الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى " إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ "
) قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّدُ ، إِنَّ رَبَّكَ الَّذِي نَهَاكَ أَنْ تُطِيعَ هَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِاللَّهِ الْأَوْثَانَ ، لِئَلَّا يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِهِ ، هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ وَمِنْ جَمِيعِ خَلْقِهِ أَيَّ خَلْقِهِ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ بِزُخْرُفِ الْقَوْلِ الَّذِي يُوحِي الشَّيَاطِينُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ، فَيَصُدُّوا عَنْ طَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ مَا أَمَرَ بِهِ ( وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) ، يَقُولُ : وَهُوَ أَعْلَمُ أَيْضًا مِنْكَ وَمِنْهُمْ بِمَنْ كَانَ عَلَى اسْتِقَامَةٍ وَسَدَادٍ ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُمْ أَحَدٌ . يَقُولُ : وَاتَّبِعْ ، يَا مُحَمَّدُ ، مَا أَمَرْتُكَ بِهِ ، وَانْتَهِ عَمَّا نَهَيْتُكَ عَنْهُ مِنْ طَاعَةِ مَنْ نَهَيْتُكَ عَنْ طَاعَتِهِ ، فَإِنِّي أَعْلَمُ بِالْهَادِي وَالْمُضِلِّ مِنْ خَلْقِي ، مِنْكَ . وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي مَوْضِعِ مَنْ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ .
فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ : مَوْضِعُهُ خَفْضٌ بِنِيَّةِ الْبَاءِ . قَالَ : وَمَعْنَى الْكَلَامِ : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ يَضِلُّ . وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ : مَوْضِعُهُ رَفْعٌ ؛ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى : أَيُّ ، وَالرَّافِعُ لَهُ يَضِلُّ .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ رَفْعٌ بِ يَضِلُّ ، وَهُوَ فِي مَعْنَى : أَيُّ . وَغَيْرُ مَعْلُومٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ اسْمٌ مَخْفُوضٌ بِغَيْرِ خَافِضٍ ، فَيَكُونَ هَذَا لَهُ نَظِيرًا . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ : ( أَعْلَمُ ) ، فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَعْنَى يَعْلَمُ ، وَاسْتَشْهَدَ لِقِيلِهِ بِبَيْتِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ : فَحَالَفَتْ طَيِّئٌ مِنْ دُونِنَا حِلِفًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ مَا كُنَّا لَهُمْ خُذُلَا وَبِقَوْلِ الْخَنْسَاءِ : الْقَوْمُ أَعْلَمُ أَنَّ جَفْنَتَهُ تَعْدُو غَدَاةَ الرِّيحِ أَوْ تَسْرِي وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ قَائِلُ هَذَا التَّأْوِيلِ ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ ، فَلَيْسَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ ، مِنْهُ .
وَذَلِكَ أَنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ : وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ، فَأَبَانَ بِدُخُولِ الْبَاءِ فِي الْمُهْتَدِينَ أَنَّ أَعْلَمُ لَيْسَ بِمَعْنَى يَعْلَمُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِذْ كَانَ بِمَعْنَى يَفْعَلُ ، لَمْ يُوصَلْ بِالْبَاءِ ، كَمَا لَا يُقَالُ : هُوَ يَعْلَمُ بِزَيْدٍ ، بِمَعْنَى : يَعْلَمُ زَيْدًا .