الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا . . . . "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَكَمُلَتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ، يَعْنِي الْقُرْآنَ . سَمَّاهُ كَلِمَةً ، كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ لِلْقَصِيدَةِ مِنَ الشِّعْرِ يَقُولُهَا الشَّاعِرُ : هَذِهِ كَلِمَةُ فُلَانٍ . ( صِدْقًا وَعَدْلًا ) ، يَقُولُ : كَمُلَتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ مِنَ الصِّدْقِ وَالْعَدْلِ .
وَ الصِّدْقُ وَ الْعَدْلُ نُصِبَا عَلَى التَّفْسِيرِ لِلْكَلِمَةِ ، كَمَا يُقَالُ : عِنْدِي عِشْرُونَ دِرْهَمًا . ( لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ) ، يَقُولُ : لَا مُغَيِّرَ لِمَا أَخْبَرَ فِي كُتُبِهِ أَنَّهُ كَائِنٌ مِنْ وُقُوعِهِ فِي حِينِهِ وَأَجَلِهِ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ وَاقِعٌ فِيهِ ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ ، [ سُورَةُ الْفَتْحِ : 15 ] . فَكَانَتْ إِرَادَتُهُمْ تَبْدِيلَ كَلَامِ اللَّهِ ، مَسْأَلَتَهُمْ نَبِيَّ اللَّهِ أَنْ يَتْرُكَهُمْ يَحْضُرُونَ الْحَرْبَ مَعَهُ ، وَقَوْلَهُمْ لَهُ وَلِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ : ( ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ) ، بَعْدَ الْخَبَرِ الَّذِي كَانَ اللَّهُ أَخْبَرَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ : فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا الْآيَةَ ، [ سُورَةُ التَّوْبَةِ : 83 ] ، فَحَاوَلُوا تَبْدِيلَ كَلَامِ اللَّهِ وَخَبَرَهُ بِأَنَّهُمْ لَنْ يَخْرُجُوا مَعَ نَبِيِّ اللَّهِ فِي غَزَاةٍ ، وَلَنْ يُقَاتِلُوا مَعَهُ عَدُوًّا بِقَوْلِهِمْ لَهُمْ : ( ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ ) ، فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا بِمَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاهُمْ ذَلِكَ كَلَامَ اللَّهِ وَخَبَرَهُ : قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ .
فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ : ( لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ) ، إِنَّمَا هُوَ : لَا مُغَيِّرَ لِمَا أَخْبَرَ عَنْهُ مِنْ خَبَرٍ أَنَّهُ كَائِنٌ ، فَيُبْطِلَ مَجِيئَهُ وَكَوْنَهُ وَوُقُوعَهُ عَلَى مَا أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُفْتَرُونَ فِي كُتُبِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُصُونَ مِنْهَا . وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا شَكَّ أَنَّهُمْ أَهْلُ كُتُبِ اللَّهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى أَنْبِيَائِهِ ، وَقَدْ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُمْ يُحَرِّفُونَ غَيْرَ الَّذِي أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا مُبَدِّلَ لَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13789 - حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدٌ ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ : وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ ، يَقُولُ : صِدْقًا وَعَدْلًا فِيمَا حَكَمَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ : وَاللَّهُ السَّمِيعُ ، لِمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الْعَادِلُونَ بِاللَّهِ ، الْمُقْسِمُونَ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ : لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ خَلْقِهِ الْعَلِيمُ ، بِمَا تَئُولُ إِلَيْهِ أَيْمَانُهُمْ مِنْ بِرٍّ وَصِدْقٍ وَكَذِبٍ وَحِنْثٍ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ عِبَادِهِ .