذِينَ سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْمِهِ أَنْ يَدْخُلُوا فِي الْإِيمَانِ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ، قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّ بِقَوْلِهِ : ( مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ) ، الْقَوْمَ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ فِي قَوْلِهِ : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَهٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا . وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ سَأَلُوا الْآيَةَ كَانُوا هُمُ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ إِنَّهُمْ عُنُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَلَكِنْ لَا دَلَالَةَ فِي ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا خَبَرَ تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ بِأَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ . وَالْخَبَرُ مِنَ اللَّهِ خَارِجٌ مَخْرَجَ الْعُمُومِ ، فَالْقَوْلُ بِأَنَّ ذَلِكَ عُنِيَ بِهِ أَهْلُ الشَّقَاءِ مِنْهُمْ أَوْلَى ، لِمَا وَصَفْنَا .
وَاخْتَلَفَتِ الْقَرَأَةُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ : وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا . فَقَرَأَتْهُ قَرَأَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ : قِبَلًا ، بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ ، بِمَعْنَى : مُعَايَنَةً مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : لَقِيتُهُ قِبَلًا ، أَيْ مُعَايَنَةً وَمُجَاهَرَةً . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قَرَأَةِ الْكُوفِيِّينَ وَالْبَصْرِيِّينَ : وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ، بِضَمِّ الْقَافِ ، وَالْبَاءِ .
وَإِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ ، كَانَ لَهُ مِنَ التَّأْوِيلِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ الْقُبُلُ جَمْعَ قَبِيلٍ ، كَالرُّغُفِ الَّتِي هِيَ جُمَعُ رَغِيفٍ ، وَ الْقُضُبِ الَّتِي هِيَ جُمَعُ قَضِيبٍ ، وَيَكُونَ الْقُبُلُ ، الضُّمَنَاءَ وَالْكُفَلَاءَ وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ ، كَانَ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ : وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ كُفَلَاءَ يَكْفُلُونَ لَهُمْ بِأَنَّ الَّذِي نَعِدُهُمْ عَلَى إِيمَانِهِمْ بِاللَّهِ إِنْ آمَنُوا ، أَوْ نُوعِدُهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ إِنْ هَلَكُوا عَلَى كُفْرِهِمْ ، مَا آمَنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ . وَالْوَجْهُ الْآخَرُ : أَنْ يَكُونَ الْقُبُلُ بِمَعْنَى الْمُقَابَلَةِ وَالْمُوَاجَهَةِ ، مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ : أَتَيْتُكَ قُبُلًا لَا دُبُرًا ، إِذَا أَتَاهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قَبِيلَةً قَبِيلَةً ، صِنْفًا صِنْفًا ، وَجَمَاعَةً جَمَاعَةً ، فَيَكُونَ الْقُبُلُ حِينَئِذٍ جَمْعَ قَبِيلٍ ، الَّذِي هُوَ جَمْعُ قَبِيلَةٍ ، فَيَكُونَ الْقُبُلُ جَمْعَ الْجَمْعِ .
وَبِكُلِّ ذَلِكَ قَدْ قَالَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : مُعَايَنَةً . 13757 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ، يَقُولُ : مُعَايَنَةً .
13758 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ : وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ، حَتَّى يُعَايِنُوا ذَلِكَ مُعَايَنَةً مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ . ذِكْرُ مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : قَبِيلَةً قَبِيلَةً ، صِنْفًا صِنْفًا . 13759 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ : مَنْ قَرَأَ : ( قُبُلًا ) ، مَعْنَاهُ : قَبِيلًا قَبِيلًا .
13760 - حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ مُجَاهِدٌ : ( قُبُلًا ) ، أَفْوَاجًا ، قَبِيلًا قَبِيلًا . 13761 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ ، عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ تَغْلِبَ قَالَ : حَدَّثَنِي طَلْحَةُ أَنَّ مُجَاهِدًا قَرَأَ فِي الْأَنْعَامِ : ( كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ) ، قَالَ : قَبَائِلَ ، قَبِيلًا وَقَبِيلًا وَقَبِيلًا . ذِكْرُ مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ : مُقَابِلَةً .
13762 - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ : وَلَوْ أَنَّنَا نَـزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ، يَقُولُ : لَوِ اسْتَقْبَلَهُمْ ذَلِكَ كُلُّهُ ، لَمْ يُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ . 13763 - حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ : وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ، قَالَ : حُشِرُوا إِلَيْهِمْ جَمِيعًا ، فَقَابَلُوهُمْ وَوَاجَهُوهُمْ . 13764 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ : قَرَأَ عِيسَى : ( قُبُلًا ) وَمَعْنَاهُ : عِيَانًا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدَنَا ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ : وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا ، بِضَمِّ الْقَافِ وَ الْبَاءِ ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ احْتِمَالِ ذَلِكَ الْأَوْجُهَ الَّتِي بَيَّنَّا مِنَ الْمَعَانِي ، وَأَنَّ مَعْنَى الْقِبَلِ دَاخِلٌ فِيهِ ، وَغَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْقِبَلِ مَعَانِي الْقُبُلِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( وَحَشْرَنَا عَلَيْهِمْ ) ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ : وَجَمَعْنَا عَلَيْهِمْ ، وَسُقْنَا إِلَيْهِمْ .